الزلازل بين سنن الله الكونية ودروس الإيمان

03/08/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله العظيم الجبار، القوي القهار، العزيز الغفار، الذي بيده ملكوت كل شيء، يقلب الليل والنهار، ويصرف الكون بحكمته وقدرته، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الآيات الكونية تذكرة لعباده، ورحمة للمعتبرين، وحجة على الغافلين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من دلَّ أمته على أسباب النجاة، وحذرها من أسباب الهلاك، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

أما بعد:

عباد الله: إن من أعظم ما يوقظ القلوب الغافلة، ويذكر النفوس اللاهية، ويعيد الإنسان إلى حقيقة ضعفه وفقره إلى ربه، تلك الآيات العظيمة التي يجريها الله سبحانه في هذا الكون، من زلازل، وبراكين، ورياح، وسيول، وخسوف، وكسوف، وغيرها من الآيات التي تخرج الإنسان من دائرة الألفة والعادة، ليقف متأملًا قدرة الله وعظمته، وليدرك أن هذا الكون كله بيد خالقه ومدبره، وأن الأمر كله لله.

وقد أخبرنا القرآن الكريم أن هذه الآيات ليست أحداثًا عشوائية، وإنما هي من آيات الله التي يخوف بها عباده، قال سبحانه: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]. وقال جل شأنه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16، 17].

إن الزلازل حين تهتز لها الأرض، وتتصدع لها المباني، وتتغير بها معالم المدن، تذكر الإنسان بيوم أعظم وأشد، وهو يوم القيامة، الذي وصفه الله بقوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 1 - 4]. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1].

فإذا رأى المؤمن هذه المشاهد، لم يقف عند ظاهرها، وإنما يتجاوزها إلى التفكر في قدرة الله، واستحضار الآخرة، ومراجعة النفس، والتوبة من الذنوب، والاستعداد للقاء الله عز وجل.

معاشر المؤمنين: إن الإسلام لا يمنع من معرفة الأسباب الكونية التي يكتشفها أهل الاختصاص، فالله تعالى جعل للكون سننًا وأسبابًا، ولكن المؤمن يعلم أن هذه الأسباب لا تعمل استقلالًا، وإنما تعمل بإذن الله ومشيئته، فهو سبحانه خالق الأسباب ومسببها، كما قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]. ولذلك فإن معرفة التفسير الجيولوجي للزلازل لا تتعارض مع الإيمان بأنها من آيات الله، وأنه يجري بها حكمته ويحقق بها ما يشاء من الابتلاء والتذكير والإنذار.

ولهذا كان منهج أهل السنة وسطًا بين طرفين: فلا ينكرون الأسباب الكونية، ولا يحصرون الأمر فيها حتى يغفلوا عن حكمة الله وتدبيره، بل يؤمنون بأن الله هو المدبر الحكيم، وأن الأسباب من خلقه، وأن كل شيء يجري بقضائه وقدره.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يذكر بعظمة الله تغير وجهه وخشي ربه، ففي شأن الكسوف قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده) متفق عليه. فإذا كان هذا في الكسوف والخسوف، فالزلازل أولى أن توقظ القلوب إلى الخوف من الله، وكثرة الدعاء، والإنابة إليه.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وقع زلزال بالمدينة: "لئن عادت لا أساكنكم فيها". يريد بذلك حث الناس على محاسبة أنفسهم، والرجوع إلى الله، لا الجزم بأن الزلزال وقع بسبب ذنب معين، فإن تعيين الأسباب الغيبية لحادثة بعينها لا يكون إلا بدليل، وإنما المشروع هو الاعتبار والتوبة والافتقار إلى الله.

وقال بعض السلف: "إذا رأيت الآيات فأكثر من الاستغفار، فإن البلاء إذا نزل لم يرده إلا التوبة والإنابة".

فيا عباد الله: إن الزلازل ليست مشاهد إخبارية تُتابع، ولا أحداثًا عابرة تُنسى، وإنما هي رسائل ربانية توقظ الغافلين، وتزيد المؤمنين إيمانًا، وتدعو الجميع إلى التفكر في قدرة الله، والاستعداد ليوم الوقوف بين يديه.

أيها المسلمون: إذا نزلت بالناس الزلازل أو غيرها من الآيات الكونية، فإن الشريعة لم تترك المؤمن حائرًا في كيفية التعامل معها، بل أرشدته إلى أعمالٍ تزيد إيمانه، وتُصلح قلبه، وتُعينه على أداء حق الله وحق عباده. فأول ما ينبغي أن يفزع إليه المسلم هو الرجوع إلى الله عز وجل بالتوبة الصادقة، والاستغفار، والإنابة، فإن الذنوب سببٌ لحرمان الخيرات، والتوبة سببٌ لنزول الرحمات، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96].

وليس معنى ذلك الجزم بأن كل زلزال عقوبة على قوم بعينهم، فإن الله يبتلي عباده لحكم متعددة، قد تكون عقوبة، وقد تكون تذكيرًا، وقد تكون رفعةً للدرجات وتمحيصًا للمؤمنين، وإنما المشروع هو أن يعتبر كل واحدٍ بنفسه، وأن يحاسبها، وأن يتوب إلى ربه.

