
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
أعمارنا ليست إلا أنفاسًا معدودة، وساعاتٍ تمر، وأيامًا تتساقط من أعمارنا كما تتساقط أوراق الخريف..
ومن أعظم المواطن التي نستهلك فيها هذا العمر الثمين هي مجالسنا، تلك اللقاءات التي نأنس بها ونقضي فيها جزءًا كبيرًا من حياتنا، نضحك فيها ونرتاح من عناء العمل، ونتبادل فيها الحديث والخواطر.. ولكن هذه المجالس ليست مجرد أماكن لاجتماع الأجساد وتبادل الحديث وفقط، ولا هي أوقاتٌ عابرة تمرُّ بلا أثر، بل هي في حقيقتها صفحاتٌ تُكتب، وشهاداتٌ تُسجَّل، وسجلاتٌ تُملأ بما يلفظه اللسان ويجري به الحديث، وهي إما أن تكون غراساً طيباً يثمر لنا حسناتٍ، وإما أن تكون حصاداً مُرّاً يثقلنا بالسيئات.. ومن هنا تبرز الأهمية والمسؤولية العظيمة في أن نستشعر أن كل كلمة تُقال، وكل حديثٍ يُتداول، وكل مجلس نجلس فيه، فهو إما شاهدٌ لنا أو شاهدٌ علينا، وقد قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) رواه البخاري.
وإذا انتقلنا لننظر في واقع بعض مجالسنا اليوم، وجدنا صورةً مؤلمة تبعث على الأسى، وتكشف عن خللٍ كبير، غلبت عليها الماديات، حتى تحولت بعض مجالسنا إلى ساحاتٍ للتنافس في الحديث عن الدنيا وحطامها، فصار غالب الكلام يدور حول تقلبات الأسواق، ومشاريع العقارات، وصراعات التجارة، والبحث المحموم عن الربح السريع، وكأننا لم نُخلق إلا لهذه الدنيا..
أما مجالس شبابنا، فقد غرق كثير منها في بحار اللهو والعبث، وأصبح شغلهم الشاغل متابعة أخبار الملاعب، والتفنن في أنواع الهواتف، والانشغال بتفاصيل التقنية والمواقع التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حتى تمضي الساعات الطوال وهم في غفلةٍ عما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم.
وإذا نظرنا إلى مجالس النساء، وجدنا أن الحديث فيها طغى فيه عن الموضات والزينة والملابس، والتفاخر بالولائم والأعراس، والانشغال بتتبع أخبار الناس، حتى صارت تلك الأمور هي حديث الساعة، ومنتهى الكلام..
وهكذا، اختلفت الصور وتنوعت في مجالسنا، لكن يجمعها الانشغال بما لا يعود على المرء بخير في آخرته، والانصراف عما يثقل ميزان الحسنات، بل قد تنحدر هذه المجالس إلى الوقوع في الذنوب والمعاصي، وقد حذّرنا الله تعالى من ذلك فقال: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}(الهمزة:1)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَسْتَقِيمُ إِيمانُ عبدٍ حتى يَسْتَقِيمَ قلبُهُ، ولا يَسْتَقِيمُ قلبُهُ حتى يَسْتَقِيمَ لسانُهُ) رواه أحمد.
أيها المؤمنون: وإذا كان هذا هو واقع بعض مجالسنا اليوم، فليس المقصود من ذلك أن ندعو الناس إلى العزلة الصامتة أو الانقطاع عن الحياة، وإنما الغاية أن نُعيد ضبط الميزان، ونصحح المسار وفق هدي الإسلام الذي جاء بالعدل والاعتدال..
وإننا حين نتحدث عن هذه الصور لا نعني أبدًا تحريم الكلام في شؤون الحياة، أو منع الناس من التحدث في أمور معاشهم، فديننا دين الفطرة واليُسر، ولا حرج أن تتحدث النساء في مجالسهن عن المناسبات والزيجات، ولا بأس أن يتبادل الموظفون الحديث عن مشكلات العمل، ولا يمنع الإسلام التجار ورجال الأعمال من تدارس أحوال السوق وصفقات البيع والشراء.. لكن الذي يُخشى ويحذر منه هو أن يستغرق المرء في شؤون الدنيا حتى يغدو حديثها هو الشغل الشاغل من أول المجلس إلى آخره، فلا تُسمع فيه آية تُتلى، ولا حديث يُذكر، ولا دعاء يُرفع، وذلك هو المذموم شرعًا..
فكيف بنا إذا تجاوزنا دائرة الكلام في المباحات إلى مستنقع المحرمات والذنوب؟! كيف إذا تحولت مجالسنا إلى ساحات للغيبة والنميمة، ونهش أعراض الناس وأكل لحومهم؟! والله جل وعلا يقول: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}(الحجرات:12)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتَدرونَ ما الغيبةُ؟ قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: ذِكرُك أخاك بما يَكرَهُ. قيلَ: أفَرَأيتَ إن كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كانَ فيه ما تَقولُ فقدِ اغتَبتَه، وإن لَم يَكُنْ فيه فقد بَهَتَّه) رواه مسلم.
ومن ذلك صور من الغيبة والاستهزاء قد يظنها البعض هينة، وهي عند الله عظيمة وخطيرة، كأن يقلد المرء صوتًا أو هيئةً أو حركةً لغيره على سبيل السخرية والتنقيص، فيضحك الحاضرون ويظنونها مُزحة، وهي في ميزان الشرع ذنب جسيم، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم خطورة ذلك، فعن عائشة رضي الله عنه قالت: (قلتُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حسبُك من صفيةَ كذا وكذا، ـ تعني قصيرةً ـ، فقال: لقد قلتِ كلِمَةً لو مُزِجت بماءِ البحرِ لمزجته (أي أنها كلمة لو خالطت ماء البحر لأفسدته لشدة قبحها)، قالت: وحكيْتُ (أي: قلدتُّ) له إنسانًا، فقال: ما أُحِبُّ أني حَكيْتُ إنسانًا وأن لي كذا وكذا) رواه أبو داود. فكيف بالألفاظ اليوم التي تنطلق في مجالس المسلمين بلا ضابط ولا وازع، كلماتٌ تُقال على سبيل المزاح أو التقليد أو الاستهزاء، لكنها تُكتب في صحائف الأعمال وتُعرض على الله يوم القيامة؟!
بل، وكيف إذا صارت مجالسنا لا تخلو من التنابز بالألقاب والاستهزاء والبهتان والنميمة والسخرية، والله عز وجل ينادينا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(الحجرات:11)..
والأدهى والأمرّ، حين تتحول بعض المجالس إلى منصات للسخرية بالدين والاستهزاء بالمتمسكين به، أو التشكيك في أحكام الشريعة الغراء، وكأن أحكام الله التي جاءت بالعدل والرحمة قد صارت عنده موضع هزلٍ واستهزاء.. ثم يتبعها آخر بالسخرية من سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الالتزام بسنته صلى الله عليه وسلم رجعية أو تخلف، مع أن الله تعالى أمرنا بطاعته والتمسك بسنته بقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}(الحشر:7)..
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل ربما يمتد إلى الاستهزاء بحجاب المرأة المسلمة، فيُنظر إليه على أنه عائق أو تخلف، ويُطلق عليه أوصافًا جارحة، مع أن الحجاب شرفٌ وعفافٌ وصيانة، وقد أمر الله به فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}(الأحزاب:59)..
إنها سلسلة مترابطة من صور الغفلة والاستهزاء بالدين في بعض المجالس والمنتديات، تبدأ بالاستخفاف بأحكام الله، وتمتد إلى السخرية من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتنتهي بالانتقاص من شعائر الإسلام وشريعته وأهله، وكلها عند الله عظيمة، وقد قال الله عز وجل محذرًا: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}(التوبة:65).
عباد الله: وبعد أن استعرضنا بعض صور المخالفات الشرعية التي ابتُليت بها بعض مجالسنا اليوم، ندرك أن الخطر لا يكمن في مجرد الاجتماع أو تبادل الأحاديث، وإنما في مضمون هذه المجالس وما تحمله من كلمات، وأن خطر المجالس لا يقف عند حدود الغفلة العابرة أو الانشغال بالمباحات التي تقسي القلوب، بل قد ينحدر ـ والعياذ بالله ـ إلى مهاوي الاستهزاء بخَلق الله، وبالدين وأحكامه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو من أعظم البلاء وأشد الفتن..
فالمجالس ليست مجرد منتديات يدار فيها الحديث العابر، وإنما هي ميادين تُكتب فيه الكلمات وتُسجَّل فيه المواقف، فإما أن تكون منابر خير وذِكْر، تُرفع بها الدرجات وتُثقل بها الموازين، وإما أن تتحول إلى مواطن وزر وخسران، تُورث الحسرة والندامة يوم لا ينفع مال ولا بنون، فالمجالس إما أن تكون شاهدة لنا أو شاهدة علينا، والاختيار بأيدينا، والجزاء عند ربنا سبحانه وتعالى..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
المجالس أمانة وشهادة، وباب للحسنات أو باب للسيئات، وإن من أعظم ما يجب أن يُحفظ في المجالس هو اللسان، فهو أداة الخير والشر، والحسنات والسيئات، وبكلمةٍ قد يرفع الله العبد، وبأخرى قد يهوي بها في النار، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَرفَعُه اللهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَهوي بها في جَهَنَّمَ) رواه البخاري.
وختامًا، أيها الإخوة: إن مجالسنا شاهدة لنا أو علينا، وفيها آداب شرعية عظيمة لا بد أن نلتزم بها حتى تكون منابر خير وطاعة، لا مواطن غفلة ووزر.. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس المرء بين اثنين إلا بإذنهما، وألا يتناجى اثنان ومعهما ثالث، وأمر أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، وأرشد إلى التوسعة والتفسح فيها، وحذّر من إقصاء أحدٍ ليجلس مكانه، وأخبر أن المجالس بالأمانات، يلزم فيها الستر، ولا يجوز إفشاء أسرارها..
ومن تمام أدب المجالس أن نختم مجالسنا بكفارة المجلس، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يمحو أثر اللغو في المجالس فقال: (مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ) رواه أبو داود. فما أعظم أن نختم مجالسنا بذكرٍ واستغفار، ليكون لنا سترًا من الغفلة، ووقايةً من الوزر..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..