التوكل على الله بين عمل القلب وبذل السبب

25/02/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى
 
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، فهي وصية الله للأولين والآخرين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70–71].
أما بعد؛
عباد الله: إن من أعظم مقامات دين الإٍسلام مقام التوكل على الله تعالى، وهو من أجل أعمال القلوب التي ترتبط بها أعمال الجوارح، قال الإمام أحمد رحمه الله: "التوكل عمل القلب"، وبيَّن الإمام ابن القيم رحمه الله حقيقة التوكل فقال: "ومعنى ذلك أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان، ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات، ومنهم من يُفسره بالثقة بالله تعالى والطمأنينة والسكون إليه". وقد أمر الله عز وجل عباده بالتوكل عليه في غير ما آية، وأثنى على أهله، فقال سبحانه: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التغابن: 13]، وقال جل وعلا: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12]. وحضَّنا نبينا صلى الله عليه وسلم على التوكل على الله تعالى وكان مما قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا) رواه أحمد. وبيَّن الحافظ ابن رجب رحمه الله حقيقة التوكل على الله فقال: "وحقيقة التوكل: صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكِلة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يُعطي ولا يمنع، ولا يضر، ولا ينفع سواه".
أيها المسلمون: إن مما يجب التنبيه عليه في باب التوكل على الله تعالى: أن التوكل على الله لا ينفك ولا ينفصل عن الأخذ بالأسباب، فالأخذ بالأسباب سنة ربانية، جعلها الله في هذا الكون، وأمرنا بها وربط بها النتائج بعد مشيئته سبحانه تعالى، لا استقلالًا عنها. فالله تعالى قادر على أن يُجري الأمور بلا أسباب، ولكنه سبحانه بحكمته جعل لكل شيء سببًا؛ ليبتلي عباده، ويأمرهم بالطاعة، ويعلِّمهم الجمع بين صدق التوكل وبذل الجهد والأخذ بالأسباب، وقد دلَّ القرآن الكريم على ذلك دلالة واضحة في غير ما آية وموضع، فمن ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15]. وهذه السنة تجري على كل البشر صالحهم وفاسدهم، فانظروا مثلًا حالَ كثير من أنبياء الله عليهم السلام ممن قصَّ الله علينا طرفًا من سيرته كيف أمروا بالأخذ بسنة السعي في الأرض وبذل الجهد والأخذ بالأسباب، فهذا نبي الله أيوب عليه السلام، قد مرض مرضًا شديدًا وصبر على مرضه، ثم تضرع إلى الله تعالى أن يشفيه، فأمره الله تعالى مع شدة مرضه وضعفه أن يضرب الأرض برجله ويأخذ بأسباب العلاج ليخرج الماء من تحت رجله ويغتسل به، إذ جعل في ذلك شفاءه، والعاقل يعرف أن ضربة القوي للأرض لا يمكن أن تنبع الماء من الأرض فضلًا عن ضربة المريض الضعيف، ولكنها سنة الله تعالى بالأخذ بالأسباب، قال تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42].
وكذا كان الحال مع نبي الله موسى عليه السلام، فقد أمره الله تعالى لما كاد فرعون وجنده أن يدركوه وقومه؛ أمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه لينفلق بإذن الله تعالى ويعبر هو وقومه فيه، ومعروف أن العصا لا تفلق البحر، ولكنها سنة الأخذ بالأسباب، قال تعالى في ذلك: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]. وهذه الصديقة مريم عليها السلام لما نزلت بها آلام الولادة والطلق بعيسى عليه السلام؛ أمرها الله تعالى أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب وتسد جوعها، أُمرت بهزِّ النخلة وهي في أشد حالات ضعفها ووهنها، وما ذاك إلا أخذًا بالأسباب التي أمر الله تعالى بها، قال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25]. وكل هذه الأسباب ليست مؤثرة بذاتها لا في نبع الماء، ولا في فلق البحر، ولا في إسقاط الرطب، ولكن الله تعالى أراد تعليم عباده أن التوكل الحق لا يكون بترك الأسباب، ولا بالركون إليها، بل بالجمع بينهما.
أيها المؤمنون: إن نبينا صلى الله عليه وسلم خير خلق الله تعالى، وأتقى الخلق لله تعالى، وأعلمهم بحدود الله تعالى، وهو سيد ولد آدم، ومع هذا الفضل وهذه المكانة له عند الله تعالى؛ لم يكن استثناءً من البشر في توكله على الله تعالى فيترك الأخذ بالأسباب، بل كان صلى الله عليه وسلم يجمع في شأنه كله بين حسن التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب، فكان في حربه يلبس درعه ويحمل سيفه، وكان يتخذ الأسباب في أسفاره من أخذ الراحلة، وإعداد الطعام والشراب، ووضع الحراسة، وغيرها من الأسباب، وهو مع ذلك كله متوكل على الله تعالى حق توكله؛ ذلك أن التوكل على الله تعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب، بل إن التوكل لا يصح إلا معها.
ومن هنا ينبغي لمن يريد وظيفة أو زوجة أو نجاحًا في عمله ودراسته ونحوها من الحاجات؛ أن يحسن التوكل على الله تعالى بقلبه، ويأخذ بأسباب ذلك كله، من السعي في طلب الوظيفة، والبحث عن زوجة صالحة، والمحافظة على عمله، ومذاكرة دروسه ونحوها من الأسباب التي تقوم بها الحاجات.
عباد الله: إن المتأمل في حال الناس مع التوكل والأخذ بالأسباب يجدهم على ثلاثة أحوال هي: فمن الناس من بالغ في الأخذ بالأسباب فاعتمد عليها، وعلّق قلبه بها، وطرق كل باب، فإذا تأخرت عنه أو خذلته؛ اضطرب قلبه وحزن وقلق، وكأن الأمر بيد الأسباب لا بيد رب الأسباب، وهذا خلل في حقيقة التوكل على الله تعالى. ومن الناس من ترك الأخذ بالأسباب بالكلية، فلا يسعى في رزق، ولا يطلب دواء، ولا يبذل جهدًا فيما أُمر به، ويظن أن هذا توكل وحسن عبادة لله تعالى، وما هو إلا تواكل ومخالفة لأمر الله تعالى الذي أمرنا بالأخذ في الأسباب. والمنهج الصحيح والطريق المستقيم وسط بين الأمرين وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم وأتباعه وهو: أن يأخذ العبد بالأسباب طاعةً لله تعالى، ويبذل جهده فيما أُمر به، مع اعتماد قلبه على الله وحده، فلا يركن إلى الأسباب ولا يتركها، بل يعمل بها بجوارحه، ويتوكل بقلبه على مسببها سبحانه وتعالى، فإذا تحقق ذلك؛ اطمأن القلب، وسكن الفؤاد، فإن أُعطي العبد حمد الله تعالى، وإن مُنع رضي وسلم، وعلم أن الخير فيما اختاره الله له. .
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
 
