
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.. أما بعد، أيها المسلمون:
تأملوا لحظةً في سر وجودكم، وتفكروا في الحكمة من خلقكم، هل أنتم مخلوقون عبثاً؟ أم أن وراء هذا الخَلق العظيم غاية جليلة وحكمة بليغة؟ إن سؤالاً كهذا يهز القلوب ويوقظ العقول: لماذا نحن هنا؟ ولأي أمر وُجدنا؟ أتظنون أن الله سبحانه وتعالى خلقكم، وأعطاكم الأسماع والأبصار، والأفئدة والجوارح، والحواس الظاهرة والباطنة، وأسبغ عليكم نعمًا لا تُحصى، وأمورًا لا تُدركونها، بلا غاية؟!! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال الله عز وجل: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون:115)، وقال سبحانه: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}(القيامة:36).
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الله تعالى ما خلقنا ليستكثر بنا من قلة، أو ليستغني بنا من فقر، فقد قال جل وعلا: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ}(الذاريات:57). وما خلقنا ليستظهر بنا من ضعف، أو ليستقوي بنا من نقص، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}(الذاريات:58).
فإذاً، لأي شيء خُلقنا؟ ولأي حكمة وُجدنا؟ لقد خلقنا الله لعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات:56).
نعم عباد الله، من أجل هذا خُلقتم، ولأجل هذا وُجدتم، فهل حياتكم وتصرفاتكم وأعمالكم شاهدة على هذه الحقيقة؟ أم أن كثيرًا من الناس قد انصرف عما خُلق لأجله، وانشغل بما تكفل الله له به من رزق ومعاش؟
إن الخَلق جميعًا خُلقوا لعبادة الله، تلك العبادة التي تُثقل الموازين، وتُرجح الصحائف، وتكون بعد رحمة الله سببًا لدخول الجنة، ولكن كثيرًا من العباد في غفلة عن هذا الأمر العظيم، قد شغلوا أنفسهم بما تكفل الله لهم به، من أرزاق ومتاع الدنيا الزائل.. إن الله جل وعلا خلق دوابًا صغيرة لا تراها بعينك، وجعل لها سمعًا وبصرًا وأجهزةً دقيقةً للهضم والتناسل، وأودع فيها من أسرار الحياة ما لا تدركه، أفترى أن الله ينسى الإنسان ويتركه بلا عناية ولا رزق؟! قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}(هود:6).
عباد الله: اعلموا أن من أعظم ما يصدّ الناس عن هذه الغاية هو الانشغال بالأرزاق والآجال، وهما أمران قد تكفل الله بهما، فلا ينبغي أن يشغلانا عما خُلقنا لأجله.
يا ابن آدم، اعلم أن الرزق مقسوم، والأجل محتوم، والله عز وجل خلقك ولن يضيعك، وإن رزقك الذي تشاغلتَ به وربما عصيت ربك للحصول عليه قد قسمه الله لك وأنت نطفة في رحم أمك. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: قالَ: (إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فيُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ويُقَالُ له: اكْتُبْ عَمَلَهُ، ورِزْقَهُ، وأَجَلَهُ، وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ) رواه البخاري. فلا تشغل نفسك بما تكفل الله لك به، واشتغل بما طلبه منك، فإن من ضيّع ما خُلق لأجله خسر الدنيا والآخرة.
فالرزق قد كتب وأنت في رحم أمك، والأجل قد كتب وأنت في رحم أمك، فلا الحرص على الدنيا يزيد نصيبك فيها، ولا القناعة تقلل حظك منها، ولا الإقدام على الجهاد في سبيل الله يقرب أجلك، ولا الجبن والخوف والخور يُبعد أجلك ولو يوماً واحداً، قال تعالى: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}(يونس:49)..
ثم تأملوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الرَّجُلَ مِنكُم لَيَعْمَلُ حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَ الجَنَّةِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، ويَعْمَلُ حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَ النَّارِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ) رواه البخاري.
إذاً يا عباد الله، الأرزاق والآجال بيد الله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن ننشغل بها عما خلقنا لأجله وهو العبادة، بل ينبغي أن نسخر طاقاتنا وأوقاتنا وحياتنا، وقدراتنا وأفعالنا، لوجه الله سبحانه وتعالى، ولعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}(الأنعام:162-163)..
أيها المؤمنون، يبرز هنا سؤال عظيم يطرح نفسه: هل تُرك أمر العبادة لكل واحد منا أن يتعبد كما يشاء وكما يحلو له؟
لا والله، إن العبادة أمر مشروع من الله سبحانه وتعالى، ولابد أن ننطلق فيها عن أمرٍ من الله عز وجل، أو أمر من نبيه صلى الله عليه وسلم، فلم تُترك العبادة ليخترع الإنسان منها ما يشاء، فيصلي يوماً خمساً ويوماً أربعاً، أو يزيد فيها وينقص منها، أو يصوم ما يريد ويترك ما يريد، كلا والله! إن العبادة لا بد أن تكون منطلقة من شرع الله، قائمة على هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك فهو مردود على صاحبه، مضروب به في وجهه.
