وقد أخذ بعد ذلك يبين سبحانه وتعالى الصفات التي رفعتهم إلى هذه الرتبة، والتي جعلتهم يصلون إلى هذه المنزلة فذكر خمس صفات كلها ذات صلة وثيقة ببناء مجتمع سليم قوي ثابت، وقد ذكر الصفة الأولى فقال سبحانه:
nindex.php?page=treesubj&link=19546_19797_20043_32470_32487_34291_28974nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=134الذين ينفقون في السراء والضراء ومعنى النص السامي أنهم ينفقون، ويتجدد إنفاقهم آنا بعد آن، ولذا عبر بالمضارع؛ لأن التعبير بالمضارع يفيد التجدد المستمر، والتعبير بالماضي يفيد الواقع المنقضي، ومعنى قوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=134في السراء والضراء أنهم ينفقون في حال مسرتهم، وحال مساءتهم، وهذا يشمل أحوالا كثيرة، فهم ينفقون في حال الغنى والفقر واليسر والعسر، وكل حال بمقدارها، وفى حال الصحة والمرض، وفي السرور والحزن، وحال عرس أو مأتم أو حبس، والمغزى في هذا أنه لا تشغلهم أنفسهم عن حاجة الناس إليهم أو إلى أموالهم، ولا تشغلهم همومهم الخاصة عن هموم الناس، والإنفاق منهم ليس لمناسبات تعرض وتزول، ولا لأحوال تجيء ثم تحول، بل هو لطبيعة ثابتة فيهم مستقرة غير مفترقة لا تزايلهم. وقدم الإنفاق على غيره من الصفات؛ لأنه وصف إيجابي وما عداه سلبي أو يتصل به، والإيجابي في أكثر أحواله أشق من السلبي، ولأنه أدل على الإخلاص، ولأنه في صدر الإسلام كان المجتمع أشد احتياجا إليه من غيره، إذ كان الفقر كثيرا، وكانت الحاجة إلى المال في الجهاد أشد؛ إذ كان ذلك ابتداء دولة، ولذلك قرن الأمر بالإنفاقب النهي عن التعرض للتهلكة، فقال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=195وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=134والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين كظم الغيظ أن يمسك على ما في نفسه، فيحملها على الصبر، ولا يظهر أثر لهذا الغيظ، ولقد قال
الراغب الأصفهاني في مفرداته: (الغيظ أشد الغضب وهو الحرارة التي يجدها
[ ص: 1413 ] الإنسان من فوران دم قلبه) . والغيظ بلا شك يدفع إلى الثورة وهي مظاهر الغضب فكظمه إبقاؤه في النفس وعدم ظهور آثاره في القول أو في الفعل، وأصل كظم: من كظم السقاء إذا ملأه وسد فاه، والكظامة ما يسد به مجرى الماء، وكظم البعير إذا لم يجتر.
وإن هذا الوصف ليس فيه منع للألم الذي يحدث من الأذى، بل إنه يدعو إلى كبح جماح الغضب ومنع نفسه من الاسترسال في مجاوبة الشر بمثله، وإن هذا لا ينال إلا بشق الأنفس وقوة الإرادة: ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "
nindex.php?page=hadith&LINKID=655649ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ولقد اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرب القربات ألا يغضب، واعتبر أن
nindex.php?page=treesubj&link=18759إبعاد المؤمن الغضب عن نفسه إبعاد لغضب الله تعالى عليه، فقد
سأله nindex.php?page=showalam&ids=9أنس - رضي الله عنه- عما يبعد غضب الله تعالى؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: " لا تغضب " .
وإن
nindex.php?page=treesubj&link=18758غضب المؤمن يجب أن يكون لأجل حقوق الله، وغيظه يجب أن يكون لانتهاك حرمات الله تعالى. ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "
nindex.php?page=hadith&LINKID=686687ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله تعالى " .
