في سورة طه نقرأ قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} (طه:115).
ظاهر هذه الآية أن آدم عليه السلام نسيَ العهد الذي أخذه الله عليه بعدم الأكل من الشجرة، إذ أغواه الشيطان، وأقسم له بالله أنه له ناصح. وبحسب هذا الظاهر يكون آدم ناسياً معذوراً لا عاصياً. غير أنَّ السياق نفسه في السورة يتضمن آية أخرى توضح غير ذلك: {وعصى آدم ربه فغوى} (طه:121).
فينشأ هنا سؤال: كيف يُقال إن آدم نسيَ، ثم يُوصف بالعصيان؟
جواب السؤال يستبين من خلال ما أجاب به بعض المفسرين:
أولاً: رأي الشنقيطي
يرى الشنقيطي أن الجمع بين الآيتين له وجهان:
الأول: أنَّ العذر بالنسيان إنما هو خاصٌّ بأمة محمد ﷺ، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه) رواه البيهقي في "السنن الكبرى". فآدم عليه السلام لم يكن معذوراً بنسيانه.
الثاني: أن لفظ (نسي) قد يُستعمل في لسان العرب بمعنى (تَرَكَ) ومنه قوله تعالى: {فاليوم ننساهم} (الأعراف:51) أي: نتركهم.
وبناء على ذلك، فالمقصود بـ (النسيان) في الآية هو تَرْكُ العمل بالعهد، لا مجرد ذهوله عنه؛ ولهذا أسند الله إليه الوصفين معاً: {فَنَسِيَ} و{وعَصَى}، فدلَّ على أنه مؤاخذ بما وقع منه.
ثانياً: رأي ابن عاشور
فسَّر ابن عاشور (النسيان) هنا بالإهمال المتعمّد، لا النسيان الحقيقي، مستشهداً بقوله تعالى في قصة السامري: {فَنَسِيَ} (طه:88) أي: أهمل وأعرض. فالمعنى أنَّ آدم أهمل العهد وترك العمل به، فكان ذلك عصياناً.
ويؤيد ما ذهب إليه ابن عاشور من أن (النسيان) بمعنى (الترك) الآتي:
ثالثاً: استعمالات النسيان في القرآن
- قوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} (التوبة:67) أي: تركوا طاعة الله، فتركهم من رحمته.
- قوله سبحانه: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم} (السجدة:14) قال الطبري: "يقال لهؤلاء المشركين بالله، إذا هم دخلوا النار: ذوقوا عذاب الله بما نسيتم لقاء يومكم هذا في الدنيا، {إنا نسيناكم} يقول: إنا تركناكم اليوم في النار".
- قوله عز وجل: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} (الحشر:19) قال الطبري: "ولا تكونوا كالذين تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم {فأنساهم أنفسهم} يقول: فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات".
فهذه الاستعمالات تعزّز القول بأن (النسيان) في قصة آدم جاء بمعنى (الترك) لا الغفلة.
رابعاً: رأي الرازي
اختار الرازي أن هذه الواقعة كانت قبل نبوة آدم عليه السلام، وبذلك لا يَرِدُ إشكال العصمة؛ لأنَّ الأنبياء لا يُعصمون إلا بعد البعثة. كما نبّه إلى أن وصف آدم بالعصيان والغواية في النصوص مقيد بتلك الحادثة وحدها، ولا يجوز إطلاق هذه الأوصاف عليه على سبيل الدوام؛ إذ إنَّ الذنب منه وقع مرة واحدة وتاب الله عليه، كما لا يُقال لمن تاب من ذنب إنه باقٍ على وصفه السابق.
ويبدو من مجمل الأقوال أن معنى (النسيان) في الآية ليس مجرد الذهول الذي يُعْذَرُ به صاحبه، وإنما هو ترك العهد أو إهماله، ومن ثم صحَّ أن يوصف فعل آدم بالعصيان. وأما القول بأنه كان معذوراً بالنسيان، فيعارضه سياق الآيات التي نسب الله فيها العصيان إليه. كما أن الاستثناء الوارد في هذه الأمة في شأن الخطأ والنسيان والإكراه يدلُّ على أن الأمم السابقة لم يُعذروا بذلك.
أما محاولة الرازي رَفْعَ الإشكال بجعل القصة قبل النبوة، فهي وجه معتبر، لكنه لا يمنع القول بأن الفعل نفسه عُدَّ معصية في وقته، ثم غُفر بالتوبة.
ومحصَّلُ القول: إنه ليس ثمة تعارض حقيقيٌّ بين قوله تعالى: {فَنَسِيَ} وقوله سبحانه: {وَعَصَىٰ}. فـ (النسيان) هنا بمعنى الترك والإهمال، لا النسيان الذي يعذر به. وبذلك يكون آدم عليه السلام قد ترك العمل بالعهد، وأطاع وسوسة الشيطان، فوقع في المعصية مرة واحدة، ثم تاب منها فتاب الله عليه. وهذا هو الذي ينسجم مع قواعد العصمة، ومع الاستعمال القرآني للفظ (النسيان) في معاني الترك والإعراض. والله أعلم وأحكم.
المقالات

