الخطبة الأولى
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
والصلاة والسلام على صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، من شرحت له صدره، ووضعت عنه وزره، ورفعت له ذكره، وجعلته قدوة للناس، وإماماً للمتقين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
أما بعد:
عباد الله: اعلموا أن رحمة الله عمَّت الكائنات، ووسعت الأرض والسماوات، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]. فمن أعظم صفات المولى تبارك وتعالى الرحمة، فهو رحمن رحيم، رحمن الدنيا للعالمين ورحيم الآخرة للمؤمنين.
والملائكة حين تتوسل إلى ربها ومولاها تبارك وتعالى تثني عليه بالرحمة، فتقول: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7]. فرحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى تبلغ ما بلغ علمه، ورحمته عز وجل لا تتناهى.
معاشر المؤمنين: خلق الله سبحانه الرحمة كما في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) متفق عليه.
فالله عز وجل خير الراحمين، {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118]؛ ولذلك طلب من عباده أن يكونوا رحماء، ومدح المؤمنين فقال عنهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].
فما أعظم رحمة الله! وما أجل هذه الصفة يوم يتذكرها العبد المسلم فيكون رحيماً بعباد الله!
وإن من أبعد القلوب عن الله -تبارك وتعالى- القلب القاسي، فالله لا يحب الجبارين والمتكبرين، ولا الذين يحملون قلوباً قاسية لا تشفق ولا ترأف ولا ترحم ولا تلين.
أُتي الرسول صلى الله عليه وسلم بسبيٍ من الكفار، وفي السبي امرأة والهة، أُخِذَ ولدُها من بين يديها وهو طفل رضيع، فأصبحت حائرةً مضطربةً، تبحث في السبي، فكلما وجدت طفلاً وضعته على ثديها وهي تبكي، حتى وجدت طفلها، فأخذت الطفل، فوضعته على ثديها وهي تبكي، وروحها تكاد تفارق جسدها فقال عليه الصلاة والسلام: (أترون هذه طارحة ولدها في النار). قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) رواه البخاري.
ومن عظيم رحمة الله: أن يرى العصاة الفجرة الجبارين المتكبرين يسفكون الدماء، ويأكلون الأموال، ويتعدون على الأعراض، ويغتصبون الأملاك، وستره لا يزال يغشاهم، وكنفه لا يزال يعمهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو لم يغفل عنهم، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].
عباد الله: يعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن الرحمة لا تكون بين الناس فحسب، بل حتى بين الكائنات فقد قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد به العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث؛ يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني، فنزل البئر فملأ خفاه، ثم أمسكها بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له". قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: " في كل ذات كبد رطبة أجر) رواه أبو داود.
كما يخبرنا صلى الله عليه وسلم عن صورة مقابلة لفقد الرحمة بالحيوان وجزاء ذلاك فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا) متفق عليه.
وامتدح الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالرحمة، وأخبره أنه ألف بين القلوب بالرحمة، ولو كان غير ذلك لما تألفت له قبائل العرب، ولو أنفق ما في الدنيا من ذهب وفضة، {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62-63].
فكان عليه الصلاة والسلام يمتاز بالرحمة، حتى قال الله تبارك وتعالى له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]؛ أي: لو سستهم بالشدة والجبروت والسفك؛ لتفرقوا وتبعثروا وما اجتمعوا لك أبداً.
أتى صلى الله عليه وسلم ليصلي بالناس، فسمع طفلة -وهي ابنة بنته زينب وهو جدها عليه الصلاة والسلام- تبكي وقد أقيمت الصلاة، فأخذها على كتفه وتقدم الصفوف، فكان إذا سجد وضعها في الأرض، وإذا قام رفعها.
وعن عبد الله بن شداد، عن أبيه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي - الظهر أو العصر - وهو حامل الحسن أو الحسين فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلى، فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها، قال أبي: رفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك؟ قال: (كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه أحمد.
وعن عائشة، قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتقبلون الصبيان، فما نقبلهم!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك) رواه ابن حبان.
وإذا رحـمت فأنت أمٌ أو أبٌ *** هذان في الدنيا هما الرحماءُ
فإذا أخذت العهد أو أعطيته *** فجميع عهدك ذمةٌ ووفاءُ
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: (يا ابن عوف، إنها رحمة). ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون) رواه البخاري.
معاشر المؤمنين: علينا أن نشيع الرحمة فيما بيننا في تعلاملاتنا وأخلاقنا وتصرفاتنا عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
كانت مدرسته عليه الصلاة والسلام تمتاز على مدارس غيره بالرحمة، فقد علَّم أصحابه الرحمة؛ حتى أصبح أشدهم وأقساهم قلباً من أرحم الناس.
والتراحم الذي يريده الله عز وجل هو التراحم والتواد بين المؤمنين، وأوله أن تلقى المؤمن وأنت تود له ما تود لنفسك.
ومن الرحمة التي يريدها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الناس: أن يرحم الرجل أهل بيته، وأول ما يرحمهم به أن يقودهم إلى رحمة الإسلام، فوالله لرحمتك لأهل بيتك بتقديم أخلاق الإسلام، أعظم من تقديم الطعام والشراب إليهم، يظن بعض الناس أن الرحمة لأهل البيت أن يشبعهم ويكسوهم ويسكنهم ويسبل عليهم الخير؛ وهذا من الرحمة، لكن أعظمها أن تقودهم إلى الجنة وتقيهم عذاب جهنم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