لقد أكمَلَ اللهُ الدِّينَ وأتَمَّ النِّعمةَ على عِبادِه، فلا مجال للزيادة فيه ولا للنقصان، قال تعالى: {اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا}(المائدة: 3).
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ) رواه مسلم.
فمَن أحدَثَ في أمْرِ الدِّينِ، باختِراعِ شَيءٍ لم يكُنْ مَوجودًا فيهِ، أو يَتعارَضُ مع أحكامِه، فهو مَردودٌ عليه، باطلٌ غيرُ مُعتدٍّ بهِ، وهذا الحديثُ قاعدةٌ عَظيمةٌ مِن قَواعدِ الإسلامِ، وهو مِن جَوامعِ كَلِمِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإنَّه صَريحٌ في ردِّ كلِّ البِدَعِ والمختَرَعاتِ وإبطالِ المنكَراتِ الخارجةِ عن أُصولِ الدِّينِ، وفيه: الأمرُ باتِّباعِ سُنَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ والالتِزامِ بها، والنَّهيُ عن كُلِّ بِدْعةٍ في دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ..
قال عبْد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم". وقال الإمام مالك: "الاعتصام بالسُنة نجاة"، فالسُنة مثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك..
وماذا بعد العمل على الكتاب والسنة؟ يبقى أساس الأمر ولبه وذروة سنامه ألا وهو الإخلاص، الإخلاص الذي هو روح العبادة، وبدونه تكون الأعمال هباءً منثوراً، إن كثيراً من الناس يعملون أعمالاً ويبذلون جهوداً، ولكن النتائج ـ والنتائج بيد الله ـ لا تكون كما يتوقعون، ولا على قدر ما يظنون، والسبب في ذلك أنهم لم يفتشوا في نياتهم ولم يخلصوا أعمالهم لله، فإن الله سبحانه وتعالى لو تُعبد له الليل والنهار، وصيمت له الأيام، وأُدخل في هذا العمل أحد سواه، فإنه يرفضه ولا يقبله، قال صلى الله عليه وسلم : (قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ) رواه مسلم. ومن أجل هذا، فكل عبادة ليس عليها أمر الله أو أمر نبيه، ولم تكن خالصة لوجه الله، فهي مردودة على صاحبها، ويجعلها الله هباءً منثوراً، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}(الفرقان:23)..
فيا عباد الله، اجعلوا أعمالكم على هدي الكتاب والسنة، وزينوها بالإخلاص لله وحده، فإن العمل إذا اجتمع فيه شرطا القبول ـ الإخلاص والمتابعة ـ كان مقبولاً عند الله، وكان سبباً للفوز برضوانه وجنته، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}(الكهف:110)،
قال بعض السلف: ما مِن فِعْلة وإنُ صَغُرت إلا ونُشر لها ديوانان: لِم، وكيف؟ أي لِمَ فعلتَ هذا الفعل؟ وهل أردت به وجه الله عز وجل وحده، أم أشركتَ معه غيره؟ وكيف فعلتَ هذا الفعل؟ وهل هو موافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أم هو مخالف لهدي وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟!!
وقال سفيان الثوري: "لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بمتابعة السنة"..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
تمسكوا بدينكم، فهو حصن أمنكم، ومصدر عزّكم ورفعتكم وسيادتكم، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار..
وعليكم معاشر المؤمنين بالإخلاص في أقوالكم وأعمالكم، فالإخلاص شأنه عظيم، ومكانته جليلة، ولا يُقبل عمل ليس خالصاً لوجه الله تعالى، فالله لم يأمرنا بالعبادة وحدها، بل أمرنا بالعبادة مقرونةً بالإخلاص :{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(البينة:5).
واحذروا أن يخالط ويشوب أعمالكم شيء من الرياء أو الشرك أو طلب حظوظ دنيوية زائلة من حب المدح والشهرة بين الناس، وابتغوا ما عند الله، فهو خير وأبقى..
واعلموا أن الأعمال وإن قلّت، إذا زيّنها الإخلاص ضاعفها الله بالقبول والحسنات حتى يجدها العبد يوم القيامة كأمثال الجبال، وذلك بصدق النية ومراقبة الله جل وعلا، ومن أجل هذا تفاوت الناس وتباينت درجاتهم..
وختاما، احرصوا ولازموا في كل أعمالكم وأقوالكم وحياتكم، الإخلاص لربكم والتمسك بسنة نبيكم، واسألوا الله قبول أعمالكم وتذكروا قول عائشة رضي الله عنها: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}(المؤمنون:60)، هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا يا بنت الصديق، ولكنهم يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات) رواه الترمذي.
فقبول الأعمال والطاعات والعبادات أمر غيبي لا يطّلع عليه أحد، لكن على المسلم أن يجتهد في أن تكون طاعته مقبولة، وذلك بأدائها على الوجه المشروع المأثور، مقرونة بالإخلاص لله تعالى، وكان سلفنا الصالح يخافون عدم القبول رغم حرصهم الشديد على الإخلاص واتباع السنة..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..