هذا هو الوصف الثاني من أوصاف المتقين، أما الوصف الثالث فهو العفو، وهو ثمرة لكظم الغيظ، وإنه يجب أن يكون معه لأن
nindex.php?page=treesubj&link=32488الغيظ الشديد إذا لم يصحبه عفو فإنه يمض القلب، ويفسد النفس، وينهك القوى فلا بد أن يقترن بالكظم العفو لمصلحة الشخص ولمصلحة الناس، ولكيلا تتولد الإحن ، وتتكاثر المحن، وليس العفو هو الستر على الجرائم العامة، فإن الجرائم العامة إذا ظهرت وجب
[ ص: 1414 ] العقاب؛ لأنه تقليم لأظفارها، وقطع لآثارها فلا يصح العفو عن زان يعلن جريمته، ولا عن سارق اعتاد السرقة واستهان بالحرمات، وروع الآمنين، كما لا يصح العفو عن فساق الألسنة، الذين يقذفون الناس، ويرمونهم بالسوء، ويعملون بذلك على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فإن العفو في هذه الأمور استهانة بحرمات الله تعالى، إنما العفو المطلوب هو الذي يكون في أنواع الأذى الشخصي وهي التي ينطبق عليها قول الله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=199خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وقوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=34ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ولقد ذكرت
nindex.php?page=showalam&ids=25عائشة في وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
كان لا يغضب إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لا يقوم لغضبه شيء حتى ينتقم لله .
ولقد ختم سبحانه هذه الآية بقوله تعالى: " و الله يحب المحسنين " وهي الصفة الرابعة، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى بهذه الصفة لتوجيه النظر إليها، ولبيان أنها أعلى منازل التقوى، وأنها تنال بها محبة الله تعالى، والإحسان معناه الإتقان والإجادة، وهو يطلق في عبارات القرآن الكريم بإطلاقين: أحدهما: أن يراد به الإجادة المطلقة في كل ما يطالب الله تعالى به عباده، ومن ذلك قوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=30إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا وقوله - صلى الله عليه وسلم - إحسان العبادة: "
nindex.php?page=hadith&LINKID=650048الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .
والثاني: أن يكون العمل أكثر من المكافأة، فهو لا يكافئ بالعدل بل يزيد، ومن ذلك قوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=90إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وقوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=77وأحسن كما أحسن الله إليك والإحسان بالإطلاق الأول يتعدى بنفسه ويذكر بجواره العمل، والثاني يتعدى بـ " إلى " ويذكر بجواره المحسن إليه، وأقرب الإطلاقين في
[ ص: 1415 ] الآية الكريمة هو الثاني، فإنها تومئ إلى أن البر التقي يكظم غيظه، ويعفو عمن ظلمه بل يحسن إليه إن كان للإحسان موضع، وإن
nindex.php?page=treesubj&link=20034الله سبحانه وتعالى أمر أهل الفضل بألا يذهب غيظهم بإحسانهم فقد قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=22ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم فقد
nindex.php?page=treesubj&link=28861نزلت هذه الآية عندما حلف
nindex.php?page=showalam&ids=1أبو بكر ألا يعطي بعض قرابته الذين خاضوا في حديث الإفك بالنسبة
nindex.php?page=showalam&ids=25لعائشة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن هذه الدرجة هي أقصى ما تصل إليه السماحة البشرية، وهي لا تكون إلا لنفس محبة للناس، ولذلك كانت المكافأة هي حب الله تعالى:
وَقَدْ أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ يُبَيِّنُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الصِّفَاتَ الَّتِي رَفَعَتْهُمْ إِلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وَالَّتِي جَعَلَتْهُمْ يَصِلُونَ إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَذَكَرَ خَمْسَ صِفَاتٍ كُلُّهَا ذَاتُ صِلَةٍ وَثِيقَةٍ بِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ سَلِيمٍ قَوِيٍّ ثَابِتٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الصِّفَةَ الْأُولَى فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
nindex.php?page=treesubj&link=19546_19797_20043_32470_32487_34291_28974nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=134الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَمَعْنَى النَّصِّ السَّامِي أَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ، وَيَتَجَدَّدُ إِنْفَاقُهُمْ آنًا بَعْدَ آنٍ، وَلِذَا عَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُضَارِعِ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ الْمُسْتَمِرَّ، وَالتَّعْبِيرَ بِالْمَاضِي يُفِيدُ الْوَاقِعَ الْمُنْقَضِي، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=134فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ فِي حَالِ مَسَرَّتِهِمْ، وَحَالِ مَسَاءَتِهِمْ، وَهَذَا يَشْمَلُ أَحْوَالًا كَثِيرَةً، فَهُمْ يُنْفِقُونَ فِي حَالِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَكُلُّ حَالٍ بِمِقْدَارِهَا، وَفَى حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي السُّرُورِ وَالْحُزْنِ، وَحَالِ عُرْسٍ أَوْ مَأْتَمٍ أَوْ حَبْسٍ، وَالْمَغْزَى فِي هَذَا أَنَّهُ لَا تَشْغَلُهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى أَمْوَالِهِمْ، وَلَا تَشْغَلُهُمْ هُمُومُهُمُ الْخَاصَّةُ عَنْ هُمُومِ النَّاسِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنْهُمْ لَيْسَ لِمُنَاسَبَاتٍ تُعْرَضُ وَتَزُولُ، وَلَا لِأَحْوَالٍ تَجِيءُ ثُمَّ تُحَوَّلُ، بَلْ هُوَ لِطَبِيعَةٍ ثَابِتَةٍ فِيهِمْ مُسْتَقِرَّةٍ غَيْرِ مُفْتَرِقَةٍ لَا تُزَايِلُهُمْ. وَقَدَّمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ إِيجَابِيٌّ وَمَا عَدَاهُ سَلْبِيٌّ أَوْ يَتَّصِلُ بِهِ، وَالْإِيجَابِيُّ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ أَشَقُّ مِنَ السَّلْبِيِّ، وَلِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَلِأَنَّهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَانَ الْمُجْتَمَعُ أَشَدَّ احْتِيَاجًا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، إِذْ كَانَ الْفَقْرُ كَثِيرًا، وَكَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَالِ فِي الْجِهَادِ أَشَدَّ؛ إِذْ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ دَوْلَةٍ، وَلِذَلِكَ قَرَنَ الْأَمْرَ بِالْإِنْفَاقِبِ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلتَّهْلُكَةِ، فَقَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=195وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=134وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ كَظْمُ الْغَيْظِ أَنْ يُمْسِكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى الصَّبْرِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرٌ لِهَذَا الْغَيْظِ، وَلَقَدْ قَالَ
الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي مُفْرَدَاتِهِ: (الْغَيْظُ أَشَدُّ الْغَضَبِ وَهُوَ الْحَرَارَةُ الَّتِي يَجِدُهَا
[ ص: 1413 ] الْإِنْسَانُ مِنْ فَوَرَانِ دَمِ قَلْبِهِ) . وَالْغَيْظُ بِلَا شَكٍّ يَدْفَعُ إِلَى الثَّوْرَةِ وَهِيَ مَظَاهِرُ الْغَضَبِ فَكَظْمُهُ إِبْقَاؤُهُ فِي النَّفْسِ وَعَدَمُ ظُهُورِ آثَارِهِ فِي الْقَوْلِ أَوْ فِي الْفِعْلِ، وَأَصْلُ كَظَمَ: مِنْ كَظَمَ السِّقَاءَ إِذَا مَلَأَهُ وَسَدَّ فَاهُ، وَالْكِظَامَةُ مَا يُسَدُّ بِهِ مَجْرَى الْمَاءِ، وَكَظَمَ الْبَعِيرُ إِذَا لَمْ يَجْتَرَّ.
وَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ لِلْأَلَمِ الَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الْأَذَى، بَلْ إِنَّهُ يَدْعُو إِلَى كَبْحِ جِمَاحِ الْغَضَبِ وَمَنْعِ نَفْسِهِ مِنَ الِاسْتِرْسَالِ فِي مُجَاوَبَةِ الشَّرِّ بِمِثْلِهِ، وَإِنَّ هَذَا لَا يُنَالُ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وَقُوَّةِ الْإِرَادَةِ: وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "
nindex.php?page=hadith&LINKID=655649لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " وَلَقَدِ اعْتَبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَبَ الْقُرُبَاتِ أَلَّا يَغْضَبَ، وَاعْتَبَرَ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=18759إِبْعَادَ الْمُؤْمِنِ الْغَضَبَ عَنْ نَفْسِهِ إِبْعَادٌ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَقَدْ
سَأَلَهُ nindex.php?page=showalam&ids=9أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَمَّا يُبْعِدُ غَضَبَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " لَا تَغْضَبْ " .
وَإِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=18758غَضَبَ الْمُؤْمِنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ حُقُوقِ اللَّهِ، وَغَيْظَهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِانْتِهَاكِ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "
nindex.php?page=hadith&LINKID=686687مَا مِنْ جَرْعَةٍ يَتَجَرَّعُهَا الْعَبْدُ خَيْرٌ لَهُ وَأَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ فِي اللَّهِ تَعَالَى " .
هَذَا هُوَ الْوَصْفُ الثَّانِي مِنْ أَوْصَافِ الْمُتَّقِينَ، أَمَّا الْوَصْفُ الثَّالِثُ فَهُوَ الْعَفْوُ، وَهُوَ ثَمَرَةٌ لِكَظْمِ الْغَيْظِ، وَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ لِأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=32488الْغَيْظَ الشَّدِيدَ إِذَا لَمْ يَصْحَبْهُ عَفْوٌ فَإِنَّهُ يَمُضُّ الْقَلْبَ، وَيُفْسِدُ النَّفْسَ، وَيُنْهِكُ الْقُوَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالْكَظْمِ الْعَفْوُ لِمَصْلَحَةِ الشَّخْصِ وَلِمَصْلَحَةِ النَّاسِ، وَلِكَيْلَا تَتَوَلَّدَ الْإِحَنُ ، وَتَتَكَاثَرَ الْمِحَنُ، وَلَيْسَ الْعَفْوُ هُوَ السَّتْرُ عَلَى الْجَرَائِمِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ الْجَرَائِمَ الْعَامَّةَ إِذَا ظَهَرَتْ وَجَبَ
[ ص: 1414 ] الْعِقَابُ؛ لِأَنَّهُ تَقْلِيمٌ لِأَظْفَارِهَا، وَقَطْعٌ لِآثَارِهَا فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْ زَانٍ يُعْلِنُ جَرِيمَتَهُ، وَلَا عَنْ سَارِقٍ اعْتَادَ السَّرِقَةَ وَاسْتَهَانَ بِالْحُرُمَاتِ، وَرَوَّعَ الْآمِنِينَ، كَمَا لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْ فُسَّاقِ الْأَلْسِنَةِ، الَّذِينَ يَقْذِفُونَ النَّاسَ، وَيَرْمُونَهُمْ بِالسُّوءِ، وَيَعْمَلُونَ بِذَلِكَ عَلَى إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، فَإِنَّ الْعَفْوَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ اسْتِهَانَةٌ بِحُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، إِنَّمَا الْعَفْوُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي أَنْوَاعِ الْأَذَى الشَّخْصِيِّ وَهِيَ الَّتِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=199خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=34ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَلَقَدْ ذَكَرَتْ
nindex.php?page=showalam&ids=25عَائِشَةُ فِي وَصْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ
كَانَ لَا يَغْضَبُ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَإِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ لَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ .
وَلَقَدْ خَتَمَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " وَهِيَ الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ، وَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَوْجِيهِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، وَلِبَيَانِ أَنَّهَا أَعْلَى مَنَازِلِ التَّقْوَى، وَأَنَّهَا تُنَالُ بِهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِحْسَانُ مَعْنَاهُ الْإِتْقَانُ وَالْإِجَادَةُ، وَهُوَ يُطْلَقُ فِي عِبَارَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِإِطْلَاقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِجَادَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي كُلِّ مَا يُطَالِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=30إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْسَانُ الْعِبَادَةِ: "
nindex.php?page=hadith&LINKID=650048الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " .
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ أَكْثَرَ مِنَ الْمُكَافَأَةِ، فَهُوَ لَا يُكَافِئُ بِالْعَدْلِ بَلْ يَزِيدُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=90إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=77وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَالْإِحْسَانُ بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَيُذْكَرُ بِجِوَارِهِ الْعَمَلُ، وَالثَّانِي يَتَعَدَّى بِـ " إِلَى " وَيُذَكَرُ بِجِوَارِهِ الْمُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَأَقْرَبُ الْإِطْلَاقَيْنِ فِي
[ ص: 1415 ] الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الثَّانِي، فَإِنَّهَا تُومِئُ إِلَى أَنَّ الْبَرَّ التَّقِيَّ يَكْظِمُ غَيْظَهُ، وَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ بَلْ يُحْسِنُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ لِلْإِحْسَانِ مَوْضِعٌ، وَإِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=20034اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ أَهْلَ الْفَضْلِ بِأَلَّا يَذْهَبَ غَيْظُهُمْ بِإِحْسَانِهِمْ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=22وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ فَقَدْ
nindex.php?page=treesubj&link=28861نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَمَا حَلَفَ
nindex.php?page=showalam&ids=1أَبُو بَكْر ٍأَلَّا يُعْطِيَ بَعْضَ قَرَابَتِهِ الَّذِينَ خَاضُوا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ بِالنِّسْبَةِ
nindex.php?page=showalam&ids=25لِعَائِشَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ هِيَ أَقْصَى مَا تَصِلُ إِلَيْهِ السَّمَاحَةُ الْبَشَرِيَّةُ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِنَفْسٍ مُحِبَّةٍ لِلنَّاسِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْمُكَافَأَةُ هِيَ حُبُّ اللَّهِ تَعَالَى: