قال رضي الله عنهما : جابر بن عبد الله مضر أو اليمن ، فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون : احذر فتى قريش لا يفتنك يمضي بين رحالهم ، وهم يشيرون إليه بأصابعهم ، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم تبق دار من دور يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام . ثم بعثنا الله تعالى فأتمرنا واجتمعنا فقلنا :
متى نذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم ، فواعدناه شعب العقبة ، فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا عنده ، فقلنا : يا رسول الله علام نبايعك؟ قال : «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن تقولوا في الله ، لا تأخذكم لومة لائم ، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب ، تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» .
«فقمنا نبايعه ، فأخذ بيده وهو أصغر السبعين رجلا إلا أنا فقال : رويدا يا أسعد بن زرارة ، أهل يثرب . فإنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف ، فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة ، فخذوه ، وأجركم على الله ، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة ، فذروه فهو أعذر لكم عند الله .
فقلنا : ابسط يدك يا فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها . فقمنا إليه نبايعه رجلا رجلا ، يأخذ علينا شرطه ويعطينا على ذلك الجنة» ، أسعد بن زرارة ، رواه الإمام «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم مجنة وعكاظ وفي المواسم بمنى يقول : «من يؤويني؟ ومن ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة» ، فلا يجد أبدا أحدا يؤويه ولا ينصره ، حتى إن الرجل ليرحل من أحمد والبيهقي .
وروى عن ابن إسحاق رضي الله عنه قال : كعب بن مالك سيدنا وكبيرنا- زاد البراء بن معرور وكنا خمسمائة ، حتى إذا كنا بظاهر البيداء قال : يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا ، ووالله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا . فقلنا : وما ذاك؟ قال : قد رأيت ألا أدع هذه البنية مني بظهر- يعني الكعبة- وأن أصلي إليها . قال : فقلنا : والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الحاكم- الشام ، وما نريد أن نخالفه ، فقال : إني لمصل إليها . فقلنا له : لكنا لا نفعل . قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا . [ ص: 202 ]
إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة وقد كنا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لي : يا ابن أخي ، انطلق بنا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أسأله عما صنعت . في سفري هذا ، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه . قال : فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل تعرفانه؟ فقلنا : لا . قال : فهل تعرفان عمه؟ قلنا : نعم . وقد كنا نعرف العباس بن عبد المطلب كان لا يزال يقدم علينا تاجرا . العباس
قال : فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع قال : فدخلنا المسجد فإذا العباس . جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه . فسلمنا ثم جلسنا إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس للعباس :
«هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟» قال : نعم ، هذا سيد قومه ، وهذا البراء بن معرور قال : فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الشاعر؟» قال : نعم . فقال كعب بن مالك . يا نبي الله ، إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله تعالى للإسلام فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها ، وقد خالفني أصحابي في ذلك ، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء ، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال : «قد كنت على قبلة لو صبرت عليها» . قال : فرجع البراء بن معرور : إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى معنا إلى البراء الشام . قال : وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا ، نحن أعلم به منهم .
قال ابن هشام : وقال عون بن أيوب الأنصاري :
ومنا المصلي أول الناس مقبلا على كعبة الرحمن بين المشاعر
يعني قال البراء بن معرور . كعب : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق- زاد ابن سعد- «ليلة النفر الأول [إذا هدأت الرجل] أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة حيث المسجد الحرام اليوم ، وأمرهم ألا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا» . [قال] : فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ، سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا ، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ثم [ ص: 203 ] دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة . قال : فأسلم وشهد معنا العقبة [وكان نقيبا] .[قال] : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا : إحدى نساء بني مازن بن النجار ، نسيبة بنت كعب ، أم عمارة ، وأسماء بنت عمرو بن عدي [بن نابي ، إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع] . فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذكر ابن سعد وأبو معشر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقهم وانتظرهم- حتى جاءنا ومعه وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له . العباس بن عبد المطلب ،
فلما جلس كان أول من تكلم فقال : «يا معشر الخزرج ، - قال : العباس بن عبد المطلب
وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها- إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده . وروى الإمام «خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ، ومعنا عن أحمد عن الشعبي رضي الله عنه قال : أبي مسعود البدري إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال : «ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا ، وإن يعلموا بكم يفضحوكم» . فقلنا «قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما أحببت» . العباس
قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ، ثم قال :
«أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . قال : فأخذ [ ص: 204 ] بيده ، ثم قال : «نعم فوالله الذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر» . قال : فاعترض القول ، البراء بن معرور والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : «يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟» قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «بل الدم الدم والهدم الهدم»
أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم- «أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .
قال كعب : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم» .
فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس :
فمن الخزرج : أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار . ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق ، بفتح الراء ، وسعد بن الربيع ، نقيب بني الحارث بن الخزرج وعبد الله بن رواحة وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو نقيب بني ساعدة والبراء بن معرور- بالعين المهملة وعبد الله بن عمرو بن حرام ومن الأوس : وعبادة بن الصامت . بالحاء المهملة والضاد المعجمة- نقيب بني عبد الأشهل أسيد بن حضير- ورفاعة بن عبد المنذر وسعد بن خيثمة نقيبا بني عمرو بن عوف . انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه
قال حدثني ابن إسحاق : عبد الله بن أبي بكر لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي»
- يعني المسلمين . قالوا : نعم . قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء : «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين ابن هشام : وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة .
وروى عن الإمام البيهقي رضي الله عنه قال : حدثني شيخ من الأنصار مالك أن جبريل عليه السلام كان يشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة . قال وكنت أعجب كيف جاء هذا؟ رجلان من قبيلة ورجل من أخرى ، حتى حدثت بهذا الحديث : أن مالك : جبريل هو الذي ولاهم وأنه أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وروى عن أبو نعيم قال : ابن عمر «لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم النقباء قال : لا يجد امرؤ في نفسه شيئا إنما أخذ من أشار إليه جبريل» وروى أنه صلى الله عليه وسلم نقب على النقباء فلما توفي أسعد بن زرارة أسعد والمسجد يبنى اجتمع بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجعل منهم شخصا نقيبا عليهم ، فقال : «أنتم أخوالي وأنا نقيبكم» وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض قال السهيلي : «وإنما [ ص: 205 ] جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيبا اقتداء بقول الله تعالى في قوم موسى وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا [المائدة : 12] .
وقال يذكرهم فيما رواه كعب بن مالك ابن هشام عن أبي زيد [الأنصاري] :
فأبلغ أبيا أنه فال رأيه وحان غداة الشعب والحين واقع
أبى الله ما منتك نفسك إنه بمرصاد أمر الناس راء وسامع
وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا بأحمد نور من هدى الله ساطع
فلا ترعين في حشد أمر تريده وألب وجمع كل ما أنت جامع
ودونك فاعلم أن نقض عهودنا أباه عليك الرهط حين تبايعوا
أباه البراء وابن عمرو كلاهما وأسعد يأباه عليك ورافع
وسعد أباه الساعدي ومنذر لأنفك إن حاولت ذلك جادع
وما ابن ربيع إن تناولت عهده بمسلمه لا يطمعن ثم طامع
وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة وإخفاره من دونه السم ناقع
وفاء به والقوقلي ابن صامت بمندوحة عما تحاول يافع
أبو هيثم أيضا وفي بمثلها وفاء بما أعطى من العهد خانع
وما ابن حضير إن أردت بمطمع فهل أنت عن أحموقة الغي نازع
وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه ضروح لما حاولت الأمر مانع
أولاك نجوم لا يغبك منهم عليك بنحس في دجى الليل طالع
فأما فقال : «والله ما قال ذلك عاصم بن عمر بن قتادة إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 206 ] في أعناقهم» . وأما العباس عبد الله بن أبي بكر فقال : «ما قال ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها العباس عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم» ، فالله أعلم أي ذلك كان ، قال «وبنو النجار يزعمون أن ابن إسحاق : أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو عبد الأشهل يقولون : «بل أبو الهيثم بن التيهان» .
وفي حديث قال : كعب بن مالك ثم بايع بعد القوم ، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط : يا أهل الجباجب : هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هذا أزب العقبة ، هذا ابن أزيب ، استمع أي عدو الله ، أما والله لأفرغن لك» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفضوا إلى رحالكم» . فقال هل البراء بن معرور ، العباس بن عبادة ابن نضلة ، «والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها [حتى أصبحنا] . «كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وذكر سليمان بن طرخان التيمي في كتاب السير له أن إبليس لعنه الله ، لما أسلم من أسلم من الأنصار صاح ببنيه بين الحجاج : «إن كان لكم بمحمد حاجة فأتوه بمكان كذا وكذا فقد حالفه الذين يسكنون يثرب» . قال : «ونزل جبريل فلم يبصره من القوم أحد ، واجتمع الملأ من قريش عند صرخة إبليس ، فعظم الأمر بين المشركين والأنصار حتى كاد أن يكون بينهم قتال : ثم إن أبا جهل كره القتال في تلك الأيام فقال : يا معشر الأوس والخزرج أنتم إخواننا وقد أتيتم أمرا عظيما ، تريدون أن تغلبونا على صاحبنا ، فقال له نعم وأنفك راغم ، والله لو نعلم أنه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجك أيضا لأخرجناك . فقال حارثة بن النعمان : أبو جهل : نعرض عليكم أن نلحق بكم من أصحاب محمد من شاء بعد ثلاثة أشهر ، ونعطيكم ميثاقا ترضون به أنتم ومحمد لا نحبسه بعد ذلك . فقالت الأنصار : «نعم إذا رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، فذكر الحديث .
وقال كعب في حديثه : فقالوا : «يا معشر الخزرج ، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا ، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم» . قال : فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه . وقد صدقوا لم يعلموه . قال : وبعضنا ينظر إلى بعض . قال : ثم قام القوم وفيهم الحرث بن هشام بن المغيرة المخزومي- وأسلم بعد ذلك- وعليه نعلان جديدان . قال : فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا : يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال : فسمعه [ ص: 207 ]
الحرث فخلعهما من رجليه ، ثم رمى بهما إلي ، فقال : والله لتنتعلنهما . قال : يقول أبو جابر :
[مه] أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه . قال : قلت : لا والله لا أردهما ، فأل والله صالح ، لئن صدق الفأل لأسلبنه» . قال «وحدثني ابن إسحاق : عبد الله بن أبي بكر : أنهم أتوا عبد الله بن أبي بن سلول فقالوا له مثل ما ذكر كعب من القول ، فقال لهم : والله إن هذا لأمر جسيم ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا وما علمته . قال : فانصرفوا عنه . قال : ونفر الناس من منى ، فتنطس القوم الخبر ، فوجدوه قد كان . وخرجوا في طلب القوم ، فأدركوا بأذاخر ، سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، وكلاهما كان نقيبا . فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا جمة وشعر كثير . قال سعد : فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال .
قال : قلت في نفسي : إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا . قال : فلما دنا مني رفع يده فلطمني لطمة شديدة- قال ابن هشام : هو قلت : وأسلم بعد ذلك- قال : سهيل بن عمرو ،
فقلت في نفسي : لا والله ما عندهم بعد هذا خير . قال : فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذا أوى إلي رجل ممن كان معهم- قال ابن هشام : هو أبو البختري بن هشام ، قلت : ومات كافرا- فقال : ويحك : أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال : قلت : بلى والله ولقد كنت أجيرا لجبير بن مطعم بن عدي تجارة ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي ، وللحرث بن حرب بن أمية . قال : ويحك ، فاهتف باسم الرجلين ، واذكر ما بينك وبينهما . قال : ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما : إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ليهتف بكما ويذكر أن بينه وبينكما جوارا . قالا : ومن هو؟ قال : قالا : صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده . قال : فجاءا فخلصا سعد بن عبادة . سعدا من أيديهم ، فانطلق .
قال وكان أول شعر قيل في الهجرة بيتين قالهما ابن إسحاق : ضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بني محارب بن فهر- قلت : وأسلم بعد ذلك .
تداركت سعدا عنوة فأخذته وكان شفاء لو تداركت منذرا
ولو نلته طلت هناك جراحه وكان حريا أن يهان ويهدرا
قال ابن هشام : ويروى : «وكان حقيقا أن يهان ويهدرا» ، قال فأجابه ابن إسحاق : فيهما فقال : [ ص: 208 ] حسان بن ثابت
فلست إلى عمرو ولا المرء منذر إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا
أتفخر بالكتان لما لبسته وقد يلبس الأنباط ريطا مقصرا
فلولا أبو وهب لمرت قصائد على شرف البرقاء يهوين حسرا
فلاتك كالوسنان يحلم أنه بقرية كسرى أو بقرية قيصرا
ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا
ولا تك كالشاة التي كان حتفها بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
ولا تك كالغاوي فأقبل نحره ولم يخشه سهما من النبل مضمرا
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا