من هم الخاسرون في رمضان؟

25/02/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل رمضان ميدانا للمتسابقين، ومضمارا للمتقين، نحمده سبحانه على نعم لا تحصى، وفضل لا يستقصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدَّ الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

أيها المسلمون: اعلموا أن الناس في مواسم الخيرات رجلان: رجل باع نفسه لله فأعتقها، ورجل باعها للشيطان فأوبقها.

وإن من أعظم المصائب أن يمر على العبد شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، ثم يخرج منه صفر اليدين، محروما من المغفرة، مطرودا من الرحمة، أو يخرج ناقص الأجر قليل الثواب، في شهر مضاعفة الحسنات.

أو يخرج من شهر الغفران والتكفير للذنوب ورفع الدرجات في الجنة، بدون مغفرة ولا رفعة، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى المنبر فقال: (آمين، آمين، آمين) قيل له: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ فقال: (قال لي جبريل: رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما لم يدخله الجنة. قلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له. فقلت: آمين. ثم قال: ‌رغم ‌أنف ‌امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين) رواه البخاري في الأدب المفرد.

(ورغم أنفُ عبد)؛ أي: خاب وخَسر وذَلَّ وعجز ولَصِق أنفُه بالتُّرابِ كل مَن أدرَك شهر رمضان، فكسِل عن العِبادة ولم يَجتَهِدْ ويُشمر حتى انتهى الشهر فلم يظفر ببركة الشهر الكريم ولم يُغفر له.

عباد الله: إن الخاسرين في رمضان ليسوا طبقة واحدة، بل هم أنواع، فاسمعوا لأحوالهم لعلنا نحذر من طريقهم:

النوع الأول: من صام عن الطعام وأفطر على الآثام:
وهذا النوع هو الذي ظن أن الصيام هو جوع البطن وعطش الكبد فحسب، فترك المأكول والمشروب الحلال، وخاض في المحرمات والمنكرات: فأطلق لسانه يمزق أعراض المسلمين بالغيبة والنميمة والشتم واللعن، وعينه لا تشبع من النظر إلى الحرام والعورات، وأذنه لا تتعب من سماع اللهو والخنا والباطل والفاحش؛ ولذلك جاء الحديث في حقه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌من ‌لم ‌يدع ‌قول ‌الزور ‌والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. فيا حسرة على صيام لا روح فيه، ويا ضيعة تعب لم يثمر تقوى، ولم يثبت أجراً.

النوع الثاني: المضيعون للأوقات في الملهيات:
وهؤلاء قلبوا رمضان من شهر عبادة إلى شهر تسلية وترفيه، سهر في ليله على الباطل والمضيعات، أو على الحرام والموبقات، ونوم عميق في نهاره عن الصلوات، والأعمال والأقوال الصالحات. يستقبلون رمضان بتحضير القنوات وترتيب السهرات، فيضيع عمرهم بين "قيل وقال" ومتابعة ما يضر ولا ينفع. لم يعرفوا للقرآن طعما، ولا للقيام لذة، تمر عليهم الساعات الغالية وهم في لهوهم معرضون، وعلى الملهيات مكبون، وللتزود لرحلة الآخرة مضيعون؛ فخسروا الربح، وأضاعوا رأس المال، فالوقت رأس مال المسلم.

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه    ***     وأراه أسهل ما عليك يضيع

النوع الثالث: التائبون "الموسميون":
وهم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، فإذا دخل الشهر رأيتهم في المساجد خاشعين، فإذا انتهى الشهر وانقضى، هجروا المصاحف، وتركوا الجماعات، وعادوا إلى سالف عهدهم كأنهم كانوا في سجن فخرجوا منه! هؤلاء خسروا حقيقة العبودية، فرب رمضان هو رب شوال وشعبان، وبئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، كيف وقد دعا الله سبحانه عباده بالعبادة حتى آخر نفس لهم في الدنيا، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 98، 99].

معاشر المؤمنين: وهناك أفعال تورث الخسران في هذا الشهر العظيم:


منها: إضاعة الصلوات المفروضة: فكيف يرجو الأجر من ينام عن الفجر والظهر والعصر؟ إن الصلاة أعظم من الصيام، ومن ضيع الركن الأول فهو لما سواه أضيع. بل ومن أفسد أمر صلاته فسد صومه بالتالي ولا محالة؛ كما جاء ذلك في الحديث عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، ‌فإن ‌صلحت ‌صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) رواه الطبراني في الأوسط.

