
الحمد لله الذي خلق الإنسان من نطفة، ثم سوّاه وألهَمَه، وقدّر له الأقدار بحكمته، وصرَف عنه من البلاء ما لا يعلمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، المصطفى المختار، الذي ما ترك خيرًا إلا دلّ الأمة عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين، وهي زاد الطريق، ونور الدرب، وسبب النجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70–71]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر: 18].
أما بعد؛
أيها المسلمون: من أعظم أبواب العقيدة، وأجل أركان الإيمان، وأرفع منازل التوحيد، الإيمانُ بقضاء الله وقدره، ذلك الركن السادس الذي لا يكتمل إيمان عبد حتى يصدق به قلبًا ولسانًا وعملاً، كما جاء في الحديث عن جبريل عليه السلام أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال صلى الله الله عليه وسلم: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره) متفق عليه. وقد أخبرنا ربنا جل جلاله في آيات كثيرة عن هذا الركن العظيم في ديننا، وعلمنا أن كل شيء يجري في هذا الكون بتقدير سابق منه سبحانه، وعلم محيط، وكتاب محفوظ عنده جل وعلا؛ قال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 22، 23]. وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]. وقال تعالى: {وَكَانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب :38]، وقال سبحانه: {وخلق كلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تقديراً} [الفرقان:2]. وقال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} [الأعلى:1-3] وغيرها من الآيات كثير. فمن آمن بهذه الآيات علم أن ما يجري عليه من خير أو شر، حلو أو مر، رخاء أو بلاء، إنما يجري على حسب علم الله القديم، وكتابته السابقة، ومشيئته النافذة، وخلقه المحيط بكل شيء.
أيها المؤمنون: إن الإيمان بالقضاء والقدر ليس علمًا نظرياً يُحفظ في الذهن، ولا مسألة عقلية تدرَّس في الكتب؛ بل هو نورٌ في القلب، وقوة في الروح، وطمأنينة في النفس، ويقين في القلب إذا نزل البلاء، وشكر إذا وردت النعم، وهو أعظم ما يثمره الإيمان في حياة المؤمن.
وهذا الإيمان له ثمرات كثيرة منها: أنه يفتح للمؤمن باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، فيرى آثار علمه في كل شيء، ويتأمل سعة علمه سبحانه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فيعلم أنه سبحانه مطلع على خفايا النفوس وما تكنه الصدور، يعلم خطرات القلوب وهمسات الأرواح ونيات الأعمال؛ فإذا علم العبد أن ربه محيط بسرّه وعلانيته، استحيا منه أن يحمل في قلبه نية فاسدة، أو مقصدًا غير مرضي، أو خطرات لا تليق بمن علم أن الله مطلع على السر وأخفى.
عباد الله: من ثمرات الإيمان بالقدر أن يشعر العبد بعظمة قدرة الله تعالى، وأنه لا يقع في الكون شيء إلا بمشيئته، ولا يحدث أمر إلا بإذنه، فلا تتعلق القلوب إلا به، ولا يُرجى النفع إلا منه، ولا يُخشى الضر إلا منه، ولا يُلجأ عند الشدة إلا إليه. فإذا تجلت هذه المعاني في قلب المؤمن انقطع رجاؤه عن الخلق، واستقرت هيبة الله وتعظيمه في قلبه، وتوكل عليه حق التوكل.
ومن ثمرات الإيمان بالقدر تلك السكينة العجيبة التي يفيض الله بها على قلب عبده المؤمن، فيرضى عند القضاء، ويطمئن عند البلاء، فلا تجرفه المصائب، ولا تهلكه الهموم، ولا يسقطه اليأس، لأنه يعلم يقينًا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فإذا ابتلي صبر، وإذا أُنعِم عليه شكر، وإذا جرى عليه قضاء الله رضي به أو احتسب عنده، فيرتقي بذلك إلى منازل الرضا والصبر، وهي من أرفع منازل السائرين إلى الله تعالى.
أيها المؤمنون: الإيمان بالقدر يورث صاحبه شجاعة نادرة، وقلبًا ثابتًا، وروحًا لا تخشى إلا الله تعالى؛ لأن العبد إذا ما أيقن أن أجله مكتوب، وأن الموت لا يقدمه شجاعة ولا يؤخره جبن؛ عاش حرًا بعيدًا عن الوهن، مقبلًا على الحق، ثابتًا على المروءة، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، واقفًا حيث يحب الله تعالى، لا يخاف في الله لومة لائم. يقول تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34].
ومن ثمرات الإيمان بالقدر أن يزهد المؤمن في الحرام، ويقبل على الحلال طمأنينةً ويقينًا؛ لأنه يعلم أن رزقه مقدر مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقه وأجله، كما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نَفَثَ رُوحُ القُدُسِ في رُوْعِي أنَّ نفْسًا لن تَخرج من الدنيا حتى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وتَسْتَوْعِبَ رزقَهَا، فَأَجْمِلُوا في الطلب، ولا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطْلُبُوهُ بمعصيةِ اللهِ؛ فإنَّ الله لا يُنَالُ ما عندهُ إلا بطاعتِهِ) رواه الطبراني. فلا يحملنك بطء الرزق على معصية الله تعالى، ولا تستدرجك حاجتك إلى مخالفة أمر الله تعالى، فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته.
أيها المسلمون: من أعظم ثمرات الإيمان بالقدر أنه يُذهب الحسد من قلب العبد؛ لأنه يؤمن أن الأرزاق بيد الله تعالى، يعطي من يشاء بحكمته، ويمنع من يشاء بعدله، ويرفع أقوامًا ويخفض آخرين بما يعلم من مصلحتهم وما يقدر من حكمته وابتلائه.
وإن من أعظم ثمرات الإيمان بالقدر أنه يدفع العبد إلى العمل والسعي وبذل الأسباب، فلا يركن إلى الكسل ولا يستسلم للعجز، بل يقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فالقدر لا يعطل العمل بل يحفزه، ولا يبطل السعي بل يقويه، ولا يمنع الجد بل يحيي الهمم ويدفعها إلى كل خير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، له الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أيها المؤمنون: إن الإيمان بالقدر هو زاد الطريق، وراحة القلب، وطمأنينة الروح، وهو الذي يثبتك عند المصائب، ويجعلك لا تتكبر عند النعم، ويعيدك إلى الله تعالى في السراء والضراء، ويعلمك أن تدبير الله لك خير من تدبيرك لنفسك.
فارضوا بما قسمه الله لكم، واسعوا في طلب رزقكم بالحلال، وتوكلوا على الله في أموركم كلها، واعلموا أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من صدق مع الله صدق الله معه، ومن رضي بقضاء الله رضي الله عنه، ومن أحسن الظن بربه وجد عنده كل خير.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.