من أبرز الدعوات النبوية الجامعة التي دعاها لعموم أمته، تلك الدعوات المتعلقة بالبقاء وعدم الهلاك والسلامة من الانحراف العام، ووجه الاعجاز فيها أنها تحققت كما دعا بها صلى الله عليه وسلم، وكما أنها متضمنة للحرص النبوي على أمته فهي كذلك صورة من صور الرحمة الإلهية بهذه الأمة، فالله هو الذي ألهمه تلك الدعوات وهو الذي تفضل باستجابتها وتحقيقها، وخص هذه الأمة بذلك، وقد كان الهلاك يأتي على الأمم عامة.
في صحيح مسلم عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا ».
ومعنى زوى لي الأرض: جمعها وقبضها لي، يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها، والمقصود: اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ما سيؤول إلى أمته منها.
وقوله: فرأيت مشارقها ومغاربها: أي: اطلعت على جميع الأرض، وعرفت ما فيها من خير وشر، وما سيؤول إلى أمتي من ملك ونفوذ.
وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها: أي: سيصل ملك أمتي إلى جميع الأرض التي أُريتها، وستملك مشارقها ومغاربها.
وقوله: أن لا أهلكهم بسنة عامة قال النووي: أي لا أهلكهم بقحط يعمهم بل إن وقع قحط فيكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.
وقوله: وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم: أراد أن لا يسلط عليهم عدوا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم، فلو اجتمع من في أقطارها على أن يهزموا هذه الأمة هزيمة عامة لما استطاعوا.
وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض: الكنز الأحمر هو: الذهب، والكنز الأبيض هو: الفضة، والمراد بذلك: كنوز كسرى وقيصر، ملكي الفرس والروم، وقد فتح المسلمون بلادهما، وملكوا كنوزهما.
قال النووي في شرحه على مسلم: هذا الحديث فيه معجزات ظاهرة وقد وقعت كلها بحمد الله كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، قال العلماء المراد بالكنزين الذهب والفضة والمراد كنزي كسرى وقيصر ملكى العراق الشام فيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب وهكذا وقع.
وهذا الدعاء قد وقع منه صلى الله عليه وسلم مكررا، ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا، فقال صلى الله عليه وسلم: " سألت ربي ثلاثا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي: أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ".
والسَّنة تطلق على السنة وهي العام، وتطلق على القحط وانعدام الماء، وهذا الثاني هو المراد في الحديث، فقد دعا ربه أن لا يعمهم قحط يهلك عامتهم فاستجاب الله له، وأما حصول ذلك لبعض الأمة في قطر من الأرض فهذا يحصل ويقع، ولا يمكن إنكاره، وليس هو المراد في الحديث.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم من مصارع الأمم ما يجعله يشفق على أمته من الهلاك العام أو الكفر العام، ففي مسند الإمام أحمد عن صهيب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى همس شيئا لا أفهمه ولا يخبرنا به، قال: " أفطنتم لي؟ " قلنا: نعم. قال: " إني ذكرت نبيا من الأنبياء أعطي جنودا من قومه، فقال: من يكافئ هؤلاء، أو من يقوم لهؤلاء؟ أو غيرها من الكلام، فأوحي إليه: أن اختر لقومك إحدى ثلاث: إما أن نسلط عليهم عدوا من غيرهم، أو الجوع، أو الموت، فاستشار قومه في ذلك، فقالوا: أنت نبي الله، نكل ذلك إليك، خر لنا، فقام إلى الصلاة، وكانوا إذا فزعوا، فزعوا إلى الصلاة، فصلى ما شاء الله "، قال: " ثم قال: أي رب، أما عدو من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت فسلط عليهم الموت، فمات منهم سبعون ألفا، فهمسي الذي ترون أني أقول: اللهم بك أقاتل، وبك أصاول، ولا حول ولا قوة إلا بالله ".
وفي سياق هذه الدعوات نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا ربه لأمته في أكثر من موضع بمثل هذا، فقد دعا بأن لا يهلكها بغرق عام، ولا بجوع، ولا قحط، ولا رجم ولا خسف، ودعا أن لا تكفر كفرا عاما، وأن لا تجتمع على ضلالة، وهي دعوات تتلخص في سلامة دينهم ودنياهم على جهة العموم.
ومن تمام ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حذر أمته من أسباب حصول الهلاك والعذاب، فحذرهم من الفاحشة وأعلمهم أن فشوها من أسباب فشو الأمراض المهلكة، وحذرهم من منع الزكاة وأعلمهم أنها من أسباب الجدب والقحط ومنع الأمطار، وحذرهم من نقض عهد الله ورسوله وأنه سبب لتسلط العدو عليهم، وحذر أئمة المسلمين وولاتهم من تحكيم غير شرع الله وأعلمهم أن ذلك سببا في النزاعات الداخلية وحدوث الفتن واختلال الأمن.
فهذه الدعوات النبوية متضمنة التحذير من الوقوع في أسباب الهلاك، والسعي في إنكار التصرفات السلبية التي تؤدي لهذه الكوارث، والسعي في تأمين مصادر البقاء من المياه والزراعة والصناعة والإعداد العسكري الذي يكون صدا لأي عدو يريد أن يتسلط عليهم وعلى ثرواتهم، واتخاذ كل أسباب البقاء والاهتداء المادية والمعنوية.
وهذه الدعوات تتضمن وجها من وجوه الإعجاز النبوي أيضا، حيث أخبر أصحابه باستجابة دعائه تطمينا لهم وللأمة من بعدهم، ففي زمانه كان قوام بقائهم هو الزرع والضرع، فلو سلط عليهم القحط لهلكوا عن آخرهم، فبشرهم بأن ذلك لن يحصل، وقد كانوا كذلك يخشون أن يتسلط عليهم العدو فالفرس والروم إمبراطوريتان قويتان من حولهم، فطمنهم بوعد الله أنهم لن يستحوذوا على عامتهم، بل بشرهم بعكس ذلك بأنهم سيرثون ملكهم، ويبقى هذا الوعد النبوي قائما إلى يوم القيامة، فالأمة وإن حصل لها الوهن والضعف في بعض جهاتها لكنها لا تزول، بل لا تزال قائمة بالحق قاهرة لعدوها ولو اجتمع عليهم قوة الأرض كلها، وهذا مصداق دعائه ووعده، مع أن هذه الأمة اليوم يتكالب عليها الأعداء من خارجها ويتآمر عليها المنافقون من داخلها، ومع ذلك يحفظها الله في دينها ودنياها عن الزوال والفناء.
المقالات