ومن أعظم ما يُشرع كذلك: الإكثار من الدعاء والذكر، وسؤال الله العافية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يخاف منه فزع إلى الله، قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]. وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة) رواه أبو داود، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

ويُستحب للمسلم أن يكثر من الاستغفار، وأن يلهج بذكر الله، وأن يصدق في الافتقار إليه، فإن القلوب إذا امتلأت يقينًا بالله ثبتت عند الشدائد، ولم تزلزلها الأحداث مهما عظمت.

ومن الأعمال المشروعة كذلك: المبادرة إلى إغاثة المنكوبين، وإعانة المتضررين، ومواساة المصابين، فإن هذه من أجلِّ القربات، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ} [المائدة: 2]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) متفق عليه، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
فما أحوج الأمة في أوقات الكوارث إلى التراحم والتكافل، وبذل المال، وإيواء المشردين، وإطعام الجائعين، ومداواة الجرحى، وتخفيف آلام الثكالى، فإن هذه المواقف تُظهر حقيقة الأخوة الإيمانية التي أمر الله بها.

ومن الآداب المهمة أيضًا: التثبت في نقل الأخبار، وعدم الانسياق خلف الشائعات، أو نشر الصور والمقاطع التي تزيد الناس فزعًا، أو بث الأخبار غير الموثقة، فإن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، وقال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].
وإن من المؤسف أن بعض الناس يجعل الكوارث بابًا لنشر الإشاعات، أو تفسير الغيب بغير علم، أو الجزم بأن هذه الحادثة وقعت بسبب ذنب معين أو لأجل قوم معينين، وهذا لا يجوز إلا بدليل من الوحي، إذ الغيب لا يعلمه إلا الله.

قال بعض العلماء: "ليس لأحد أن يجزم بأن هذه العقوبة وقعت لذنب معين إلا بدليل". فالواجب أن نتعظ، وأن نعتبر، وأن ندعو للمصابين، دون أن نتكلف ما لم يأت به الشرع.

معاشر المؤمنين: إن من أعظم العبر التي تمنحها الزلازل للإنسان أنها تكسر غروره بقوته، وتذكره بحقيقة ضعفه؛ فكم من مدينة كانت تضج بالحياة، فإذا بها في لحظات تتحول إلى ركام! وكم من قويٍّ ظن أن الأسباب تحميه، فإذا هو يرى أن الأمر كله لله! قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ...} [آل عمران: 26].
فالزلازل تربي في المؤمن التواضع، وتعلمه أن الأمن نعمة عظيمة تستحق الشكر، وأن العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يعرف قدرها إلا من فقدها.

كما تذكرنا هذه الآيات بيومٍ تهتز فيه الأرض كلها، وتتناثر الجبال، وتتشقق السماء، ويقف الناس بين يدي رب العالمين للحساب والجزاء، قال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} [النازعات: 6 - 9]. فمن عقل هذه الحقيقة لم يجعل الزلازل خبرًا عابرًا، بل جعلها واعظًا يدعوه إلى إصلاح قلبه، ومراجعة أعماله، والاستعداد للقاء ربه.

وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا".
وهذه الكلمات تتجدد مع كل آية من آيات الله، فهي تذكرنا بأن الدنيا مهما طالت فهي زائلة، وأن النجاة الحقيقية ليست في سلامة الجسد وحده، بل في سلامة القلب والإيمان.

تزوَّدْ من التقوى فإنَّكَ لا تدري    ***     إذا جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
فكم من صحيحٍ مات من غيرِ علَّةٍ  ***   وكم من سقيمٍ عاش حينًا من الدهرِ

فلنغتنم أوقات العافية قبل نزول البلاء، ولنكثر من الطاعات قبل الفجائع، ولنحمد الله على نعمة الأمن، ولنقف مع إخواننا المنكوبين بالدعاء والصدقة والمواساة، فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتزودوا للدار الأخرى، واستعدوا لأهوال يوم القيامة.

أما بعد:

أيها المسلمون: إن الزلازل والآيات الكونية ليست دعوةً إلى الخوف المجرد، وإنما هي دعوة إلى تصحيح الإيمان، وتجديد التوبة، وتقوية التوكل، وإحياء روح التكافل. فمن رأى هذه الآيات فليزد قربًا من الله، وليحسن الظن بربه، وليأخذ بالأسباب المشروعة التي تحفظ النفس، فإن الشريعة جاءت بحفظ الضرورات، وأمرت بالأخذ بالأسباب مع كمال التوكل على الله.

معاشر المؤمنين: أكثروا من الدعاء لإخوانكم المنكوبين، وابذلوا لهم ما استطعتم من عون، وكونوا مفاتيح للخير، فإن الشدائد تُظهر معادن الرجال، وتُحيي معاني الأخوة والإحسان. وتذكروا أن أعظم النجاة هي النجاة يوم القيامة، وأن خير الزاد تقوى الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

www.islamweb.net