الإيمان وحُسن الظن بالله

25/02/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

 الحمد لله واسعِ الرحمة، عظيمِ الفضل، كريمِ العطاء، الذي بيده خزائن السماوات والأرض، لا تنفد عطاياه، نحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، وحُسنِ الظن به، فإن التقوى وحسن الظن بالله قرينان، بهما تطمئن القلوب، وتستقيم النفوس، ويصلح حال العبد في دنياه وأخراه. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]. {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2–3]. {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5].

 أما بعد، عباد الله: إن من أجلِّ ما يتقرّب به العبد إلى ربه عبادةٌ قلبية تُصلح ما فسد من الظاهر والباطن، وتزرع في النفس الطمأنينة في زمن القلق والاضطراب؛ إنها عبادة حُسن الظن بالله جلّ وعلا، تلك العبادة التي إذا سكنت القلب غيّرت نظرته إلى الأحداث، وبدّلت خوفه رجاءً، وضيقَه سعةً، وهمَّه ثقةً بالله تعالى. وقد عبّر بعض السلف عن حال الناس بكلمة جامعة فقال: "لا تذهب الدنيا حتى يقوم البكّاؤون؛ فباكٍ يبكي على دينه، وباكٍ يبكي على دنياه، وأحسنهم حالًا أحسنهم ظنًّا بالله". وهي والله كلمة لو نظرنا إلى واقعنا اليوم لوجدناها تصف أحوال الناس أصدق وصف؛ فقد تفرّق الناس بين همٍّ على دينٍ يُستضعف، وخوفٍ على دنيا تضيق، فلا تكاد ترى قلبًا إلا وهو مثقل بشيء من هذا أو ذاك، فهذا ينظر إلى أحوال الأمة وما حلّ بها من ضعفٍ واضطراب، فيغلب عليه الحزن واليأس، وذاك ينظر إلى دنياه ومعاشه، فيطارده القلق من الغلاء، وشدة المعيشة وثقل الأعباء، حتى صار الخوف على الغد هاجسًا مشتركًا بين كثير من الناس. وفي مثل هذا الزمان وفي خضم هذه الهموم المتراكمة؛ يبرز مقام حسن الظن بالله تعالى، ويشتد الاحتياج إليه؛ إذ دخل القلق قلوب كثير من الناس، وخشي بعضهم على أرزاقهم ومستقبلهم، وتساءلوا: كيف نعيش؟ وكيف نكفي أبناءنا؟ وكيف يكون الغد؟ وهنا نقول لكل قلبٍ أنهكته الهموم: أحسن ظنك بالله تعالى، فإن لك ربًا رحيمًا كريمًا، لا يخذل من رجاه، ولا يضيع من توكّل عليه. قال الله تعالى مخاطبًا عباده: {فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 87]. فاسأل نفسك أيها المؤمن: ما ظنك بربك؟ فإن الله جل وعلا يعامل العبد على حسب ظنه به، فكما تظن بالله يكون عطاؤه لك.

 أيها المسلمون: إن حسن الظن بالله تعالى معناه: الثقةُ بالله، وحسنُ التوكل عليه، والرضا بقضائه، والتسليم لتدبيره، والاطمئنان لحكمته؛ لخّصه بعض أهل العلم بقولهم: "توقّع الجميل من الله تعالى". فتظن المغفرة إذا استغفرت، والقبول إذا تبت، والإجابة إذا دعوت، والكفاية إذا فوضت أمرك إليه.

حسن الظن بالله ليس أمرًا ثانويًا، بل هو من صميم التوحيد، ومن أعظم أعمال القلوب؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن حسن الظن بالله من حسن العبادة) رواه الترمذي. وجاءت النصوص العظيمة تؤكد هذا المعنى وتقرره، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني…). وفي حديث آخر: (أنا عند ظن عبدي بي، فلْيَظُنَّ بي ما شاء). وفي رواية: (إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله). ولهذا حذّر الله تعالى من سوء الظن به، وبيّن عاقبته، فقال سبحانه: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت: 23]. فهذه عباد الله نصوص عظيمة تفتح باب الرجاء، وتدعو إلى الثقة بالله تعالى، وتبيّن قربه من عباده، وأنه سبحانه يعطي العبد على قدر ظنه به. حتى قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما أُعطي عبد مؤمن شيئًا خيرًا من حسن الظن بالله عز وجل". وقال بعض السلف بعد الموت: "لم أرَ مثل حسن الظن بالله شيئًا".