الخطبة الثانية 
 
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد
عباد الله: إذا نظرنا إلى أحوال كثير من الناس اليوم، وجدناهم يبذلون جهدًا كبيرًا في طلب الرزق، أو العلاج، أو الوظيفة، أو غير ذلك من شؤون الحياة، فيأخذون بالأسباب، ويبالغون فيها، فإذا تحققت الأسباب اطمأنوا وركنوا إليها، وإذا لم تتحقق النتائج أصابهم القلق والهم والحزن، ثم قالوا: نحن متوكلون! فأين التوكل في هذا؟ وقد قال ابن القيم رحمه الله: "وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم، وهم يظنون أنه إلى الله، وعلامة ذلك: أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همه وبثه وخوفه، عندها يُعلم أن طُمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله تعالى". نسأل الله العافية والسلامة. فمن أحسن التوكل على الله تعالى، وأخذ بالأسباب طاعةً له سبحانه، لا اعتمادًا عليها؛ رضي بقضاء الله تعالى، وسكن قلبه واطمأن باله، فإن أُعطي حمد الله، وإن مُنع رضي وسلم، وعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه؛ فراجعوا توكلكم على ربكم يا عباد الله، وصححوا علاقتكم بالأسباب، واجعلوا قلوبكم متعلقة بالله تعالى، وأبدانكم عاملة فيما أُمرتم به.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، قال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

www.islamweb.net