
فكثيرا ما يسارع البعض في الطعن في العلماء قبل أن يفهم مقاصدهم من الكلام.. أو معاني أقوال الأئمة والأكابر فيهم؛ فيسارع في التعليق والاتهام والتنقص والتبديع والتفسيق، قبل أن يدقق في الكلام ويحققه، فيقع في عرض العلماء والدعاة وأهل الفضل، ويوقع نفسه في ورطة قد يحاسب عليها أمام الله يوم الدين.
ومن المعلوم من دين الله أن العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا منهم أعظم شيء وهو العلم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ}[أبو داود بسند صحيح].
وقد نهينا أشد النهي عن الوقوع في أعراض الناس، وعن غيبتهم، وصنفها العلماء على أنها من الكبائر، فكيف إذا كانت في أهل العلم والفضل الذين رفعهم الله على غيرهم درجات {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة:11].
احترام العلماء.. من الدين
إن من عقيدة أهل السنة، وأصول منهج السلف، ومن الآداب التي أدبتنا بها الشريعة، احترامَ العلماء، وتوقيرَ الفقهاء، والتأدب معهم غاية الأدب، وإمساكَ اللسان عنهم، والا نتكلم عنهم إلا بالطيب الجميل، قال الإمام الطحاوي رحمه الله: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل".
قال ابن الأذرعي: "الوقيعة في أهل العلم ـ لا سيما أكابرهم ـ من كبائر الذنوب".
وقال الإمام أحمد: "لحوم العلماء مسمومة من شمها مرض ومن أكلها مات".
وكلنا يعرف كلمة الإمام ابن عساكر عليه رحمة الله المشهورة: "واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحومَ العلماء مسمومة، وعادةَ الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة.. ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[النور:63].
الأدب أو السكوت
وطالب العلم أو من هو دون ذلك عليه وجوبا أن يمسك لسانه، ولا يتطاول على الأفاضل الذين عرفوا بالعلم والخير والفضل، فيمسك تماما، وأما إذا بلغه كلام ظاهره الخطأ فينبغي أن يتثبت أولا من نسبة الكلام إلى قائله، ثم يحاول فهم الكلام على محامله مع تقديم حسن الظن في القائل، وإن أشكل عليه فهم شيء فيسأل المتكلم عن قصده فهو أولى بنيته وأعرف بحاله وبمراده.. فإن أكثر الغلط من سوء الفهم، وأكثر منه من سوء القصد:
وكم من عائب قولا صحيحا .. .. وآفته من الفهم السقيم
قرأت كلمة في ترجمة الإمام علي بن المديني شيخ البخاري وإمام أهل الأرض في علل الحديث..
ساقها الإمام الذهب في السير في ترجمة علي بن المديني رحمه الله.. قال:
قال أحمد بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: (كان علي ابن المديني إذا قدم علينا، أظهر السنة، وإذا ذهب إلى البصرة أظهر التشيع).
وظاهر الكلمة ربما يفهم"عند المغرضين، أو الجهال" بأن ابن المديني كان ينافق أو يداهن.. أو أنه أحيانا يكون على غير السنة..
لكن عندما تقرأ تعليق الذهبي على كلمة يحيى يتضح المعنى حتى يكون كالشمس، ويكون مدحا ليس فوقه مدح، بعد أن كان ظاهره أقرب إلى الذم والقدح.
قال الإمام العظيم شمس الدين الذهبي معلقا على قول ابن معين السابق:
قلت "القائل الذهبي": كان إظهاره لمناقب الإمام علي بالبصرة لمكان أنهم عثمانية، فيهم انحراف على علي".
يعني أن ابن المديني رحمه الله كان إذا ذهب إلى البصرة حدث بمناقب علي رضي الله عنه "وهو معنى أظهر التشيع".. لأن أهل البصرة كان فيهم ميل عن علي رضي الله عنه، فكان يحدث بفضائله ليعلم الناس مكانه وفضله، ولا يتجرأ الناس على انتقاصه والطعن فيه.
فرضي الله عن ابن المديني، ورضي الله عن ابن معين، ورضي الله عن الذهبي ... وأدبنا الله بأدبهم... آمين