 أيها المؤمنون: إن حُسن الظن بالله تعالى ليس مجرد دعوى باللسان، وإنما يقوم على ركنين عظيمين: ركنٍ علميٍّ عقديٍّ، وركنٍ عمليٍّ سلوكيٍّ. أما الركن الأول: فهو صحة المعرفة بالله عز وجل؛ فإن من عرف ربَّه حق المعرفة، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وعرف سعة رحمته وكمال حكمته، ونفوذ قدرته، وإحاطة علمه، وحسن تدبيره، وتمام ملكه، وأنه سبحانه إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون؛ اطمأن قلبه، وحَسُن ظنه بربه. ومن أيقن أن شريعة الله أكمل الشرائع، وأن حكمه أعدل الأحكام، وأن أوامره كلها رحمة، ونواهيه كلها حكمة، لم يَرْتبْ قلبه، ولم يتهمْ ربه، بل سلّم ورضي وأحسن الظن بالله. ومن علم أن الله كريم لا تنفد خزائنه، جواد لا تغيض عطاياه، يده ملأى بالليل والنهار، لا يعجزه عطاء، ولا يثقله سؤال، أحسن الظن به في رزقه ومغفرته ورحمته. ومن جمع مع ذلك الإيمان بأن الله شديد العقاب، عزيز لا يُجارى، حكيم لا يساوي بين المصلح والمفسد، ولا بين المؤمن والكافر، وهو مع ذلك الغفور الرحيم؛ فقد عرف ربه معرفة صحيحة، وكان جديرًا بأن يحسن الظن به سبحانه.

 استمعوا –عباد الله– إلى هذا الحديث العظيم الذي رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: (يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة). فأي رجاء أعظم من هذا الرجاء؟ وأي باب أوسع من هذا الباب؟ وأما الركن الثاني من حسن الظن بالله: فهو إحسان العمل في طاعته؛ فإن من عرف الله هذه المعرفة، لم يجرؤ على معصيته، ولم يكسل عن طاعته، بل اندفعت نفسه إلى العبادة شوقًا إلى ثوابه وخوفًا من عقابه، ورجاءً في فضله. ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله كلمة جامعة: "إن المؤمنَ أحسنَ الظن بربه؛ فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه؛ فأساء العمل". فليس من حسن الظن بالله أن يخالف العبد أمره، أو يستخف بنهيه، أو يعرض عن أبواب رحمته، ثم يزعم بعد ذلك أنه يرجو الله؛ فذلك غرور، وتمنٍّ كاذب، وخداع للنفس، لا حسن ظن، وإنما حسن الظن أن تعمل، وتطيع، وتجاهد، ثم ترجو رحمة ربك، وتثق بفضله، وتحسن الأمل فيه. 

 بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

 الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

 أما بعد

 عباد الله: إن من أعظم ما يحرص عليه الشيطان أن يُفسد على العبد حسن ظنه بربه، فيملأ قلبه شكًّا في قدرة الله تعالى، أو في رحمته، أو في حكمته، فيقوده بذلك إلى الضلال والاضطراب. ومن سوء الظن بالله تعالى: أن يعتقد العبد أن القرب من الله لا يكون إلا بوسيطٍ من مَلَكٍ أو نبيٍّ أو وليٍّ، فيجعل ربه كأحد المخلوقين لا يُوصَل إليه إلا بالوساطات، وينسى أن الله قريب، سميع، مجيب، رحيم، لا يحجبه عن عباده حاجب، ولا يعجزه دعاء داعٍ. ومن سوء الظن بالله القدحُ في شريعته، والشك في حكمته، والقول بأن أحكامه تصلح لزمان دون زمان، أو أن مصلحة الناس في تعطيلها؛ وهذا اتهامٌ لحكمة الله، وردٌّ لحكمه. ومن سوء الظن بالله أيضًا الشك في وعده ونصره، والظن بأن الكافرين يُعجزونه بقوتهم ودولهم، وقد قال سبحانه: {وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ} [إبراهيم: 42]. وقال: {لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} [النور: 57]. ومن أقبح سوء الظن بالله أن يُظنّ أنه يوم القيامة يُسوّي بين المؤمن والكافر، والمتقي والفاجر، وقد نفى الله ذلك صراحةً فقال: {أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ} [ص: 28]. فأحسنوا الظن بالله ربكم، مع صدق العمل وطاعته، واحذروا سوء الظن به؛ فإنه من أعظم أسباب الخسران.

 وصلى الله على نبينا محمد.

www.islamweb.net