[ ص: 221 ] القسم الثاني : مظنات الأسباب :
والمظنة في اللغة ، واصطلاح العلماء التي يوجد عندها الظن من باب مقتل ومضرب ، الذي هو القتل والضرب ، فجعله مكان الظن مجاز ، وهي ثمان :
المظنة الأولى : عند مس الذكر بباطن الكف مالك ، وبباطن الأصابع أيضا عند ابن القاسم كما حكاه في الكتاب يوجب الوضوء خلافا ح ؛ لما في الموطأ عنه عليه السلام أنه قال : ( ) . إذا مس أحدكم ذكره ، فليتوضأ
وقال أشهب : ، ووجه تخصيص باطن الكف ، والأصابع ; لأن العادة أن اللمس يكون بهما ، ولأن فيهما من اللطف والحرارة المحركين للمذي ما ليس في غيرهما ، ولأن الأصابع أصل اليد بدليل تكميل العقل فيهما ، ووجه قول باطن الأصابع لا يوجب وضوءا أشهب أن الأصابع أقل حرارة ، ولطفا من باطن الكف ، فلا تلحق به .
ولا يشترط اللذة عند المغاربة ، وبعض البغداديين ، وتشترط عند العراقيين قياسا على لمس النساء ، ولحديث طلق قال : رواه قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء رجل كأنه بدوي ، فقال : يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ ، فقال : ( هل هو إلا بضعة منك ) أبو داود ، فقال العراقيون : يجمع بين الأحاديث بوجود اللذة ، وعدمها ، وعند جميع المغاربة بتعيين الكف ، والأصابع للوجوب ، وقالوا طلق من المرجئة فيسقط حديثه ، فلا حاجة إلى الجمع ، وقال مالك في العتبية : لا يجب من مسه وضوء كما قاله أبو حنيفة ، وأورد الحنفية على حديث بسرة عشرة أسئلة :
أحدها : أن راويه عنها ، وهو كان يحدث في زمانه مناكير ، ولذلك لم يقبل مروان بن الحكم طلحة منه الرواية ، وقال : لا أعرفه .
وثانيها : أنه أرسل رجلا من الشرط لينقل له ما أنكره عليه طلحة ، والرجل مجهول .
[ ص: 222 ] وثالثها : أن ربيعة شيخ مالك - رحمه الله - قال : لو شهدت بسرة في بقلة ما قبلتها .
ورابعها : رواية ابن وهب عن مالك - رحمه الله - أن الوضوء من مس الذكر سنة ، فكيف يصح عنده هذا الحديث ، ثم يستجيز هذا القول .
وخامسها : قول : لم يصح في مس الذكر حديث . ابن معين
وسادسها : أن الرجل أولى بنقله من بسرة .
وسابعها : أنه مما تعم به البلوى فينبغي أن ينقل مستفيضا ، ولما لم يكن كذلك دل على ضعفه .
وثامنها : إنكار أكابر الصحابة رضي الله عنهم لحكمه كعلي ، فيقول وابن مسعود علي : ما أبالي مسسته ، أو مسست طرف أنفي ، ويقول : إن كان شيء منك نجسا ، فاقطعه . ابن مسعود
وتاسعها : سلمنا صحته لكن نحمله على غسل اليد لأنهم كانوا يستجمرون ، ثم يعرقون ، ثم يؤمر من مس موضع الحدث بالوضوء الذي هو النظافة .
وعاشرها : أنه معارض بحديث طلق ، والقياس على سائر الأعضاء .
والجواب عن الأول : أن مروان كان عدلا ، ولذلك كانت الصحابة تأتم به ، وتغشى طعامه ، وما فعل شيئا إلا عن اجتهاد ، وإنكار عروة لعدم اطلاعه .
وعن الثاني : أن الرجل معلوم عند عروة ، وإلا لما حسنت إقامة الحجة عليه به ، وقد روي أن عروة سمعه بعد ذلك منها .
وعن الثالث : أن عدم استقلال المرأة في الشهادة لا يدل على عدم قبول روايتها ، وإلا لما قبلت رواية عائشة رضي الله عنها .
وعن الرابع : أنه لم يطعن في الصحة ، وإنما تردد في دلالة اللفظ هل هي للوجوب ، أو الندب .
[ ص: 223 ] وعن الخامس : أنه إذا لم يصح عنده ، فقد صح عند غيره .
وعن السادس والسابع : أن الخبر رواه نحو خمسة عشر من الرجال والنساء .
وعن الثامن : أن الحديث لم يثبت عندهم ، وثبت عند غيرهم ، ولا يجب في الصحابي أن يطلع على سائر الأحاديث .
وعن التاسع : أن لفظ الشارع إذا ورد حمل على عرفه حتى يرد خلافه .
وعن العاشر : أن حديث طلق لا يصح ، والقياس قبالة النص فاسد قال صاحب الاستذكار : الذي تقرر عند المغاربة أن من مس ذكره أمر بالوضوء ما لم يصل ، فإن صلى أمر بالإعادة في الوقت ، وكذلك قاله ابن القاسم ، وابن نافع ، وأشهب ، وقال سحنون والعتبي : لا يعيد مطلقا ، قال اللخمي : الإعادة مطلقا رواية المدنيين عن مالك ، وقال ابن حبيب : العامد يعيد مطلقا ، والناسي في الوقت ، وقال أيضا : يعيد في اليومين ، والثلاث . سحنون
واختلفوا في ، أو قصد إلى مسه بشيء من أعضائه سوى يده . مسه ناسيا ، أو على ثوب خفيف ، أو بذراعه ، أو بظاهر كفه
وتحصيل المذهب عند أكثر المغاربة : أن مسه بباطن الكف ، والأصابع دون حائل ينقض الوضوء ، وغير ذلك لا ينقضه .
في الجواهر : قال القاضي أبو الحسن : العمل من الروايات على وجوب الوضوء منه من فوق ثوب ، أو من تحته ، وروي عن مالك - رحمه الله - الوجوب من فوق الغلالة الخفيفة .
[ ص: 224 ] فروع ثمانية :
الأول : من الطراز : إذا مسه بين أصبعيه ، أو بحرف كفه ، أو بأصبع زائدة انتقض على ظاهر قول ابن القاسم ، وفي الأصبع الزائدة خلاف ، والقياس على سائر الأحداث يقتضي أن القصد لا يشترط ، وكذلك عموم الحديث .
الثاني : في الجواهر : لو لم ينتقض وضوءه لأنه صار ليس بذكر له ، والحديث إنما ورد في ذكره ، ولذهاب اللذة منه ، ولأن المرأة لو استدخلته لم يجب على صاحبه غسل . مس ذكره بعد قطعه
الثالث : قال : لا ينتقض وضوء الختان بذكر المختون ، ولا بذكر الغير خلافا ش لأنه ليس ذكرا له .
الرابع : قال : ؛ قاله في الكتاب ; لأن فرجها ليس بذكر فيتناوله الحديث ، وروي عنه أن عليها الوضوء لحديث لا وضوء على المرأة من مس فرجها رضي الله عنه : ( أبي هريرة ) . من أفضى بيده إلى فرجه ، فليتوضأ
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال عليه السلام : ( ) وروي عنه التفرقة بين أن تلطف ، وبين ألا تلطف ؛ فيجب الوضوء من الأول لوجود اللذة ، وسأل ويل للذين يمسون فروجهم ، ثم يصلون ، ولا يتوضئون ، فقلت بأبي أنت ، وأمي يا رسول الله هذا للرجال ، فما بال النساء ، فقال عليه السلام : إذا مست إحداكن فرجها ، فلتتوضأ ابن أبي أويس مالكا عن الإلطاف ، فقال : أن تدخل يدها بين شفريها .
واختلف المتأخرون في بقاء هذه الروايات على ظاهرها ، أو جعل التفصيل تفسيرا للإطلاقين ، أو جعل المذهب على قولين : النقض مطلقا ، أو التفصيل ثلاث طرق .
الخامس : قال : لا ينتقض ، وانفرد الوضوء بمس الدبر حمديس بإيجاب مس [ ص: 225 ] حلقة الدبر للوضوء تخريجا على إيجاب مس المرأة لفرجها ، وعلى القول الآخر لا يوجبه .
السادس : قال : ؛ قال مس الخنثى المشكل فرجه الإمام أبو عبد الله : يتخرج على القولين فيمن أيقن الطهارة ، وشك في الحدث على مذهب المغاربة ، وعلى مذهب البغداديين في مراعاة اللذة ، ففي أي فرج اعتاد وجودها أوجب الوضوء .
السابع : لا ينتقض ، وقال وضوء من مس ذكر غيره الأيلي البصري من أصحابنا : ينتقض .
الثامن : قال عبد الحق في تهذيبه : قال أشهب : من صلى خلف من لا يرى الوضوء من الملامسة أعاد أبدا ، ومن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لم يعد ; لأن الوضوء من الملامسة ثابت بالقرآن المتواتر ، ومن مس الذكر بأخبار الآحاد ، وقال : يعيدان جميعا في الوقت . سحنون