والخير كله في يديك، والشر ليس إليك

22/02/2026| إسلام ويب

 

القدَر هو: تقدير الله تعالى الأشياء حسبما سبق به عِلْمُه واقتضت حكمتُه، وكتابته سبحانه لذلك ومشيئتُه له، ووقوعها على حسب ما قدَّره.. قال الشيخ ابن عثيمين: "القدَر: تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمُه، واقتضته حِكْمَتُه". والإيمان بالقدر يعني: التصديق الجازم بأنّ كل خير أوْ شر فهو بقدر الله عز وجل، وأنه سبحانه الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، ومع ذلك فقد أمر الله عز وجل العباد ونهاهم، وجعلهم مختارين لأفعالهم، غير مجبورين عليها، بل هي واقعة بحسب إرادتهم، والله تعالى يهدي مَنْ يشاء بفضله ورحمته، ويُضل مَنْ يشاء بعدله وحكمته، لا يُسْأل عما يفعل وهم يُسألون.. وقد دلَّ القرآن الكريم على الإيمان بالقدر خيره وشره، قال الله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}(الأحزاب:38). قال ابن كثير: "أي: وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة، وواقعا لا مَحيد عنه ولا مَعْدِل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن". وبينت السُنة النبوية أن الإيمان بالقدر أحَد أركان الإيمان الستة التي جاءت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه حين سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدَر خيره وشره). قال ابن حجر: "(وتؤمن بالقدر خيره وشره).. والمراد أن الله تعالى علِم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل مُحْدَث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم مِنَ الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف مِنَ الصحابة وخيار التابعين". وقد أجمع المسلمون على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره. قال النووي: "وقد تظاهرت الأدلة القطعية مِن الكتاب والسُنة وإجماع الصَّحابة وأهل الحِلِّ والعَقْد (العلماء والفضلاء الذين يرجع النّاس إليهم) مِن السلف والخلف على إثبات قَدَر الله تعالى". وقال ابن حجر: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى"..

الله خالِقُ كُلِّ شَيء:

مِنْ مراتِبِ الإيمان بالقَدَر: الإيمان بأنَّ الله عز وجل خالِق كُلِّ شَيء، ومِن ذلك أفعال العباد، قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(الرعد:16)، وقال تعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}(الصافات:96). قال البغوي: "وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى". وفي "مناقب الإمام الشافعي" للرازي: "قال الشَّافعي: النَّاس لم يخلُقوا أعمالَهم، بل هي خَلقٌ من اللهِ تعالى، فِعلٌ للعِباد". وفي "السُنة" للخَلّال: "قال حَنبل: "سألتُ أبا عبد الله ـ يعني: أحمدَ بن حنبل ـ، قلتُ: أفاعيلُ العباد مخلوقة؟ قال: نعم، مُقَدَّرةٌ عليهم بالشَّقاء والسَّعادة، قُلتُ له: الشقاء والسعادة مكتوبان على العبد؟! قال: نعم، سابِقٌ في علمِ الله، وهما في اللَّوح المَحفوظ قبل أن يَخلُقَه". وقال الطحاوي في "متن الطحاوية": "أفعال العباد خَلقُ الله وكَسبٌ مِنَ العباد". وقال البيهقي في "الاعتقاد": "الإيمان بالقَدَرِ هو الإيمان بتقَدُّم عِلم الله سبحانه بما يكون من أكْساب الخَلْق وغيرها مِنَ المخلوقات، وصُدورِ جميعها عن تقديرٍ منه، وخلْقٍ لها خيرِها وشرِّها". وقال البغويُّ في "شرح السُنة": "الإيمان بالقَدَرِ فَرضٌ لازم، وهو أن يعتقد أنَّ الله تعالى خالِق أعمال العِباد، خيرِها وشَرِّها، كتبها عليهم في اللَّوح المَحفوظِ قبل أن يَخلقَهم، قال الله سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}(الصافات:96)". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "أفعال العِباد مخلوقةٌ باتِّفاق سَلَف الأمَّة وأئِمَّتها، كما نَصَّ على ذلك سائِر أئمَّة الإسلام: الإمام أحمد ومَن قَبله وبَعده حتى قال بعضُهم: مَنْ قال: إنَّ أفعالَ العِباد غير مخلوقة، فهو بمنزلة مَنْ قال: إنَّ السماء والأرض غير مخلوقة". وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح العقيدة الواسطية": "إنَّ الله تعالى خالِقُ كُلِّ شيء، وأن لا خالِق إلَّا الله، فيَجِب الإيمان بعموم خَلق الله عز وجل، وأنه خالِق كُلّ شيء حتى أعمال العِباد، لقَوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(الرعد:16)، وعَمَل الإنسانِ مِنَ الشَّيء.. والآيات في هذا كثيرة"..
العِباد لهم قدرة ومشيئة على أعمالهم:
مع اعتقادِ أهلِ السُّنَّة والجماعة أنَّ الله خالِق كُلِّ شيء وخالِق العباد وأفعالهم، فإنهم يعتقدون أنَّ للعبد قُدرة ومشيئة على فِعْله، قال الله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(الكهف:26). قال ابن قُتيبة: "عَدْل القَولِ في القَدَرِ أن تعلَم أنَّ الله عَدلٌ لا يجور، كيف خَلَق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنَّه لا يخرج مِنْ قُدرتِه شَيء، ولا يكون في مَلَكوتِه من السماوات والأرض إلَّا ما أراد، وأنَّه لا دَيْن لأحَدٍ عليه، ولا حَقَّ لأحدٍ قِبَلَه، فإن أعطى فبفَضل، وإن منع فبعَدل، وأنَّ العباد يستطيعون ويعملون، ويُجَزون بما يكسبون". وقال الخطابي في "معالم السنن": "الله سبحانه وتعالى خالِق الخيرِ والشَّرِّ جميعًا، لا يكون شيء منهما إلَّا بمشيئتِه، فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خَلْقًا وإيجادًا، وإلى الفاعِلين لهما من عبادِه فِعلًا واكتِسابًا". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "وممَّا اتفق عليه سَلَفُ الأمة وأئمَّتها مع إيمانهم بالقَضاء والقَدَر، وأنَّ الله خالِق كُلِّ شيء، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه يُضِلُّ مَنْ يشاء ويهدي من يشاء: أنَّ العِباد لهم مشيئةٌ وقُدْرة، يفعلون بمشيئتِهم وقُدرتِهم ما أقدَرَهم اللهُ عليه مع قَولهم: إنَّ العباد لا يشاؤون إلَّا أن يشاء الله.. والقرآن الكريم قد أخبر بأنَّ العباد يؤمنون ويَكفرون، ويفعلون ويعملون ويَكسبون، ويُطيعون ويَعصون، ويقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة، ويحُجُّون ويعتمِرون، ويقتُلون ويَزنون ويَسرِقون.. فلم يكُنْ مِنَ السلف والأئمَّة مَنْ يقول: إنَّ العبدَ ليس بفاعلٍ ولا مختار، ولا مُريدٍ ولا قادر". وقال أيضًا: "إنَّ أهلَ السنة يقولون: إنَّ العبد له مشيئة وقدرة وإرادة، وهو فاعِلٌ لفِعلِه حقيقة".. وقال الشيخ ابن عثيمين في " شرح العقيدة الواسطية": "إنَّ فِعلَ العبد واقِعٌ بمشيئة الله وخَلْق الله، والإنسان له اختيارٌ وإرادة.. فأفعال العِباد باختيارِهم وإرادتِهم، ومع ذلك فهي واقعةٌ بمشيئة الله وخَلْقِه"..

والْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْك، وَالشَّرُّ لَيْس إِليْك:

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إِذا قام إلى الصلاة قال: (وَجَّهْتُ وجْهي للذِي فَطَر السماوات والأرْض حَنِيفًا، وما أنا مِنَ المشركين، إنَّ صَلَاتي ونُسُكِي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي لِلَّه رَبِّ العالمين، لا شرِيك له، وبِذلك أُمِرْتُ وأنا مِنَ المسلمين، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِك لا إلَهَ إلَّا أَنْت، أَنْت رَبِّي وأنا عَبْدُك، ظَلَمْتُ نَفْسي، وَاعْتَرَفْتُ بذَنْبي، فَاغْفِر لي ذنوبي جمِيعا، إنه لا يَغفر الذنوب إلَّا أَنْتَ، واهْدِني لأَحْسَن الأخلاق، لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْت، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لا يَصْرِف عَنِّي سَيِّئَها إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْك، وَالْخَيْر كُلُّه في يَدَيْك، والشَّرُّ ليسَ إلَيْك) رواه مسلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: (لبَّيْكَ) أي: إجابة لك بعد إجابة، وقيل: لزوماً لطاعته وطوعاً بعد لزوم، (وسعديك) من الألفاظ المقرونة بلبيك، (والخيرُ كلُّه في يَدَيك)، معناه: الإقرار بأنَّ كلَّ خيرٍ واصلٍ إلى العباد ومَرْجُوٍّ وُصوله، فهو في يَدَيه تعالى، (والشَّرُّ ليس إليك) فلا يُنسَبُ الشَّرُّ إليك، أوِ الشَّرُّ لا يُتقَرَّب به إليك، أوِ الشَّرّ لا يَصعَد إليك، وإنَّما الكَلِم الطيِّب هو الذي يَصعد، وفي ذلك إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في الثناء على الله تعالى ومَدْحِه، وذلك بأنْ يُضاف إليه محاسن الأمور دون مساوئِها على جِهة الأدب مع الله..
قال الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن": "(والشر ليس إليك): هذا الكلام إرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء علي الله تعالي أن يُضاف إليه محاسن الأشياء دون مساوئها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته". وقال القاضي عياض في "إِكمَال المُعْلِم بفوائد مُسْلِم": "(والشرّ ليس إليك): قال الخطابي: معنى هذا الكلام: الإرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله والمدح له بأن تضاف محاسن الأمور إليه دون مساوئها ومَذامِّها". وقال ابن الجوزي في " كشف المشكل من حديث الصحيحين ": "قوله: (والشَّر لَيْسَ إِلَيْك) أَي لَيْسَ مُضافا إليْك. وقد يشكل هَذَا فَيُقال: أَلَيْسَ كل شَيْء بِقدر؟ فالجواب: أَن الْمَعْنى: لَا يُضَاف الشَّرّ إِلَيْك فتخاطب بِهِ تأدبا لَك، فَلا يُقال: يَا مضيق الرزق، وإِنَّما تخاطب بِمَا يَلِيق بالأدب، فَيُقَال: يا كريم يا رحيم". وقال القُرطبيُّ في "المفهم": "قوله: (والشَّرُّ ليس إليك) أي: لا يُضاف إليك مخاطَبةً ونِسبة، تأدُّبًا، مع أنَّه بقضاءِ اللهِ تعالى وقَدَرِه، كالخيرِ، كما قال الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}(النساء:78)، وكما قال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(الأنعام:17)". وقال السعديّ في فوائِدِ قِصَّة موسى والخَضِر عليهما السلام: "ومنها: استعمال الأدَب مع الله تعالى في الألفاظ، فإنَّ الخَضِر أضاف عَيب السفينة إلى نفسه بقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}(الكهف:79) وأمَّا الخير فأضافه إلى اللهِ تعالى لقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}(الكهف:82)، كما قال إبراهيم عليه السَّلام {وَإِذَا مَرِضْتَ فَهُوَ يَشْفِينِ}(الشغراء:80)، وقالت الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}(الجن:10) مع أنَّ الكُلَّ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه".
وقال النووي في "شرح صحيح مسلم: " أمَّا قوله: (والشَّرُّ ليس إليك) فمِمَّا يجِب تأويله، لأن مَذهب أهلِ الحَقِّ أنَّ كُلَّ المُحْدَثات فِعْل الله تعالى وخَلْقه، سواءٌ خيرها وشَرّها، وحينئذٍ يجِب تأويلُه، وفيه خمسة أقوال: أحدها: معناه: لا يُتقَرَّب به إليك.. والثاني: حكاه الشيخُ أبو حامدٍ عن المُزَنيِّ، وقاله غيره أيضًا، معناه: لا يُضاف إليك على انفرادِه، لا يُقال: يا خالِق القِرَدة والخنازير، ويا رَبَّ الشَّرِّ، ونحو هذا، وإن كان خالِقَ كُلِّ شيءٍ، ورَبَّ كُلِّ شيء، وحينئذ يدخُلُ الشَّرُّ في العموم. والثالث: معناه: والشَّرُّ لا يصعَد إليك، إنما يصعَد الكَلِمُ الطَّيِّب والعَمَل الصَّالح. والرابع: معناه: والشرّ ليس شَرًّا بالنسبة إليك، فإنَّك خلَقْتَه بحِكْمةٍ بالغة، وإنما هو شرٌّ بالنِّسبة إلى المخلوقين. والخامس: حكاه الخطَّابيُّ أنَّه كقولِك: فلانٌ إلى بني فلانِ، إذا كان عِدادُه فيهم، أو صَفْوُه إليهم".
وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: (والخير بيديك، والشر ليس إليك)، فإنه لا يخلق شرًا محضًا، بل كل ما يخلقه: ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق: فالرب مُنَزّه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه. وأما الشر الجزئي الإضافي: فهو خير باعتبار حكمته، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}(الأنعام:101) وإما أن يُضاف إلى السبب كقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}(الفلق:2)، وإما أن يُحذف فاعله، كقول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}(الجن:10).. وقال ابن القيم: "فعُلِم أن الشر ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك"..
وقال حافِظٌ الحَكَميّ في "أعلام السُنة المنشورة": "ما معنى قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: (والخيرُ كُلُّه في يديك، والشَّرُّ ليس إليك) مع أنَّ الله سبحانه خالِق كُلِّ شَيء؟! معنى ذلك: أنَّ أفعال الله عزَّ وجَلَّ كُلَّها خيرٌ مَحضٌ من حيث اتصافه بها وصدورها عنه، ليس فيها شَرٌّ بوجه، فإنه تعالى حَكَمٌ عَدلٌ، وجميع أفعالِه حِكْمة وعَدل، يَضَع الأشياء مواضِعها اللائِقة بها، كما هي معلومة عنده سبحانه وتعالى، وما كان في نَفس المقدور مِن شَرٍّ فمن جهة إضافتِه إلى العبدِ لِما يلحَقه من المهالِك، وذلك بما كسَبَت يداه جزاءً وِفاقًا، كما قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}(الشورى:30)".. وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح الأربعين النووية": "إنَّ القَدَرَ ليس فيه شَرٌّ، وإنما الشَّرُّ في المقدور، وتوضيح ذلك بأنَّ القَدَر بالنسبة لفِعل اللهِ كُلُّه خير، ويدُلُّ لهذا: قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (والشَّرُّ ليس إليك) أي: لا يُنسَب إليك، فنَفس قضاء الله تعالى ليس فيه شَرٌّ أبدًا، لأنَّه صادِرٌ عن رحمةٍ وحِكْمة.. إذًا كيف نوَجِّه: (وتؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه)؟ الجواب: أن نقول: المفعولات والمخلوقات هي التي فيها الخير والشَّرّ، أمَّا أصل فِعلِ الله تعالى وهو القَدَر، فلا شَرَّ فيه، مثال ذلك: قَول الله عزَّ وجَلَّ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}(الروم:41) هذا بيان سَبَب فساد الأرضِ، وأمَّا الحِكْمة فقال: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم:41)"..

مِنْ معاني القضاء والقدر: عِلْم الله سبحانه، وكتابته لما علمه، ومشيئته وخَلْقه، وليس في ذلك كلّه شرّ، بل هي خيرٌ محض، لأنها كلّها تُعتبر مِنْ أفعال الله عز وجل، وأفعاله سبحانه كلّها كمال مِنْ كلّ الوجوه، ليس فيها شائبة نقص.. ومن المُقَرَّر لدى عقيدة أهل السُنة أن الله عز وجل خالق أفعال العباد كلها خيرها وشرها، ولكن مع ذلك فإن مِنَ الأدب مع الله عز وجل عدم نِسبة الشر وما يكرهه الإنسان إليه سبحانه.. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يؤكّد على ذلك المعنى فكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشرّ ليس إليك). وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}(النساء:78). قال السعدي: "{قُلْ كُلٌّ} أي: من الحسنة والسيئة والخير والشر. {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: بقضائه وقدره وخَلْقه". وقال ابن أبي العز في "شرح الطحاوية": "إنْ قيل: فكيف الجَمع بين قوله: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وبين قوله: {فَمِنْ نَفْسِكَ} قيل: قوله: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه}: الخِصْبُ والجَدْب، والنَّصر والهزيمة، كُلُّها من عند الله، وقوله: {فَمِنْ نَفْسِكَ} أي: ما أصابك مِنْ سيئة مِنَ اللهِ فبذَنب نَفْسِك عقوبة لك، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}(الشورى:30).. وفَرَّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النِّعَم، وبين السيِّئات التي هي المصائِب، فجعل هذه من الله، وهذه من نَفسِ الإنسان، لأنَّ الحسنة مُضافة إلى الله، إذْ هو أحسَن بها من كُلِّ وجه، فما مِنْ وَجهٍ مِنْ أوجُهِها إلَّا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأمَّا السَّيِّئة فهو إنما يخلُقُها لحِكمة، وهي باعتبارِ تلك الحِكمة من إحسانِه، فإنَّ الرَّبَّ لا يفعَلُ سَيِّئةً قطُّ، بل فِعْلُه كُلُّه حَسَنٌ وخير".. 

www.islamweb.net