الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
33 [ 18 ] وفي رواية nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر : nindex.php?page=hadith&LINKID=657041nindex.php?page=treesubj&link=7861_24589_2649_28444_7920_30544_8106_1330_28656حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ، وحسابهم على الله .
[ ص: 185 ] (7) ومن باب يقاتل الناس إلى أن يوحدوا الله ، ويلتزموا شرائع دينه
(قوله : " وكفر من كفر من العرب ") قال nindex.php?page=showalam&ids=12563ابن إسحاق : لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد : مسجد المدينة ، ومسجد مكة ، ومسجد جؤاثا .
قال القاضي nindex.php?page=showalam&ids=14961أبو الفضل عياض : كان أهل الردة ثلاثة أصناف : فصنف كفر بعد إسلامه ، وعاد لجاهليته ، واتبع مسيلمة والعنسي ، وصدق بهما . وصنف أقر بالإسلام إلا الزكاة فجحدها ، وتأول بعضهم أن ذلك كان خاصا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ; لقوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=103خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم [ التوبة : 103 ] ، وصنف اعترف بوجوبها ، ولكن امتنع من دفعها إلى nindex.php?page=showalam&ids=1أبي بكر ، فقال : إنما كان قبضها للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة لا لغيره ، وفرقوا صدقاتهم بأيديهم ، فرأىnindex.php?page=showalam&ids=1أبو بكر والصحابة قتال جميعهم ، الصنفان الأولان لكفرهم ، والثالث لامتناعهم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : وهذا الصنف الثالث هم الذين أشكل أمرهم على nindex.php?page=showalam&ids=2عمر ، فباحث nindex.php?page=showalam&ids=1أبا بكر في ذلك حتى ظهر له الحق الذي كان ظاهرا لأبي بكر ، فوافقه على ذلك ; ولذلك قال : فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال ; فعرفت أنه الحق ، أي : ظهر له من الدليل ، وحصل له من ثلج الصدر وانشراحه لذلك ، مثل الذي حصل لأبي بكر ، لأنه قلده واتبعه بعد ظهور الدليل ; لأن التقليد لا ينشرح به الصدر ، ولا يعرف به الحق ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن [ ص: 186 ] يقلد مجتهدا عند تمكنه من الاجتهاد ; كما بيناه في " أصول الفقه " ، ثم إن nindex.php?page=showalam&ids=1أبا بكر قاتل جميع المرتدين الثلاثة الأصناف ، وسبى ذراريهم ; قال القاضي : وحكم فيهم بحكم الناقضين للعهد ، فلما توفي nindex.php?page=showalam&ids=1أبو بكر وولي nindex.php?page=showalam&ids=2عمر رد عليهم سبيهم ، وحكم عليهم بحكم المرتدين ، وكان nindex.php?page=showalam&ids=1أبو بكر يرى nindex.php?page=treesubj&link=25580سبي أولاد المرتدين ; وبذلك قال nindex.php?page=showalam&ids=12322أصبغ بن الفرج من أصحابنا ، وكان nindex.php?page=showalam&ids=2عمر يرى أنهم لا يسبون ، ولذلك رد سبيهم ; وبهذا قال جمهور العلماء وأئمة الفتوى .
ويستفاد من فعل nindex.php?page=showalam&ids=2عمر وحكمه : أن nindex.php?page=treesubj&link=34313الإمام المجتهد العدل إذا أمر بأمر ، أو حكم بحكم ، وجبت موافقته على الجميع ، وإن كان فيهم من يرى خلاف رأيه ، بل يجب عليه ترك العمل والفتيا بما عنده ، وإن اعتقد صحته ، فإن عاد الأمر إليه ، عمل على رأيه الذي كان يعتقده صوابا .
ويحصل من قضية nindex.php?page=showalam&ids=1أبي بكر nindex.php?page=showalam&ids=2وعمر : أن سبي أولاد المرتدين لم يكن مجمعا عليه ، وأن nindex.php?page=showalam&ids=2عمر إنما وافق nindex.php?page=showalam&ids=1أبا بكر ظاهرا وباطنا على قتال الجميع لا غير ، وأما سبي الذراري ، فلم يوافقه عليه nindex.php?page=showalam&ids=2عمر باطنا ، لكنه ترك العمل بما ظهر له والفتيا به ; لما يجب عليه من طاعة الإمام وموافقته ، فلما ولي عمل بما كان عنده ; هذا هو الظاهر من حال nindex.php?page=showalam&ids=2عمر . ولا يجوز أن يقال : إنه كان قد ظهر له من جواز السبي ما ظهر لأبي بكر ، ثم تغير اجتهاده ; لأن ذلك يلزم منه خرق إجماع الصحابة السابق ; فإنهم كانوا قد أجمعوا مع nindex.php?page=showalam&ids=1أبي بكر على السبي ، وعملوا بذلك من غير مخالفة ظهرت من أحد منهم ولا إنكار ظاهر ; غير أنهم منقسمون في ذلك إلى [ ص: 187 ] من ظهر له جواز ذلك ; فسكت لذلك ، ومنهم : من ظهر له خلاف ذلك ; فسكت بحكم ترجيح قول الإمام العدل المجتهد على رأيه ، ولوجوب اتباع الإمام على ما يراه ، والعمل به ; فإذا فقد ذلك الإمام ، تعين على ذلك المجتهد أن يعمل على ما كان قد ظهر له ، لكن بعد تجديد النظر ، لا أنه يعتمد على ذلك الرأي الأول من غير إعادة البحث ثانية ; لإمكان التغيير على ما بينته في " علم الأصول " .
وقد حكى بعض الناس : أن الإجماع انعقد بعد nindex.php?page=showalam&ids=1أبي بكر على أن المرتد لا يسبى ; وليس ذلك بصحيح ; لوجود الخلاف في ذلك ; كما قد حكيناه عن nindex.php?page=showalam&ids=12322أصبغ ، ولأنه يؤدي إلى تناقض الإجماعين ، وهو محال ; كما يعرف في " الأصول " . ولما اعتقد بعض الأصوليين في هذه المسألة إجماعين متناقضين رأى أن المخلص من ذلك : اشتراط انقراض العصر في صحة الإجماع ، فلم ينعقد عند هذا القائل فيها إجماع أولا ولا آخرا ; لأن عصر الصحابة لم يكن انقرض في زمان nindex.php?page=showalam&ids=2عمر .
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : واشتراط انقراض العصر في دلالة الإجماع باطل ; لأنه زيادة شرط في دلالات الإجماع الصحيحة ، من غير أن يشهد لتلك الزيادة عقل ولا نقل ، والصحيح من هذه المسألة : أنه لا إجماع فيها أولا ولا آخرا ; لإضمار الخلاف فيها في عصر nindex.php?page=showalam&ids=1أبي بكر ، والتصريح به بعده ، والله تعالى أعلم .
و ( قول عمر لأبي بكر : " كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ") ؟ ظاهره : أن من نطق بكلمة التوحيد فقط حكم له بحكم الإسلام . وهذا الظاهر متروك قطعا ; إذ لا بد مع ذلك من [ ص: 188 ] النطق بالشهادة بالرسالة أو بما يدل عليها ، لكنه سكت عن كلمة الرسالة ; لدلالة كلمة التوحيد عليها ; لأنهما متلازمان ، فهي مرادة قطعا .
ثم nindex.php?page=treesubj&link=29618_8111_27811النطق بالشهادتين يدل على الدخول في الدين والتصديق بكل ما تضمنه ; وعلى هذا : فالنطق بالكلمة الأولى يفيد إرادة الثانية ، كما يقال : قرأت : nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=2الحمد لله رب العالمين والمراد جميع السورة . ويدل على صحة ما قلناه : الروايات الأخر التي فيها : nindex.php?page=hadith&LINKID=650024أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، وفي لفظ آخر : nindex.php?page=hadith&LINKID=657039أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي ، وبما جئت به . غير أن nindex.php?page=showalam&ids=1أبا بكر nindex.php?page=showalam&ids=2وعمر لم يحضر لهما في وقت هذه المناظرة غير ذلك اللفظ الذي ذكراه ; إذ لو حضر لهما قوله - عليه الصلاة والسلام - : nindex.php?page=hadith&LINKID=650024أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، لارتفع البحث بينهما ; لأن هذا اللفظ نص في المطلوب ، وأوضح في الدلالة مما استدل به nindex.php?page=showalam&ids=1أبو بكر من قوله : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة .
ويعني بهذا nindex.php?page=showalam&ids=1أبو بكر - والله أعلم - : أن الله تعالى قد سوى بين الصلاة والزكاة في الوجوب في nindex.php?page=treesubj&link=28973قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=43وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [ البقرة : 43 ] ; وفي غيرها ، فقد جمع الله تعالى بينهما في الأمر بهما ، والصلاة المأمور بها واجبة قطعا ; فالزكاة مثلها ، فمن فرق بينهما قوتل .
ويمكن أن نشير بذلك إلى قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=5فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم [ التوبة : 5 ] ، ودليل خطابها : أن من لم يفعل جميع ذلك لم يخل سبيله ، فيقاتل إلى أن يقتل أو يتوب ، وبهذه الآية وبذلك الحديث استدل nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي nindex.php?page=showalam&ids=16867ومالك ومن قال بقولهما على قتل nindex.php?page=treesubj&link=23391_26724تارك الصلاة وإن كان معتقدا لوجوبها ; على ما يأتي إن شاء الله تعالى .
و (قوله : " فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ") عصم : منع ، والعصمة : المنع والامتناع ، والعصام : الخيط الذي يشد به فم القربة ، سمي بذلك ; لمنعه الماء [ ص: 189 ] من السيلان ، والحق المستثنى : هو ما بينه - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر بقوله : زنى بعد إحصان ، أو كفر بعد إيمان ، أو قتل النفس التي حرم الله ، وسيأتي ذكره في الحدود .
و (قوله : " وحسابهم على الله ") أي : حساب سرائرهم على الله ; لأنه تعالى هو المطلع عليها ; فمن أخلص في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاء المخلصين ، ومن لم يخلص في ذلك كان من المنافقين ، يحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين ، وهو عند الله من أسوأ الكافرين .
ويستفاد منه : أن أحكام الإسلام إنما تدار على الظواهر الجلية ، لا الأسرار الخفية .
و (قوله : " والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه ") اختلف في هذا العقال على أقوال : أولها : أنه الفريضة من الإبل ; رواه nindex.php?page=showalam&ids=16472ابن وهب عن nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك ، وقاله nindex.php?page=showalam&ids=15409النضر بن شميل . وثانيها : أنه صدقة عام ; قاله الكسائي ; وأنشد :
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين ؟ !
[ ص: 190 ] وثالثهما : أنه كل شيء يؤخذ في الزكاة من أنعام وثمار ; لأنه يعقل عن مالكه ; قاله أبو سعيد الضرير .
ورابعها : هو ما يأخذه المصدق من الصدقة بعينها ، فإن أخذ عوضها ، قيل : أخذ نقدا ; ومنه قول الشاعر :
ولم يأخذ عقالا ولا نقدا
وخامسها : أنه اسم لما يعقل به البعير ; قاله أبو عبيد ، وقال : قد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - nindex.php?page=showalam&ids=80محمد بن مسلمة على الصدقة ، فكان يأخذ مع كل قرينين عقالا ورواء .
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : والأشبه بمساق قول nindex.php?page=showalam&ids=1أبي بكر أن يراد بالعقال : ما يعقل به البعير ; لأنه خرج مخرج التقليل ، والله أعلم .
وقد روي في غير كتاب nindex.php?page=showalam&ids=17080مسلم : nindex.php?page=hadith&LINKID=651312لو منعوني عناقا مكان عقالا ، وهو الجذع من أولاد المعز . وقد روي : جذعا مكان عناقا ، وهو تفسير له ، والجذع من أولاد الغنم : هو الذي جاوز ستة أشهر إلى آخر السنة ، ثم هو ثني . وبهذه الرواية تمسك من أجاز nindex.php?page=treesubj&link=2823_2779أخذ الجذع [ ص: 191 ] من المعز في الزكاة إذا كانت سخالا كلها ; وهو قول nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي ، وأحد قولي nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك ، وليس بالمشهور عنه . ولا حجة في ذلك ; لأنه خرج مخرج التقليل ; فإن عادة العرب إذا أغيت تقليل شيء ، ذكرت في كلامها ما لا يكون مقصودا ; كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : nindex.php?page=hadith&LINKID=688119لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ، وفي أخرى : ولو ظلفا محرقا ، وليسا مما ينتفع به ، وكذلك قوله - عليه الصلاة والسلام - : nindex.php?page=hadith&LINKID=99133من بنى مسجدا لله ولو مثل مفحص قطاة ; وذلك القدر لا يكون مسجدا ، ونحو من هذا في الإغياء قول امرئ القيس :
من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثرا
ونحوه كثير في كلامهم في التقليل والتكثير والتعظيم والتحقير .
وفي الحديث : حجة على أن nindex.php?page=treesubj&link=2657الزكاة لا تسقط عن المرتد بردته ، بل يؤخذ منه ما وجب عليه منها ، فإن تاب ، وإلا قتل وكان ماله فيئا .