ومن الأفعال: الشحناء والهجر: يدخل رمضان والقلوب مشحونة، والإخوة متقاطعون، والأرحام مبتورة. وفي هذا خطر عظيم، عن ‌أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: ‌أنظروا ‌هذين ‌حتى ‌يصطلحا ‌أنظروا ‌هذين ‌حتى ‌يصطلحا ‌أنظروا ‌هذين ‌حتى ‌يصطلحا) رواه مسلم. فما ظنك بمن يحرم المغفرة في شهر المغفرة بسبب خصومة دنيوية؟

ومن الأفعال: الغفلة عن ليلة القدر: وهي الليلة التي هي خير من ألف شهر، فالمحروم من فرط فيها، والخاسر من انشغل في أوتار العشر الأواخر بالانشغال والغفلة، وترك القيام والتهجد، عن أبي هريرة، قال: لما حضر رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد جاءكم رمضان، شهر مبارك، ‌افترض ‌الله ‌عليكم ‌صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها، فقد حُرِم) رواه أحمد.

ومن الأفعال: عدم استحضار النية والاحتساب: فكثير من الناس يصومون تقليدا للمجتمع، أو حياء من الناس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (‌من ‌صام ‌رمضان ‌إيمانا ‌واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فإذا فقد الإيمان بالفضل واحتساب الأجر عند الله، ضاع الثواب.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما ‌الأعمال ‌بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما جاهر إليه) متفق عليه.

أيها المسلمون: إن رمضان أيام معدودات، سريعة الانقضاء، فالحذر الحذر من أن تكونون ممن ذكروا في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌رب ‌صائم ‌ليس ‌له ‌من ‌صيامه ‌إلا ‌الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) رواه ابن ماجه.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

أيها المسلمون: إننا نعيش في زمن تيسرت فيه سبل الطاعة، وبالمقابل كذلك تيسرت فيه أيضا سبل المعصية، وإضاعة الوقت بصورة لم يسبق لها مثيل.

وإن من أعظم أسباب الخسران في واقعنا المعاصر: "فتن الهواتف ووسائل التواصل".
لقد أصبح "الهاتف المحمول" في أيدينا هو السارق الأكبر للحسنات، والمضيع الأول للأوقات في رمضان وغير رمضان. وانظروا إلى واقع الكثيرين منا مع هذا الجهاز:

فهو يسرق الخشوع: يدخل بعض العباد المسجد ليعبد الله، فإذا به ينشغل بتصوير الصلاة أو "السنابات" أو متابعة التعليقات، فصار الهم هو "المظهر" أمام الناس لا "المخبر" عند الله.

وهو يهدر الساعات: فكم من صائم يقضي الساعات الطوال يقلب بصره في المقاطع التافهة، والمنشورات الضائعة؛ فإذا قيل له: "اقرأ جزءا من القرآن" تعذر بالتعب والنعاس!

وهو يقود إلى المراء والجدال: فقد تحولت وسائل التواصل في رمضان إلى ساحات للخصام والجدل، وتبادل السباب والشتائم، وقد جاء الحديث بالتنبيه على مثل هذا، ‌عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم ‌صوم ‌أحدكم ‌فلا ‌يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم) متفق عليه.

يا عباد الله: إن هذه الشاشات الصغيرة استهلكت أعمارنا، وسرقت منا لذة المناجاة، وحرمت الكثيرين من تدبر آيات الله. فاجعلوا لهواتفكم "صياما" كما جعلتم لبطونكم، وأعطوا للقرآن وقته، وللذكر حقه.

وختاماً: إن رمضان أيام معدودات، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 183، 184]؛ فلا تذهب علينا في غير نفع ولا فائدة ولا أجر وعبادة وقربة لله؛ فبادروا بالتوبة، وصححوا النية، واجتهدوا في الأعمال والأقوال الصالحة، وطهروا قلوبكم من الشحناء، وجوارحكم من المعاصي.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

www.islamweb.net