nindex.php?page=treesubj&link=17917شد الرحال إلى المسجد النبوي للسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ومما اختص به
المسجد النبوي ، بل ومن أهم خصائصه بعد الصلاة ، السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من داخل هذا المسجد قديما وحديثا .
كما جاء في الصحيح : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009728ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي ، فأرد عليه السلام " ومجمعون أن ذلك يحصل لمن سلم عليه - صلى الله عليه وسلم - من قريب ، وما كان هذا السلام يوما من الأيام إلا من
المسجد النبوي ، سواء قبل أو بعد إدخال الحجرة في المسجد .
ومعلوم أن أول
nindex.php?page=treesubj&link=3924آداب الزيارة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - ، البدء بصلاة ركعتين تحية المسجد ، وبعد السلام ينصرف عن المواجهة ، ويدعو ما شاء وهو في أي مكان من المسجد .
وهنا مسألة طالما أثير النزاع فيها : وهي شد الرحال للسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وهي إن كان محلها مبحث الزيارة وأحكامها وآدابها ، إلا أننا نسوق موجزا عنها بمناسبة حديث شد الرحال ، ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق .
من المعلوم أن أصل هذه المسألة هو حديث : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009729لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " المتقدم ذكره ; لاختلافهم في تقدير المستثنى منه . والمراد بشد الرحال إليه في تلك
[ ص: 339 ] المساجد ، أهو خصوص الصلاة أم للصلاة وغيرها ؟ .
ولنتصور حقيقة هذه المسألة ينبغي أن نعلم أولا : أن البحث في هذه المسألة له ثلاث حالات :
الأولى : شد الرحال إلى
المسجد النبوي للزيارة . وهذا مجمع عليه .
الثانية : زيارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسلام عليه من قريب بدون شد الرحال ، وهذا أيضا مجمع عليه .
الثالثة : شد الرحال للزيارة فقط . وهذه الحالة الثالثة هي محل البحث عندهم ، ومثار النقاش السابق .
قال
ابن حجر في فتح الباري على حديث شد الرحال : قال
الكرماني : وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة ، وصنفت فيها مسائل من الطرفين .
قلت : - أي :
ابن حجر - يشير إلى ما رد به الشيخ
تقي الدين السبكي وغيره على
تقي الدين بن تيمية ، وما انتصر به الحافظ :
nindex.php?page=showalam&ids=16995شمس الدين بن عبد الهادي وغيره
لابن تيمية ، وهي مشهورة في بلادنا . اهـ . وهذا يعطينا مدى الخلاف فيها وتاريخه .
وقد أشار
ابن حجر إلى مجمل القول فيها بقوله : إن الجمهور أجازوا بالإجماع شد الرحال لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن حديث : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009730لا تشد الرحال " إنما يقصد به خصوص الصلاة ، وليس مكان أولى من مكان بالصلاة تشد له الرحال إلا المساجد الثلاثة ; لما خصت من فضيلة مضاعفة الصلاة فيها .
تقي الدين جعل موضوع النهي عن شد الرحال عاما للصلاة وغيرها . واعترض عليه باتفاق الأمة على جواز شد الرحال لأي مكان ; لعدة أمور كما هو معلوم .
ومما استدل به على عدم
nindex.php?page=treesubj&link=3925_17917_28699شد الرحال لمجرد الزيارة ، ما روي عن
مالك : كراهية أن يقال : زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأجيب عن ذلك : بأن كراهية
مالك للفظ فقط تأدبا لا أنه كره أصل الزيارة ، فإنها من أفضل الأعمال ، وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال ، وأن مشروعيتها محل إجماع
[ ص: 340 ] بلا نزاع . والله الهادي إلى الصواب . اهـ .
ولعل مذهب
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري حسب صنيعه هو مذهب الجمهور ; لأنه أتى في نفس الباب ، بعد حديث شد الرحال مباشرة بحديث : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009712صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه " ، مما يشعر بأنه قصد بيان موجب شد الرحال هو فضيلة الصلاة ، فيكون النهي عن شد الرحال مختصا بالمساجد ، ولأجل الصلاة إلا في تلك المساجد الثلاثة ; لاختصاصها بمضاعفة الصلاة فيها دون غيرها من بقية المساجد والأماكن الأخرى .
وقد ناقش
ابن حجر لفظ الحديث ، ورجح هذا المذهب حيث قال :
قال بعض المحققين : قوله : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009731إلا إلى ثلاثة مساجد " المستثنى منه محذوف . فإما أن يقدر عاما فيصير لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة . أو أخص من ذلك . لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها ، فتعين الثاني .
والأولى : أن يقدر ما هو أكثر مناسبة ، وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة . فيبطل بذلك قول : من منع شد الرحال إلى زيارة قبره الشريف - صلى الله عليه وسلم - . وغيره من قبور الصالحين . والله أعلم .
وقال
السبكي الكبير : ليس في الأرض بقعة تفضل لذاتها حتى تشد إليها الرحال غير البلاد الثلاثة . ومرادي بالفضل : ما شهد الشرع باعتباره ، ورتب عليه حكما شرعيا . أما غيرها من البلاد ، فلا تشد إليها لذاتها ، بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات .
قال : وقد التبس ذلك على بعضهم ، فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في المنع وهو خطأ ; لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه . فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان ، إلا إلى الثلاثة المذكورة . وشد الرحال إلى زيارة أو طلب ليس إلى المكان ، بل إلى من في ذلك المكان . والله أعلم . اهـ .
[ ص: 341 ] وبتأمل كلام
ابن حجر ، نجده يتضمن إجراء معادلة على نص الحديث بأن له حالتين فقط :
الأولى : أن يقال : لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لخصوص الصلاة ، ولا تشد لغيرها من الأماكن لأجل الصلاة ، فيكون النهي منصبا على شد الرحال لأي مكان سوى المساجد الثلاثة ; من أجل أن يصلي فيما عداها . فيبقى غير الصلاة خارجا عن النهي ; فتشد له الرحال لأي مكان كان .
وغير الصلاة يشمل : طلب العلم ، والتجارة ، والنزهة ، والاعتبار ، والجهاد ، ونحو ذلك ، والنصوص في ذلك كله متضافرة .
ففي طلب العلم ما قدمنا من نصوص ، وقد رحل نبي الله
موسى إلى
الخضر ، كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=60وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ، إلى قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=62لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ، إلى قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=66قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا [ 18 \ 60 - 66 ] .
وفي السفر للتجارة قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=73&ayano=20وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [ 73 \ 20 ] . وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=15هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه [ 67 \ 15 ] ، وغيرها كثيرة .
والسفر للعبرة قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=27&ayano=69قل سيروا في الأرض فانظروا [ 27 \ 69 ] .
وقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=136ثم دمرنا الآخرين nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=137وإنكم لتمرون عليهم مصبحين nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=138وبالليل أفلا تعقلون [ 37 \ 136 - 138 ] .
وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=45فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=46أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [ 22 \ 45 - 46 ] .
فقد أمر الله العباد بالسير ; ليعقلوا بقلوبهم حالة تلك القرى الخاوية ليتعظوا بأحوال أهلها .
[ ص: 342 ] فهذه نصوص جواز السفر لعدة أمور ، فيكون من ضمنها السفر لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلام عليه . حيث إن السلام عليه - صلى الله عليه وسلم - من الأمور المشروعة بلا نزاع ، والحالة الثانية : أن يكون النهي عاما لجميع الأماكن في جميع الأمور ; فلا تشد الرحال قط إلا إلى ثلاثة المساجد وبلدانها الثلاثة . ولكن لا لخصوص الصلاة فقط ، بل لكل شيء مشروع بأصله مما قدمنا أنواعه من طلب العلم والتجارة والعظة والنزهة وغير ذلك : كصوم ، واعتكاف ، ومجاورة ، وحج ، وعمرة ، وصلة رحم ، ومشاهدة معالم تاريخية ونحو ذلك .
ومن هذا كله السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا شد الرحال إلى
المدينة لكل شيء كان منها الزيارة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا معارضة على حالة من الحالتين ، ولا يتعارض معهما الحديث المذكور ، على أي تقدير المستثنى منه في هذا الحديث .
nindex.php?page=treesubj&link=17917شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَمِمَّا اخْتُصَّ بِهِ
الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ ، بَلْ وَمِنْ أَهَمِّ خَصَائِصِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دَاخِلِ هَذَا الْمَسْجِدِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا .
كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009728مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي ، فَأَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامَ " وَمُجْمِعُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَرِيبٍ ، وَمَا كَانَ هَذَا السَّلَامُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ إِلَّا مِنَ
الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ، سَوَاءٌ قَبْلَ أَوْ بَعْدَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَوَّلَ
nindex.php?page=treesubj&link=3924آدَابِ الزِّيَارَةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، الْبَدْءُ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ، وَبَعْدَ السَّلَامِ يَنْصَرِفُ عَنِ الْمُوَاجَهَةِ ، وَيَدْعُو مَا شَاءَ وَهُوَ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنَ الْمَسْجِدِ .
وَهُنَا مَسْأَلَةٌ طَالَمَا أُثِيرَ النِّزَاعُ فِيهَا : وَهِيَ شَدُّ الرِّحَالِ لِلسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَهِيَ إِنْ كَانَ مَحَلُّهَا مَبْحَثَ الزِّيَارَةِ وَأَحْكَامِهَا وَآدَابِهَا ، إِلَّا أَنَّنَا نَسُوقُ مُوجَزًا عَنْهَا بِمُنَاسَبَةِ حَدِيثِ شَدِّ الرِّحَالِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ .
مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ حَدِيثُ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009729لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ " الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ ; لِاخْتِلَافِهِمْ فِي تَقْدِيرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ . وَالْمُرَادُ بِشَدِّ الرِّحَالِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ
[ ص: 339 ] الْمَسَاجِدِ ، أَهُوَ خُصُوصُ الصَّلَاةِ أَمْ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ؟ .
وَلِنَتَصَوَّرَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَوَّلًا : أَنَّ الْبَحْثَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ :
الْأُولَى : شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى
الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلزِّيَارَةِ . وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .
الثَّانِيَةُ : زِيَارَةُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ بِدُونِ شَدِّ الرِّحَالِ ، وَهَذَا أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .
الثَّالِثَةُ : شَدُّ الرِّحَالِ لِلزِّيَارَةِ فَقَطْ . وَهَذِهِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ مَحَلُّ الْبَحْثِ عِنْدَهُمْ ، وَمَثَارُ النِّقَاشِ السَّابِقِ .
قَالَ
ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَلَى حَدِيثِ شَدِّ الرِّحَالِ : قَالَ
الْكِرْمَانِيُّ : وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَصْرِنَا فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ مُنَاظَرَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَصُنِّفَتْ فِيهَا مَسَائِلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ .
قُلْتُ : - أَيِ :
ابْنُ حَجَرٍ - يُشِيرُ إِلَى مَا رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ
تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى
تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَةَ ، وَمَا انْتَصَرَ بِهِ الْحَافِظُ :
nindex.php?page=showalam&ids=16995شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي وَغَيْرُهُ
لِابْنِ تَيْمِيَةَ ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي بِلَادِنَا . اهـ . وَهَذَا يُعْطِينَا مَدَى الْخِلَافِ فِيهَا وَتَارِيخِهِ .
وَقَدْ أَشَارَ
ابْنُ حَجَرٍ إِلَى مُجْمَلِ الْقَوْلِ فِيهَا بِقَوْلِهِ : إِنَّ الْجُمْهُورَ أَجَازُوا بِالْإِجْمَاعِ شَدَّ الرِّحَالِ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّ حَدِيثَ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009730لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ " إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ خُصُوصُ الصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ مَكَانٌ أَوْلَى مِنْ مَكَانٍ بِالصَّلَاةِ تُشَدُّ لَهُ الرِّحَالُ إِلَّا الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ ; لِمَا خُصَّتْ مِنْ فَضِيلَةِ مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا .
تَقِيُّ الدِّينِ جَعَلَ مَوْضُوعَ النَّهْيِ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ عَامًّا لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ شَدِّ الرِّحَالِ لِأَيِّ مَكَانٍ ; لِعِدَّةِ أُمُورٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ .
وَمِمَّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ
nindex.php?page=treesubj&link=3925_17917_28699شَدِّ الرِّحَالِ لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ ، مَا رُوِيَ عَنْ
مَالِكٍ : كَرَاهِيَةُ أَنْ يُقَالَ : زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ : بِأَنَّ كَرَاهِيَةَ
مَالِكٍ لِلَّفْظِ فَقَطْ تَأَدُّبًا لَا أَنَّهُ كَرِهَ أَصْلَ الزِّيَارَةِ ، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى ذِي الْجَلَالِ ، وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَلُّ إِجْمَاعٍ
[ ص: 340 ] بِلَا نِزَاعٍ . وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ . اهـ .
وَلَعَلَّ مَذْهَبَ
nindex.php?page=showalam&ids=12070الْبُخَارِيِّ حَسَبَ صَنِيعِهِ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ أَتَى فِي نَفْسِ الْبَابِ ، بَعْدَ حَدِيثِ شَدِّ الرِّحَالِ مُبَاشَرَةً بِحَدِيثِ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009712صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ " ، مِمَّا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ مُوجِبِ شَدِّ الرِّحَالِ هُوَ فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ مُخْتَصًّا بِالْمَسَاجِدِ ، وَلِأَجْلِ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي تِلْكَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ; لِاخْتِصَاصِهَا بِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَمَاكِنِ الْأُخْرَى .
وَقَدْ نَاقَشَ
ابْنُ حَجَرٍ لَفْظَ الْحَدِيثِ ، وَرَجَّحَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَيْثُ قَالَ :
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : قَوْلُهُ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009731إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ " الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ . فَإِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ عَامًّا فَيَصِيرَ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَكَانٍ فِي أَيِّ أَمْرٍ كَانَ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ . أَوْ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ . لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ بَابِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهَا ، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي .
وَالْأَوْلَى : أَنْ يُقَدَّرَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً ، وَهُوَ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ . فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلُ : مَنْ مَنَعَ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَغَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الصَّالِحِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ
السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ : لَيْسَ فِي الْأَرْضِ بُقْعَةٌ تُفَضَّلُ لِذَاتِهَا حَتَّى تُشَدَّ إِلَيْهَا الرِّحَالُ غَيْرَ الْبِلَادِ الثَّلَاثَةِ . وَمُرَادِي بِالْفَضْلِ : مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا . أَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ ، فَلَا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتِهَا ، بَلْ لِزِيَارَةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ أَوِ الْمُبَاحَاتِ .
قَالَ : وَقَدِ الْتَبَسَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ ، فَزَعَمَ أَنَّ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى الزِّيَارَةِ لِمَنْ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ دَاخِلٌ فِي الْمَنْعِ وَهُوَ خَطَأٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ : لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ أَوْ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ ، إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ . وَشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةٍ أَوْ طَلَبٍ لَيْسَ إِلَى الْمَكَانِ ، بَلْ إِلَى مَنْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . اهـ .
[ ص: 341 ] وَبِتَأَمُّلِ كَلَامِ
ابْنِ حَجَرٍ ، نَجِدُهُ يَتَضَمَّنُ إِجْرَاءَ مُعَادَلَةٍ عَلَى نَصِّ الْحَدِيثِ بِأَنَّ لَهُ حَالَتَيْنِ فَقَطْ :
الْأُولَى : أَنْ يُقَالَ : لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِخُصُوصِ الصَّلَاةِ ، وَلَا تُشَدُّ لِغَيْرِهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْصَبًّا عَلَى شَدِّ الرِّحَالِ لِأَيِّ مَكَانٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ; مِنْ أَجْلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيمَا عَدَاهَا . فَيَبْقَى غَيْرُ الصَّلَاةِ خَارِجًا عَنِ النَّهْيِ ; فَتُشَدُّ لَهُ الرِّحَالُ لِأَيِّ مَكَانٍ كَانَ .
وَغَيْرُ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ : طَلَبَ الْعِلْمِ ، وَالتِّجَارَةَ ، وَالنُّزْهَةَ ، وَالِاعْتِبَارَ ، وَالْجِهَادَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَضَافِرَةٌ .
فَفِي طَلَبِ الْعِلْمِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ نُصُوصٍ ، وَقَدْ رَحَلَ نَبِيُّ اللَّهِ
مُوسَى إِلَى
الْخَضِرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=60وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ، إِلَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=62لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ، إِلَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=66قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [ 18 \ 60 - 66 ] .
وَفِي السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=73&ayano=20وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ 73 \ 20 ] . وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=15هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [ 67 \ 15 ] ، وَغَيْرُهَا كَثِيرَةٌ .
وَالسَّفَرُ لِلْعِبْرَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=27&ayano=69قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا [ 27 \ 69 ] .
وَقَوْلُهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=136ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=137وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=138وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ 37 \ 136 - 138 ] .
وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=45فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=46أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ 22 \ 45 - 46 ] .
فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ بِالسَّيْرِ ; لِيَعْقِلُوا بِقُلُوبِهِمْ حَالَةَ تِلْكَ الْقُرَى الْخَاوِيَةِ لِيَتَّعِظُوا بِأَحْوَالِ أَهْلِهَا .
[ ص: 342 ] فَهَذِهِ نُصُوصُ جَوَازِ السَّفَرِ لِعِدَّةِ أُمُورٍ ، فَيَكُونُ مِنْ ضِمْنِهَا السَّفَرُ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ . حَيْثُ إِنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ بِلَا نِزَاعٍ ، وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَامًّا لِجَمِيعِ الْأَمَاكِنِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ ; فَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ قَطُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ وَبُلْدَانِهَا الثَّلَاثَةِ . وَلَكِنْ لَا لِخُصُوصِ الصَّلَاةِ فَقَطْ ، بَلْ لِكُلِّ شَيْءٍ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنْوَاعَهُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالتِّجَارَةِ وَالْعِظَةِ وَالنُّزْهَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ : كَصَوْمٍ ، وَاعْتِكَافٍ ، وَمُجَاوَرَةٍ ، وَحَجٍّ ، وَعُمْرَةٍ ، وَصِلَةِ رَحِمٍ ، وَمُشَاهَدَةِ مَعَالِمَ تَارِيخِيَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَمِنْ هَذَا كُلِّهِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا شَدَّ الرِّحَالَ إِلَى
الْمَدِينَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ كَانَ مِنْهَا الزِّيَارَةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا مُعَارَضَةَ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْحَالَتَيْنِ ، وَلَا يَتَعَارَضُ مَعَهُمَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ، عَلَى أَيِّ تَقْدِيرٍ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .