
الحِلم هو ضبط النفس عند الغضب، وكفّها عن الرد على الإساءة مع القدرة على ذلك، ابتغاءً للأجر والمثوبة مِن الله عز وجل.. ونبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم يُضرب به المثل في الحِلم وفي عظيم الخُلق، وقد أثنى الله عز وجل عليه بجميل الصفات والأخلاق التي اتصف بها فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم:4). قال السعدي: "أي: عالياً به، مُستعليا بخُلقك الذي منَّ الله عليك به، وحاصل خُلُقِه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لمن سألها عنه فقالت: كان خلقه القرآن".
فكل خُلُقٍ محمود يليق بالإنسان فله صلوات الله وسلامه عليه منه القسط الأكبر، والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه، وأبعدهم عنه، شهد له بذلك العدو والصديق، وقد عُرِفَ واشتهر في قومه من صغره وشبابه وقبل بعثته بالأخلاق الفاضلة، والشمائل الكريمة، فكان أحسن قومه خُلقاً، وأعظمهم حلما، فلا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبراً، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، وعفواً وإحساناً، بل إن حلمه صلى الله عليه وسلم كان دليلاً من دلائل نبوته، ومِن أعظم الأسباب في الإيمان به وإجابة دعوته، واجتماع القلوب عليه ومحبته.
ما ذا أقول إذا وصفتَ مُحمداً عجز البيان وحِلمه لا يُفقد
لا تضربنَّ به في حلمه مثلاً فما له في البرايا يُعرف المَثل
والمواقف الدالة على حلمه صلى الله عليه وسلم في السيرة النبوية كثيرة ومشهورة، ومِن ذلك:
1 ـ عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن زيد بن سَعْنة ـ أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار ـ قال: (.. ما مِنْ علامات النُّبوَّة شيءٌ إلَّا وقد عرفتُها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حِلْمُهُ جَهْلَه (غضبه)، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه من جهله.. قال: فأتيتُه فأخذتُ بمجامع قميصه وردائه ونظرتُ إليه بوجه غليظ فقلتُ له: ألا تقضيني يا محمَّدُ حقِّي (كان له دَيْن عند النبي صلى الله عليه وسلم) فواللَّهِ ما علمتُكم يا بني عبدِ المطَّلب لَمَطْلٌ (التسويف والتأخير في سداد الدين)، ولقد كان لي بمماطلتكم علم، قال: فنظرتُ إلى عمر، وإذا عيناه تدوران في وجه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتصنع ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربتُ بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سُكونٍ وتؤَدةٍ وتبسم، ثم قال: يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التِّباعة (المطالبة بالحقّ)، اذهب به يا عمر فأعطه حقه وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما رُعتَه (أخَفْتَه وأفْزَعْتَه). قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ فقال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رُعتَك، فقلتُ: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحَبْر؟! قلتُ: الحَبر، قال: فما دعاك إلى أن فعلتَ برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلتَ وقلتَ له ما قلتَ؟ قلتُ: يا عمر، إنه لم يكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتُه في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه (غضبه)، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد خبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيتُ بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا). رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في "المستدرك، والبيهقى وأبو نعيم في "دلائل النبوة"، ورواه ابن كثير في "السيرة النبوية"، والسيوطي في "الخصائص الكبرى"، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقد ضعفه غيرهم.
اختبر زيد بن سَعنة رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فوجده كما وُصِفَ في الكتب السماوية السابقة ـ ومنها اليهودية الذي كان هو أحد علمائها الكبار ـ والتي فيها مِن وصفه وصفاته صلى الله عليه وسلم: "يسبق حلمُه جهلَه (غضبه)، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما"، فأسلم وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشاهده وغزواته، واستُشْهِد في غزوة تبوك. قال ابن القيم في "زاد المعاد": "كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس معاملة، وكان إذا استسلف سلفا قضى خيرا منه.. وباعه يهودي بيعا إلى أجل فجاءه قبل الأجل (الوقت المحدد) يتقاضاه ثمنه فقال: لم يَحِل الأجل، فقال اليهودي: إنكم لمَطْلٌ يا بني عبد المطلب، فهمَّ به أصحابه (ليضربوه ويؤدبوه لإساءته للنبي صلى الله عليه وسلم) فنهاهمم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فلم يزِدْه إلا حلما، فقال اليهودي: كل شيء منه قد عرفتُه من علامات النبوة وبقيت واحدة، وهي أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فأردت أن أعرفها، فأسلم اليهودي".
2 ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نَجرانِيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا مُحَمَّد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء) رواه البخاري. وهذا من روائع الأمثلة في حلمه صلى الله عليه وسلم وحُسن خُلُقِه وإحسانه، وصفْحه وعفوه الجميل، قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث بيان حلمه صلى الله عليه وسلم وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل، من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن".
3 ـ ومن عظيم الأمثلة في حلمه صلى الله عليه وسلم: عدم دعائه على مَنْ آذاه مِن قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيهلكهم الله جميعا، ولكنه صلى الله عليه وسلم حليم رفيق رحيم، يرجو ـ مع إيذائهم له ـ إسلامهم، وإسلام ذرياتهم، ففي أشد يوم مرَّ به صلى الله عليه وسلم وهو يوم الطائف، بعث الله عز وجل له ملَكَ الجبال لِيُطْبق على من آذاه الجبال، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (بل أرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد اللهَ وحده، لا يشركُ به شيئا) رواه البخاري. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) رواه البخاري. قال القاضي عياض: "قال القاضي أبو الفضل: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان، وحُسْن الخُلُق وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم، ودعا وشفع لهم، فقال: (اغفر) أو (اهْدِ)، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله: (لقومي)، ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال: (فإنهم لا يعلمون)".
4 ـ جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أن دوْساً (قبيلة دوس) هلكت وكفرت وعصت وأبت، فلم يدع عليهم، بل دعا لهم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء الطُفَيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوساً قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد دوسًا وائت بهم، اللهم اهد دوسًا وائت بهم) رواه مسلم. وفي ذلك دلالة على حلم النبي صلى الله عليه وسلم على منْ آذاه، وصبره على من دعاه إلى الله فأبى وأعرض، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يدع على أهل دوس بالعقوبة، بل دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه. قال ابن القيم:" ثم قال صلى الله عليه وسلم: ارجع (الطفيْل بن عمرو الدوسي) إلى قومك فادعهم إلى الله، وارفق بهم، فرجعت إليهم، فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله ثم قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين"..
لأهمية الحلم في الحياة، للوالد مع ولده، والمعلم مع من يعلمه، وللمتعلم مع مَن يتعلم منه، وللزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها، وللداعية مع من يدعوهم، وفي الحياة كلها، أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أوصني، قال: لا تغضب، فردد مِرارا قال: لا تغضب) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصُرعة (الذي يتمتع بقوة بدنية يغلب ويصرع بها الآخرين)، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه البخاري. وقد رغَّبنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحلم ومعه العفو عند المقدرة بقوله: (من كظَم غيظًا وهو قادر على أن يُنفذه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخيَّر من الحور العين ما شاء) رواه أبو داود وابن ماجه.. فما أحوجنا إلى دخولِ روضة الحِلْم النبوي، والاقتداء به صلى الله عليه وسلم في حِلمه بل في أخلاقه كلها، ففي ذلك السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب:21). قال الطبري: "أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلفوا عنه". وقال ابن كثير: "هذه الآية أصل في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله".