[ ص: 172 ] [ ص: 173 ] بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأعراف
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175nindex.php?page=treesubj&link=28978_30549_28901واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث
أعقب ما يفيد أن
nindex.php?page=treesubj&link=28644التوحيد جعل في الفطرة بذكر حالة اهتداء بعض الناس إلى نبذ الشرك في مبدأ أمره ثم تعرض وساوس الشيطان له بتحسين الشرك .
ومناسبتها للتي قبلها إشارة العبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله ، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة ، ثم لم ينفعه ذلك كله حين لم يقدر الله له الهدى المستمر .
nindex.php?page=treesubj&link=32016وشأن القصص المفتتحة بقوله " nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175واتل عليهم " أن يقصد منها وعظ المشركين بصاحب القصة بقرينة قوله "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176ذلك مثل القوم " إلخ ، ويحصل من ذلك أيضا تعليم مثل قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=71واتل عليهم نبأ نوح nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=69واتل عليهم نبأ إبراهيم nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=3نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ونظائر ذلك . فضمير عليهم راجع إلى المشركين الذين وجهت إليهم العبر والمواعظ من أول هذه السورة ، وقصت عليهم
[ ص: 174 ] قصص الأمم مع رسلهم ، على أن توجيه ضمائر الغيبة إليهم أسلوب متبع في مواقع كثيرة من القرآن ، كما قدمناه غير مرة ، فهذا من قبيل رد العجز على الصدر .
ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قوما تغلب عليهم الأمية فأراد الله أن يبلغ إليهم من التعليم ما يساوون به حال أهل الكتاب في التلاوة ، فالضمير المجرور بعلى عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون ، وكثيرا ما يجيء ضمير جمع الغائب في القرآن مرادا به المشركون كقوله عم يتساءلون .
والنبأ الخبر المروي .
وظاهر اسم الموصول المفرد أن صاحب الصلة واحد معين ، وأن مضمون الصلة حال من أحواله التي عرف بها ، والأقرب أن يكون صاحب هذا النبأ ممن للعرب إلمام بمجمل خبره .
فقيل المعني به
أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وروي هذا عن
nindex.php?page=showalam&ids=13عبد الله بن عمرو بن العاص ، بأسانيد كثيرة عند
nindex.php?page=showalam&ids=16935الطبري ، وعن
nindex.php?page=showalam&ids=15944زيد بن أسلم ، وقال
القرطبي في التفسير : هو الأشهر ، وهو قول الأكثر ، ذلك أن
أمية بن أبي الصلت الثقفي كان ممن أراد اتباع دين غير الشرك طالبا دين الحق ، ونظر في التوراة والإنجيل فلم ير النجاة في اليهودية ولا النصرانية ، وتزهد وتوخى الحنيفية دين
إبراهيم وأخبر أن الله يبعث نبيا في العرب ، فطمع أن يكونه ، ورفض عبادة الأصنام وحرم الخمر وذكر في شعره أخبارا من قصص التوراة ، ويروى أنه كانت له إلهامات ومكاشفات وكان يقول : كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفية زور
وله شعر كثير في أمور الإلهية ، فلما بعث
محمد - صلى الله عليه وسلم - أسف أن لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب ، وقد اتفق أن خرج إلى
البحرين قبل البعثة وأقام هنالك ثمان سنين ثم رجع إلى
مكة فوجد البعثة وتردد في الإسلام ، ثم خرج إلى
الشام ورجع بعد وقعة
بدر فلم يؤمن بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - حسدا ، ورثى من قتل من المشركين يوم
بدر ، وخرج إلى
الطائف بلاد قومه فمات كافرا . وكان يذكر في شعره الثواب والعقاب واسم الله وأسماء الأنبياء ، وقد قال فيه النبيء - صلى الله عليه وسلم -
[ ص: 175 ] nindex.php?page=hadith&LINKID=10341413كاد nindex.php?page=showalam&ids=12467أمية بن أبي الصلت أن يسلم وروي عن
أمية أنه قال لما مرض مرض موته " أنا أعلم أن الحنيفية حق ولكن الشك يداخلني في
محمد "
فمعنى "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175آتيناه آياتنا " أن الله ألهم
أمية كراهية الشرك ، وألقى في نفسه طلب الحق ، ويسر له قراءة كتب الأنبياء ، وحبب إليه الحنيفية ، فلما انفتح له باب الهدى وأشرق نور الدعوة المحمدية كابر وحسد وأعرض عن الإسلام ، فلا جرم أن كانت حاله أنه انسلخ عن جميع ما يسر له ، ولم ينتفع به عند إبان الانتفاع ، فكان الشيطان هو الذي صرفه عن الهدى فكان من الغاوين ، إذ مات على الكفر
بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=15990سعيد بن المسيب نزلت في
أبي عامر بن صيفي الراهب واسمه
النعمان الخزرجي ، وكان يلقب بالراهب في الجاهلية لأنه قد تنصر في الجاهلية ولبس المسوح وزعم أنه على الحنيفية ، فلما قدم النبيء - صلى الله عليه وسلم -
المدينة دخل على النبيء فقال :
يا محمد ما الذي جئت به ؟ قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم . قال : فإني عليها ، فقال النبيء : لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها " فكفر وخرج إلى
مكة يحرض المشركين على قتال النبيء - صلى الله عليه وسلم - ويخرج معهم إلى أن قاتل في
حنين بعد فتح
مكة فلما انهزمت
هوازن يئس وخرج إلى
الشام فمات هنالك .
وذهب كثير من المفسرين إلى أنها نزلت في رجل من الكنعانيين وكان في زمن
موسى - عليه السلام - يقال له
بلعام بن باعور ، وذكروا قصته فخلطوها وغيروها واختلفوا فيها ، والتحقيق أن
بلعام هذا كان من صالحي
أهل مدين وعرافيهم في زمن مرور
بني إسرائيل على أرض "
مؤاب " ولكنه لم يتغير عن حال الصلاح ، وذلك مذكور في سفر العدد من التوراة في الإصحاحات 22 - 23 - 24 فلا ينبغي الالتفات إلى هذا القول لاضطرابه واختلاطه .
والإيتاء هنا مستعار للإطلاع وتيسير العلم مثل قوله وآتاه الله العلم والحكمة
و " الآيات " دلائل الوحدانية التي كرهت إليه الشرك وبعثته على تطلب الحنيفية بالنسبة
nindex.php?page=showalam&ids=12467لأمية بن أبي الصلت ، أو دلائل الإنجيل على صفة
محمد - صلى الله
[ ص: 176 ] عليه وسلم - بالنسبة
للراهب أبي عامر بن صيفي .
والانسلاخ حقيقته خروج جسد الحيوان من جلده حينما يسلخ عنه جلده ، والسلخ إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده ، واستعير في الآية للانفصال المعنوي ، وهو ترك التلبس بالشيء أو عدم العمل به ، ومعنى الانسلاخ عن الآيات الإقلاع عن العمل بما تقتضيه ، وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية .
وأتبعه بهمزة قطع وسكون المثناة الفوقية بمعنى لحقه غير مفلت كقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=10فأتبعه شهاب ثاقب nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=78فأتبعهم فرعون بجنوده وهذا أخص من اتبعه بتشديد المثناة ووصل الهمزة .
والمراد بالغاوين : المتصفين بالغي وهو الضلال "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175فكان من الغاوين " أشد مبالغة في الاتصاف بالغواية من أن يقال : وغوى أو كان غاويا ، كما تقدم عند قوله - تعالى -
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=56قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام .
ورتبت أفعال الانسلاخ والاتباع والكون من الغاوين بفاء العطف على حسب ترتيبها في الحصول ، فإنه لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه حصلت في نفسه ظلمة شيطانية مكنت الشيطان من استخدامه وإدامة إضلاله ، فالانسلاخ عن الآيات أثر من وسوسة الشيطان ، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده ، فسخره وأدام إضلاله ، وهو المعبر عنه ب أتبعه فصار بذلك في زمرة الغواة المتمكنين من الغواية .
وقوله - تعالى -
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176ولو شئنا لرفعناه بها أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سببا للهداية والتزكية ، لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان وفتنته فلم ينسلخ عنها ، وهذه عبرة للموفقين ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم ، فالمعنى : ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات فلرفعه الله بعمله .
والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها ، لأن الصفات الحميدة تخيل صاحبها مرتفعا على من دونه ، أي ولو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلا وزكاء وتميزا بالفضل ، فمعنى "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176لرفعناه " ليسرنا له العمل بها الذي يشرف به .
وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176ولو شئنا لرفعناه بها " بذكر ما يناقض
[ ص: 177 ] تلك المشيئة الممتنعة ، وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله فأخلد إلى الأرض ، أي ركن ومال إلى الأرض ، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى ، بحال من كان مرتفعا عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل فبذكر الأرض علم أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل أي تلبس بالنقائص والمفاسد .
واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة ، على ما يدعو إليه الحق والرشد ، فالاتباع مستعار للاختيار والميل ، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها .
وقد تفرع على هذه الحالة تمثيله بالكلب اللاهث ، لأن اتصافه بالحالة التي صيرته شبيها بحال الكلب اللاهث تفرع على إخلاده إلى الأرض واتباع هواه ، فالكلام في قوة أن يقال : ولكنه أخلد إلى الأرض فصار في شقاء وعناد كمثل الكلب إلخ .
nindex.php?page=treesubj&link=28902_28914واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بأنه يراد به تشبيه الحالة بالحالة ، وتقدم قوله - تعالى -
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=17مثلهم كمثل الذي استوقد نارا في سورة البقرة ، فلذلك تعين أن التشبيه هنا لا يخرج عن المتعارف في التشبيه المركب ، فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين الصالح وصار يطلبه في حين كان غير مكلف بذلك في زمن الفترة فلقي من ذلك نصبا وعناء ، فلما حان حين اتباع الحق ببعثة
محمد - صلى الله عليه وسلم - تحمل مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان جديرا فيه بأن يستريح من عنائه لحصول طلبته فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الموصوف باللهث ، فهو يلهث في حالة وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب والمشقة وهي حالة الحمل عليه ، وفي حالة الخلو عن ذلك السبب وهي حالة تركه في دعة ومسالمة ، والذي ينبه على هذا المعنى هو قوله " أو تتركه " .
وليس لشيء من الحيوان حالة للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب اللاهث لأنه يلهث إذا أتعب وإذا كان في دعة ، فاللهث في أصل خلقته .
وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه وإن لم يكن لاضطراب باطنه سبب آت من غيره
[ ص: 178 ] فمعنى "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176إن تحمل عليه " إن تطارده وتهاجمه . مشتق من الحمل الذي هو الهجوم على أحد لقتاله ، يقال : حمل فلان على القوم حملة شعواء أو حملة منكرة ، وقد أغفل المفسرون توضيحه وأغفل
الراغب في مفردات القرآن هذا المعنى لهذا الفعل .
فهذا تشبيه تمثيل مركب منتزعة فيه الحالة المشبهة والحالة المشبه بها من متعدد ، ولما ذكر تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث في شق الحالة المشبه بها ، تعين أن يكون لها مقابل في الحالة المشبهة ، وتتقابل أجزاء هذا التمثيل بأن يشبه الضال بالكلب ويشبه شقاؤه واضطراب أمره في مدة البحث عن الدين بلهث الكلب في حالة تركه في دعة ، تشبيه المعقول بالمحسوس ، ويشبه شقاؤه في إعراضه عن الدين الحق عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس . وقد أغفل هذا الذين فسروا هذه الآية فقرروا التمثيل بتشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة في مجرد التشويه أو الخسة ، فيئول إلى أن الغرض من تشبيهه بالكلب إظهار خسة المشبه ، كما درج عليه في الكشاف ، ولو كان هذا هو المراد لما كان لذكر
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث كبير جدوى بل يقتصر على أنه لتشويه الحالة المشبه بها لتكتسب الحالة المشبهة تشويها ، وذلك تقصير في حق التمثيل .
والكلب حيوان من ذوات الأربع ذو أنياب وأظفار كثير النبح في الليل قليل النوم فيه كثير النوم في النهار ، يألف من يعاشره يحرس مكانه من الطارقين الذين لا يألفهم ، ويحرس الأنعام التي يعاشرها ، ويعدو على الذئاب ويقبل التعليم لأنه ذكي .
ويلهث إذا أتعب أو اشتد عليه الحر ، ويلهث بدون ذلك لأن في خلقته ضيقا في مجاري النفس يرتاح له باللهث .
وجملة
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث في موضع الحال من الكلب . والخطاب في "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176تحمل " " وتترك " لمخاطب غير معين ، والمعنى إن يحمل عليه حامل أو يتركه تارك .
nindex.php?page=treesubj&link=28910واللهث سرعة التنفس مع امتداد اللسان لضيق النفس ، وفعله بفتح الهاء وبكسرها ، ومضارعه بفتحها لا غير ، والمصدر اللهث بفتح اللام والهاء ويقال
[ ص: 179 ] اللهاث بضم اللام لأنه من الأدواء . وليس بصوت .
[ ص: 172 ] [ ص: 173 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَعْرَافِ
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175nindex.php?page=treesubj&link=28978_30549_28901وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
أَعْقَبَ مَا يُفِيدُ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28644التَّوْحِيدَ جُعِلَ فِي الْفِطْرَةِ بِذِكْرِ حَالَةِ اهْتِدَاءِ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى نَبْذِ الشِّرْكِ فِي مَبْدَأِ أَمْرِهِ ثُمَّ تَعْرِضُ وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ لَهُ بِتَحْسِينِ الشِّرْكِ .
وَمُنَاسَبَتُهَا لِلَّتِي قَبْلَهَا إِشَارَةُ الْعِبْرَةِ مِنْ حَالِ أَحَدِ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِالتَّوْحِيدِ وَالِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِعِلْمٍ يُعِينُهُ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفِطْرَةِ ، ثُمَّ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ كُلُّهُ حِينَ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ الْهُدَى الْمُسْتَمِرَّ .
nindex.php?page=treesubj&link=32016وَشَأْنُ الْقَصَصِ الْمُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ " nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175وَاتْلُ عَلَيْهِمْ " أَنْ يُقْصَدَ مِنْهَا وَعْظُ الْمُشْرِكِينَ بِصَاحِبِ الْقِصَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ " إِلَخْ ، وَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا تَعْلِيمٌ مِثْلُ قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=71وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=69وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=3نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ . فَضَمِيرُ عَلَيْهِمْ رَاجِعٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وُجِّهَتْ إِلَيْهِمُ الْعِبَرُ وَالْمَوَاعِظُ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَقَصَّتْ عَلَيْهِمْ
[ ص: 174 ] قَصَصَ الْأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ ، عَلَى أَنَّ تَوْجِيهَ ضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ إِلَيْهِمْ أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ ، فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ .
وَمُنَاسَبَةُ فِعْلِ التِّلَاوَةِ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْأُمِّيَّةُ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُبَلِّغَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّعْلِيمِ مَا يُسَاوُونَ بِهِ حَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي التِّلَاوَةِ ، فَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِعَلَى عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ السِّيَاقِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ، وَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ ضَمِيرُ جَمْعِ الْغَائِبِ فِي الْقُرْآنِ مُرَادًا بِهِ الْمُشْرِكُونَ كَقَوْلِهِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ .
وَالنَّبَأُ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ .
وَظَاهِرُ اسْمِ الْمَوْصُولِ الْمُفْرَدِ أَنَّ صَاحِبَ الصِّلَةِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ ، وَأَنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِهِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ هَذَا النَّبَأِ مِمَّنْ لِلْعَرَبِ إِلْمَامٌ بِمُجْمَلِ خَبَرِهِ .
فَقِيلَ الْمَعْنِيُّ بِهِ
أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=13عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ عِنْدَ
nindex.php?page=showalam&ids=16935الطَّبَرِيِّ ، وَعَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=15944زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَقَالَ
الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّفْسِيرِ : هُوَ الْأَشْهَرُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، ذَلِكَ أَنَّ
أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيَّ كَانَ مِمَّنْ أَرَادَ اتِّبَاعَ دِينٍ غَيْرَ الشِّرْكِ طَالَبًا دِينَ الْحَقِّ ، وَنَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَلَمْ يَرَ النَّجَاةَ فِي الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ ، وَتَزَهَّدَ وَتَوَخَّى الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ
إِبْرَاهِيمَ وَأُخْبِرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا فِي الْعَرَبِ ، فَطَمِعَ أَنْ يَكُونَهُ ، وَرَفَضَ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَحَرَّمَ الْخَمْرَ وَذَكَرَ فِي شِعْرِهِ أَخْبَارًا مِنْ قَصَصِ التَّوْرَاةِ ، وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ إِلْهَامَاتٌ وَمُكَاشَفَاتٌ وَكَانَ يَقُولُ : كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ زُورٌ
وَلَهُ شِعْرٌ كَثِيرٌ فِي أُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ ، فَلَمَّا بُعِثَ
مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسِفَ أَنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الرَّسُولَ الْمَبْعُوثَ فِي الْعَرَبِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَنْ خَرَجَ إِلَى
الْبَحْرَيْنِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَأَقَامَ هُنَالِكَ ثَمَانِ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى
مَكَّةَ فَوَجَدَ الْبَعْثَةَ وَتَرَدَّدَ فِي الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى
الشَّامِ وَرَجَعَ بَعْدَ وَقْعَةِ
بَدْرٍ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِالنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَسَدًا ، وَرَثَى مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ
بَدْرٍ ، وَخَرَجَ إِلَى
الطَّائِفِ بِلَادِ قَوْمِهِ فَمَاتَ كَافِرًا . وَكَانَ يَذْكُرُ فِي شِعْرِهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَاسْمَ اللَّهِ وَأَسْمَاءَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ النَّبِيءُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[ ص: 175 ] nindex.php?page=hadith&LINKID=10341413كَادَ nindex.php?page=showalam&ids=12467أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ وَرُوِيَ عَنْ
أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَ مَوْتِهِ " أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ حَقٌّ وَلَكِنَّ الشَّكَّ يُدَاخِلُنِي فِي
مُحَمَّدٍ "
فَمَعْنَى "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا " أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَ
أُمَيَّةَ كَرَاهِيَةَ الشِّرْكِ ، وَأَلْقَى فِي نَفْسِهِ طَلَبَ الْحَقِّ ، وَيَسَّرَ لَهُ قِرَاءَةَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْحَنِيفِيَّةَ ، فَلَمَّا انْفَتَحَ لَهُ بَابُ الْهُدَى وَأَشْرَقَ نُورُ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَابَرَ وَحَسَدَ وَأَعْرَضَ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَتْ حَالُهُ أَنَّهُ انْسَلَخَ عَنْ جَمِيعِ مَا يُسِّرَ لَهُ ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ عِنْدَ إِبَّانِ الِانْتِفَاعِ ، فَكَانَ الشَّيْطَانُ هُوَ الَّذِي صَرَفَهُ عَنِ الْهُدَى فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ، إِذْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ
بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=15990سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ نَزَلَتْ فِي
أَبِي عَامِرِ بْنِ صَيْفِيٍّ الرَّاهِبِ وَاسْمُهُ
النُّعْمَانُ الْخَزْرَجِيُّ ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالرَّاهِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيءُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
الْمَدِينَةَ دَخَلَ عَلَى النَّبِيءِ فَقَالَ :
يَا مُحَمَّدُ مَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ ؟ قَالَ : جِئْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : فَإِنِّي عَلَيْهَا ، فَقَالَ النَّبِيءُ : لَسْتَ عَلَيْهَا لِأَنَّكَ أَدْخَلْتَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا " فَكَفَرَ وَخَرَجَ إِلَى
مَكَّةَ يُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ النَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَخْرُجُ مَعَهُمْ إِلَى أَنْ قَاتَلَ فِي
حُنَيْنٍ بَعْدَ فَتْحِ
مَكَّةَ فَلَمَّا انْهَزَمَتْ
هَوَازِنُ يَئِسَ وَخَرَجَ إِلَى
الشَّامِ فَمَاتَ هُنَالِكَ .
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ وَكَانَ فِي زَمَنِ
مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُقَالُ لَهُ
بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَ ، وَذَكَرُوا قِصَّتَهُ فَخَلَطُوهَا وَغَيَّرُوهَا وَاخْتَلَفُوا فِيهَا ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ
بِلْعَامَ هَذَا كَانَ مِنْ صَالِحِي
أَهْلِ مَدْيَنَ وَعَرَّافِيهِمْ فِي زَمَنِ مُرُورِ
بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَرْضِ "
مُؤَابَ " وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِ الصَّلَاحِ ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ الْعَدَدِ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي الْإِصْحَاحَاتِ 22 - 23 - 24 فَلَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ لِاضْطِرَابِهِ وَاخْتِلَاطِهِ .
وَالْإِيتَاءُ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْإِطْلَاعِ وَتَيْسِيرِ الْعِلْمِ مِثْلُ قَوْلِهِ وَآتَاهُ اللَّهُ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةَ
وَ " الْآيَاتُ " دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ الَّتِي كَرَّهَتْ إِلَيْهِ الشِّرْكَ وَبَعَثَتْهُ عَلَى تَطَلُّبِ الْحَنِيفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ
nindex.php?page=showalam&ids=12467لِأُمِّيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ، أَوْ دَلَائِلِ الْإِنْجِيلِ عَلَى صِفَةِ
مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ
[ ص: 176 ] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنِّسْبَةِ
لِلرَّاهِبِ أَبِي عَامِرِ بْنِ صَيْفِيٍّ .
وَالِانْسِلَاخُ حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ جَسَدِ الْحَيَوَانِ مِنْ جِلْدِهِ حِينَمَا يُسْلَخُ عَنْهُ جِلْدُهُ ، وَالسَّلْخُ إِزَالَةُ جِلْدِ الْحَيَوَانِ الْمَيِّتِ عَنْ جَسَدِهِ ، وَاسْتُعِيرَ فِي الْآيَةِ لِلِانْفِصَالِ الْمَعْنَوِيِّ ، وَهُوَ تَرْكُ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ أَوْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَمَعْنَى الِانْسِلَاخُ عَنِ الْآيَاتِ الْإِقْلَاعُ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا تَقْتَضِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَاتِ أَعْلَمَتْهُ بِفَسَادِ دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَأَتْبَعَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ بِمَعْنَى لَحِقَهُ غَيْرَ مُفْلِتٍ كَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=10فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=78فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ وَهَذَا أَخَصُّ مِنِ اتَّبَعَهُ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَوَصْلِ الْهَمْزَةِ .
وَالْمُرَادُ بِالْغَاوِينَ : الْمُتَّصِفِينَ بِالْغَيِّ وَهُوَ الضَّلَالُ "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=175فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ " أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الِاتِّصَافِ بِالْغِوَايَةِ مِنْ أَنْ يُقَالَ : وَغَوَى أَوْ كَانَ غَاوِيًا ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=56قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .
وَرُتِّبَتْ أَفْعَالُ الِانْسِلَاخِ وَالِاتِّبَاعِ وَالْكَوْنِ مِنَ الْغَاوِينَ بِفَاءِ الْعَطْفِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهَا فِي الْحُصُولِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَانَدَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا هَدَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ حَصَلَتْ فِي نَفْسِهِ ظُلْمَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ مَكَّنَتِ الشَّيْطَانَ مِنِ اسْتِخْدَامِهِ وَإِدَامَةِ إِضْلَالِهِ ، فَالِانْسِلَاخُ عَنِ الْآيَاتِ أَثَرٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ ، وَإِذَا أَطَاعَ الْمَرْءُ الْوَسْوَسَةَ تَمَكَّنَ الشَّيْطَانُ مِنْ مَقَادِهِ ، فَسَخَّرَهُ وَأَدَامَ إِضْلَالَهُ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِ أَتْبَعَهُ فَصَارَ بِذَلِكَ فِي زُمْرَةِ الْغُوَاةِ الْمُتَمَكِّنِينَ مِنَ الْغِوَايَةِ .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا أَفَادَ أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ شَأْنُهَا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْهِدَايَةِ وَالتَّزْكِيَةِ ، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ التَّوْفِيقَ وَعَصَمَهُ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ فَلَمْ يَنْسَلِخْ عَنْهَا ، وَهَذِهِ عِبْرَةٌ لِلْمُوَفَّقِينَ لِيَعْلَمُوا فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَوْفِيقِهِمْ ، فَالْمَعْنَى : وَلَوْ شِئْنَا لَزَادَ فِي الْعَمَلِ بِمَا آتَيْنَاهُ مِنَ الْآيَاتِ فَلَرَفَعَهُ اللَّهُ بِعَمَلِهِ .
وَالرِّفْعَةُ مُسْتَعَارَةٌ لِكَمَالِ النَّفْسِ وَزَكَائِهَا ، لِأَنَّ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةَ تُخَيِّلُ صَاحِبَهَا مُرْتَفِعًا عَلَى مَنْ دُونَهُ ، أَيْ وَلَوْ شِئْنَا لَاكْتَسَبَ بِعَمَلِهِ بِالْآيَاتِ فَضْلًا وَزَكَاءً وَتَمَيُّزًا بِالْفَضْلِ ، فَمَعْنَى "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176لَرَفَعْنَاهُ " لَيَسَّرْنَا لَهُ الْعَمَلَ بِهَا الَّذِي يُشْرُفُ بِهِ .
وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا " بِذِكْرِ مَا يُنَاقِضُ
[ ص: 177 ] تِلْكَ الْمَشِيئَةَ الْمُمْتَنِعَةَ ، وَهُوَ الِاسْتِدْرَاكُ بِأَنَّهُ انْعَكَسَتْ حَالُهُ فَأَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ، أَيْ رَكَنَ وَمَالَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُتَلَبِّسِ بِالنَّقَائِصِ وَالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى ، بِحَالِ مَنْ كَانَ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ فَنَزَلَ مِنِ اعْتِلَاءٍ إِلَى أَسْفَلَ فَبِذِكْرِ الْأَرْضِ عُلِمَ أَنَّ الْإِخْلَادَ هُنَا رُكُونٌ إِلَى السُّفْلِ أَيْ تَلَبُّسٌ بِالنَّقَائِصِ وَالْمَفَاسِدِ .
وَاتِّبَاعُ الْهَوَى تَرْجِيحُ مَا يَحْسُنُ لَدَى النَّفْسِ مِنَ النَّقَائِصِ الْمَحْبُوبَةِ ، عَلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الْحَقُّ وَالرُّشْدُ ، فَالِاتِّبَاعُ مُسْتَعَارٌ لِلِاخْتِيَارِ وَالْمَيْلِ ، وَالْهَوَى شَاعَ فِي الْمَحَبَّةِ الْمَذْمُومَةِ الْخَاسِرَةِ عَاقِبَتُهَا .
وَقَدْ تَفَرَّعَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ تَمْثِيلُهُ بِالْكَلْبِ اللَّاهِثِ ، لِأَنَّ اتِّصَافَهُ بِالْحَالَةِ الَّتِي صَيَّرَتْهُ شَبِيهًا بِحَالِ الْكَلْبِ اللَّاهِثِ تَفَرَّعَ عَلَى إِخْلَادِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَاتِّبَاعِ هَوَاهُ ، فَالْكَلَامُ فِي قُوَّةٍ أَنْ يُقَالَ : وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ فَصَارَ فِي شَقَاءٍ وَعِنَادٍ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِلَخْ .
nindex.php?page=treesubj&link=28902_28914وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ لَفْظَ الْمَثَلِ بَعْدَ كَافِ التَّشْبِيهِ مَأْلُوفٌ بِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ تَشْبِيهُ الْحَالَةِ بِالْحَالَةِ ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=17مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّ التَّشْبِيهَ هُنَا لَا يَخْرُجُ عَنِ الْمُتَعَارَفِ فِي التَّشْبِيهِ الْمُرَكَّبِ ، فَهَذَا الضَّالُّ تَحَمَّلَ كُلْفَةَ اتِّبَاعِ الدِّينِ الصَّالِحِ وَصَارَ يَطْلُبُهُ فِي حِينٍ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِذَلِكَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ فَلَقِيَ مِنْ ذَلِكَ نَصَبًا وَعَنَاءً ، فَلَمَّا حَانَ حِينُ اتِّبَاعِ الْحَقِّ بِبَعْثَةِ
مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ الْعِنَادِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ فِي وَقْتٍ كَانَ جَدِيرًا فِيهِ بِأَنْ يَسْتَرِيحَ مِنْ عَنَائِهِ لِحُصُولِ طِلْبَتِهِ فَكَانَتْ حَالَتُهُ شَبِيهَةً بِحَالَةِ الْكَلْبِ الْمَوْصُوفِ بِاللَّهَثِ ، فَهُوَ يَلْهَثُ فِي حَالَةِ وُجُودِ أَسْبَابِ اللَّهَثِ مِنَ الطَّرْدِ وَالْإِرْهَابِ وَالْمَشَقَّةِ وَهِيَ حَالَةُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ ، وَفِي حَالَةِ الْخُلُوِّ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ وَهِيَ حَالَةُ تَرْكِهِ فِي دَعَةٍ وَمُسَالَمَةٍ ، وَالَّذِي يُنَبِّهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى هُوَ قَوْلُهُ " أَوْ تَتْرُكْهُ " .
وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ حَالَةٌ لِلتَّشْبِيهِ بِهَا فِي الْحَالَتَيْنِ غَيْرُ حَالَةِ الْكَلْبِ اللَّاهِثِ لِأَنَّهُ يَلْهَثُ إِذَا أَتْعَبَ وَإِذَا كَانَ فِي دَعَةٍ ، فَاللَّهَثُ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ .
وَهَذَا التَّمْثِيلُ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّهَثَ حَالَةٌ تُؤْذِنُ بِحَرَجِ الْكَلْبِ مِنْ جَرَّاءِ عُسْرِ تَنَفُّسِهِ عَنِ اضْطِرَابِ بَاطِنِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِاضْطِرَابِ بَاطِنِهِ سَبَبٌ آتٍ مِنْ غَيْرِهِ
[ ص: 178 ] فَمَعْنَى "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ " إِنْ تُطَارِدْهُ وَتُهَاجِمْهُ . مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَمْلِ الَّذِي هُوَ الْهُجُومُ عَلَى أَحَدٍ لِقِتَالِهِ ، يُقَالُ : حَمَلَ فُلَانٌ عَلَى الْقَوْمِ حَمْلَةً شَعْوَاءَ أَوْ حَمْلَةً مُنْكَرَةً ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْمُفَسِّرُونَ تَوْضِيحَهُ وَأَغْفَلَ
الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ هَذَا الْمَعْنَى لِهَذَا الْفِعْلِ .
فَهَذَا تَشْبِيهُ تَمْثِيلٍ مُرَكَّبٌ مُنْتَزَعَةٌ فِيهِ الْحَالَةُ الْمُشَبَّهَةُ وَالْحَالَةُ الْمُشَبَّهُ بِهَا مِنْ مُتَعَدِّدٍ ، وَلَمَّا ذَكَرَ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ فِي شَقِّ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُقَابِلٌ فِي الْحَالَةِ الْمُشَبَّهَةِ ، وَتَتَقَابَلُ أَجْزَاءُ هَذَا التَّمْثِيلِ بِأَنْ يُشَبَّهَ الضَّالُّ بِالْكَلْبِ وَيُشَبَّهَ شَقَاؤُهُ وَاضْطِرَابُ أَمْرِهِ فِي مُدَّةِ الْبَحْثِ عَنِ الدِّينِ بِلَهَثِ الْكَلْبِ فِي حَالَةِ تَرْكِهِ فِي دَعَةٍ ، تَشْبِيهَ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ ، وَيُشَبَّهَ شَقَاؤُهُ فِي إِعْرَاضِهِ عَنِ الدِّينِ الْحَقِّ عِنْدَ مَجِيئِهِ بِلَهَثِ الْكَلْبِ فِي حَالَةِ طَرْدِهِ وَضَرْبِهِ تَشْبِيهَ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ . وَقَدْ أَغْفَلَ هَذَا الَّذِينَ فَسَّرُوا هَذِهِ الْآيَةَ فَقَرَّرُوا التَّمْثِيلَ بِتَشْبِيهِ حَالَةٍ بَسِيطَةٍ بِحَالَةٍ بَسِيطَةٍ فِي مُجَرَّدِ التَّشْوِيهِ أَوِ الْخِسَّةِ ، فَيَئُولُ إِلَى أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْكَلْبِ إِظْهَارُ خِسَّةِ الْمُشَبَّهِ ، كَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْكَشَّافِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ لَمَا كَانَ لِذِكْرِ
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ كَبِيرُ جَدْوَى بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى أَنَّهُ لِتَشْوِيهِ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا لِتَكْتَسِبَ الْحَالَةُ الْمُشَبَّهَةُ تَشْوِيهًا ، وَذَلِكَ تَقْصِيرٌ فِي حَقِّ التَّمْثِيلِ .
وَالْكَلْبُ حَيَوَانٌ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ ذُو أَنْيَابٍ وَأَظْفَارٍ كَثِيرُ النَّبْحِ فِي اللَّيْلِ قَلِيلُ النَّوْمِ فِيهِ كَثِيرُ النَّوْمِ فِي النَّهَارِ ، يَأْلَفُ مَنْ يُعَاشِرُهُ يَحْرُسُ مَكَانَهُ مِنَ الطَّارِقِينَ الَّذِينَ لَا يَأْلَفُهُمْ ، وَيَحْرُسُ الْأَنْعَامَ الَّتِي يُعَاشِرُهَا ، وَيَعْدُو عَلَى الذِّئَابِ وَيَقْبَلُ التَّعْلِيمَ لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ .
وَيَلْهَثُ إِذَا أَتْعَبَ أَوِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ ، وَيَلْهَثُ بِدُونِ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي خِلْقَتِهِ ضِيقًا فِي مَجَارِي النَّفَسِ يَرْتَاحُ لَهُ بِاللَّهَثِ .
وَجُمْلَةُ
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكَلْبِ . وَالْخِطَابُ فِي "
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=176تَحْمِلْ " " وَتَتْرُكْ " لِمُخَاطَبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَالْمَعْنَى إِنْ يَحْمِلْ عَلَيْهِ حَامِلٌ أَوْ يَتْرُكْهُ تَارِكٌ .
nindex.php?page=treesubj&link=28910وَاللَّهَثُ سُرْعَةُ التَّنَفُّسِ مَعَ امْتِدَادِ اللِّسَانِ لِضِيقِ النَّفَسِ ، وَفِعْلُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِكَسْرِهَا ، وَمُضَارِعُهُ بِفَتْحِهَا لَا غَيْرَ ، وَالْمَصْدَرُ اللَّهَثُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَاءِ وَيُقَالُ
[ ص: 179 ] اللُّهَاثُ بِضَمِّ اللَّامِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَدْوَاءِ . وَلَيْسَ بِصَوْتٍ .