
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}(النساء:131)..
أما بعد، أيها المسلمون:
لكل أمة رموز تقتدي بها، وتغرس قيمها في أبنائها، ورموز أمتنا هم الصحابة رضوان الله عليهم، نجوم الهدى ومصابيح الدجى.. والناظر في واقع أمتنا اليوم ـ وللأسف الشديد ـ، يرى فراغًا في القدوات، حتى أصبح الكثير من شبابنا يقتدي بقدوات من خارج ديننا وهويتنا
إذا تمثلَ ماضينا لحاضرِنا تكادُ أكبادُنا بالغيظِ تنفطرُ
ولذا ينبغي علينا جميعا، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، أن نعود إلى سيرة هؤلاء الصفوة الكرام، لا للتسلية، ولا للتفاخر بالماضي فحسب، بل لننهل من معينهم الصافي، ونسير على طريقهم حتى يرضى الله عنا كما رضي عنهم، نرى فيها جيلا، لا كالأجيال، وأبطالاً، لا كالأبطال، وصفهم الله بقوله: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}(الأحزاب:23)..
رجال علموا أن طريق الجنة صعب، محفوف بالمكاره، لكن آخره السعادة الدائمة في الدنيا والآخرة فسلكوه، وأن طريق النار سهل محفوف بالشهوات لكن آخره الشقاوة الدائمة في الدنيا والآخرة فاجتنبوه، كل الناس لهم همٌّ، وهمهم كان رفعة لا إله إلا الله، كل الناس له قصد، وقصدهم كان الجليل في علاه.. في السِّلم هداة مصلحون، وفي الحرب مجاهدون ثابتون، عبَّاد ليل، وأُسْدِ نهار، فتحوا المدن والقرى بالسَنان، وفتحوا القلوب بالقرآن..
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن إنفاق أحدنا مثل جبل أحُدٍ ذهبًا لا يبلغ جزءًا من عطائهم وبذلهم.. وقال عنهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "مَن كان متأسياً، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"..
لقد صدق الصحابة رضوان الله عليهم ما عاهدوا الله عليه، وما كان ذلك إلا ثمرة من ثمرات تربية النبي صلى الله عليه وسلم لهم، حتى صار كل صحابي أمةً وحده، يحمل سمةً وموقفًا عظيماً نصر به الإسلام والمسلمين.
انظروا معي إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه، حين أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة المنورة لحمايتها من أحزاب الكفر، فيا له من اقتراح حكيم، وما كان له من أثر عظيم في حماية المدينة والمسلمين..
ثم انظروا إلى الخباب بن الأرت رضي الله عنه، الذي اقترح في غزوة بدر أن يعسكر المسلمون عند الماء ويشربون ليمنعوا المشركين منه، فكان في اقتراحه تقوية للمسلمين وإضعافا للكافرين..
وانظروا كذلك إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه يوم تولى الخلافة، ارتدت بعض قبائل العرب بموت النبي صلى الله عليه وسلم، وامتنعوا عن أداء الزكاة، فقام لله وقال ـ وهو الرقيق البكّاء من خشية الله ـ: "أينقص الدين وأنا حي"، وفي أقل من سنتين إذا بجيوشه ترابط على أبواب أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت، ألا وهي فارس والروم..
وأما خالد بن الوليد رضي الله عنه، يوم مؤتة، حين استشهد القادة الثلاثة، أخذ الراية فأصبح سيف الله المسلول، واقتحم الميدان ببطولة وشجاعة، لا يهاب الموت ولا العدو، ونصر الله به المسلمين..
وانظروا أيضا إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، شكر أخاه الذي أراد أن يعطيه ويناصفه ماله بعد الهجرة، وقال له: "دلني على السوق"، وانطلق يتاجر ويربح وينفق ويتصدق من ماله الكثير والكثير في سبيل الله..
وهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه يجمع القرآن، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يدون الحديث، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه يفسر القرآن، ويخرج إلى الأسواق يذكر الناس بالله، ويتحاور ويتناقش سلمان وأبو الدرداء رضي الله عنهما حول قيام الليل وحقوق العيال..
بل انظروا معي إلى ذلك الصحابي في غزوة خيبر، أعطوه ما قُسِم له من الغنائم، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! ما علَى هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أرمى إلى ههُنا، وأشارَ إلى حَلقِهِ بسَهْمٍ، فأموتَ فأدخلَ الجنَّةَ فقالَ: إن تَصدقِ اللَّهَ يَصدقكَ، فلبِثوا قليلًا ثمَّ نَهَضوا في قتالِ العدوِّ، فأتيَ بِهِ النَّبيُّ يحملُ قَد أصابَهُ سَهْمٌ حيثُ أشارَ، فقالَ النَّبيُّ: أَهوَ هوَ؟ قالوا: نعَم، قالَ: صدقَ اللَّهَ فصدقَهُ، ثمَّ كفَّنَهُ النَّبيُّ في جبَّةِ النَّبيِّ، ثمَّ قدَّمَهُ فصلَّى علَيهِ) رواه النسائي.
عباد الله: لقد صدق الصحابة رضوان الله عليهم ما عاهدوا الله عليه، وكيف لا يصدقون، وقد رأوا بأعينهم نبيَّهم صلى الله عليه وسلم في بداية البعثة والدعوة، وحيدًا على جبل الصفا، ينادي قومه: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) رواه البخاري، فكان جزاؤه التكذيب والأذى حتى من عمِّه أبي لهب، ومع ذلك ما ضعف، بل ظل ثابتًا ينادي بدعوة التوحيد، ويزرع الإيمان في القلوب، حتى كثر أتباعه، فذاقوا من الأذى ما ذاق، وصبروا كما صبر، وهاجروا بدينهم إلى أرضٍ جديدة، تاركين وراءهم أوطانهم وأموالهم وأهليهم، مؤثرين رضا الله على كل محبوبٍ وعزيز.
وكيف لا يصدقون، وقد عاصروا وشاركوا في الصراع بين الحق والباطل، فشهدوا بدراً يوم التقى الجمعان، وهم ثلاثمائةٍ وبضعة عشر في وجه ألفٍ من الكفار، لا يملكون إلا إيمانهم، فأنزل الله نصره عليهم، وغلبت القلة المؤمنة الكثرة الكافرة، وارتفعت راية التوحيد عالية خفاقة.
وكيف لا يصدقون، وقد عايشوا تجمع أحزاب الكفر والنفاق في يوم الأحزاب حين بلغت القلوب الحناجر، فثبّتهم الله، ونصرهم الله بجنديٍّ من جنوده وهو الريح: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}(المدثر:31)..
وكيف لا يصدقون، وقد بايعوا نبيهم صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في الحديبية بيعة الرضوان، وقلوبهم مملوءة باليقين والإخلاص، فأنزل الله فيهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}(الفتح:18)؟!
وكيف لا يصدقون، وقد عادوا إلى مكة فاتحين، بعد أن أُخرجوا منها مظلومين، ورسول الرحمة صلى الله عليه وسلم يدخلها متواضعًا شاكرًا، وقد تمكَّن ممن آذاه، ومع ذلك عفا عنهم، وأمنهم على أنفسهم، فكانت دروسًا لهم في العفو والصفح، والتواضع والرحمة..
وكيف لا يصدقون، وقد ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك في جوع وتعب وحر شديد، وثبتوا معه في كل ميدانٍ من ميادين الصبر والجهاد، وما قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عدوًّا بعددٍ ولا بعدةٍ ـ وإنْ كانا مطلوبين وهامَّيْن ـ، وإنما قاتلوا بثقةٍ في وعد الله، ويقينٍ في نصره، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}(البقرة:249)..
وكيف لا يصدقون، وقد رأوا وعد الله يتحقق أمام أعينهم، من ثلاثةٍ في بداية الإسلام في دار الأرقم، إلى ثلاثمائةٍ في بدر، إلى ألفٍ وأربعمائةٍ في الحديبية، إلى عشرة آلافٍ في فتح مكة، ثم إلى مِائة ألفٍ في حجة الوداع، يقفون مع نبيهم صلى الله عليه وسلم على الصفا في نفس الموضع الذي أوذي فيه أول دعوته، يرفع صوته بالتكبير، ويقول لهم: (لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه) رواه مسلم.
أولئك هم الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ثبتوا حتى أتمّ الله بهم دينه، ونشر بهم نوره، وكان قدوتهم ومعلمهم ومربيهم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى مع نبينا صلى الله عليه وسلم..
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..
أيها المؤمنون:
الصحابة رضوان الله عليهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومن أوضح دلائل صدقهم حبُّهم العظيم لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، حبا ترجموه اقتداء واتباعًا، فأطاعوه فيما أمر، واجتنبوا ما نهى عنه وزجر، وتمسّكوا بسنّته، ومع عظيم حبهم وتوقيرهم له، لم يجاوزوا الحدَّ في محبّته، ممتثلين أمره ووصيّته: (لا تُطروني كما أطرَتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه) رواه البخاري.
واعلموا رحمكم الله أن طريق الصحابة رضي الله عنهم لم يكن مفروشا بالورود، بل كان طريقَ صبرٍ وابتلاءٍ وثبات وتضحية
سلوا بلالًا وعمّارًا ووالده عن السلاسل والرمضاء والألم
واليوم، بل والآن، كأنّ نداءَ الصحابةِ الكرامِ الصادقين، ينادينا ويصل إلينا من أعماقِ التاريخ، يذكّرنا ويستنهض هممَنا بحبّ وعتاب: أأنتم حقًّا أحفادُنا؟ أين أنتم من القرآن تلاوةً وحفظًا وعملاً؟ أين أنتم من الصلاة التي كانت قُرّةَ عينِ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم ووصيتَه بها قبل موته؟ ما بال المساجد يقلّ روّادها، وأماكن اللهو تمتلئ بأهلها؟ أين صدقاتكم؟ أين توبتكم واستغفاركم وذِكركم لربكم؟!
وأين أنتم من خُلُق نبيكم صلى الله عليه وسلم في بيوتكم وعملكم وتعاملكم، ومع أزواجكم وإخوانكم وفي حياتكم اليومية؟
تلك كانت لمحة من حياة رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكونوا على أثرهم، واقتدوا بهم في صدقهم، وسارعوا إلى الخيرات كما سارعوا، فإذا فُتح لكم بابُ خيرٍ فاغتنموه، فوالله لا ندري متى يُغلق عنّا باب الحياة
إِذا هَبَّت رِياحُكَ فَاِغتَنِمها فَعُقبى كُلُّ خافِقَةٍ سُكونُ
وَلا تَغفَل عَنِ الإِحسانِ فيها فَما تَدري السُكونُ مَتى يَكونُ
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56).