نزل القرآن الكريم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معجزة للدلالة على صِدْق رسالته، ودستورًا أبديًّا جامعًا لطرائق السعادة التشريعية للأمة الإسلامية، وقد لقي من عناد العرب -وهم يومئذ غَطارِفَة البلاغة- ما لم يلقه كتاب قبله، فتحدّاهم أن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين، وسَخِرَ منهم، وأنبأهم بعجزهم وعجز الحياة كلّها لو تظاهرَت على مباراته أن تأتي بكتابٍ مثله، في حكمه وأحكامه، وأسلوبه وبراعته: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء:88).
أمّا الإعجاز التشريعي والاجتماعي فقد تكفّلت ببيانه الحياة، وقام بشرحه العِلْم، وتولّى الفكر الإنساني تبليغه إلى الناس أجمعين.
وأمّا الإعجاز البلاغي فهو الذي يعني الأديب العربي؛ ليعرف به مدى تأثير أسلوب القرآن في الأساليب الأدبية وفوقه عليها؛ ولهذا الغرض قامت علوم البلاغة العربية لتقرّب إلى الأذهان فهم الجمال الفني في القرآن الحكيم.
كان القرآن ولا يزال صورة جديدة من الأدب الحيّ الرائع في نظر الفحول من مَصاقع العرب وفصحائهم، بعد أن جالوا في مسارحه، وتفيّـؤوا ظلاله، وأُشربوا حُبّه، وتفهّموا أسلوبه، واهتدوا بهديه، وآمنوا بتعاليمه وأحكامه، فاتّخذوه مثلهم الأعلى في السموّ الأدبي، يتأثّرون أثره، ويستنّون سُنّته، فاتجهوا بالأدب اتجاهاً جديداً في عباراته وأسلوبه ومعانيه وروحه، وكان من أثر ذلك أن استُحدثت ألفاظ جديدة لمعانٍ مستحدثة، وأُميتت ألفاظ لم تكن متناسبة مع الحياة الجديدة، واستُبدلت بالكلمات الجافية التي كانت تلائم الحياة الجاهلية، كلمات رقيقة عذبة لها حلاوة في الأسماع وأُنس في القلوب، وانتهجت مناهج في الدِّين والعلم والسياسة والاجتماع والأخلاق طلبت العبارة عنها، وأداءها أداء يتّفق وطبيعتها الناشئة، كلّ ذلك وجوده في القرآن يصفه ويتحدّث عنه أحسن الحديث، فما كان عليهم إلا أن يحتذوا حذوه ويأخذوا إخذه.
كان العرب يحفلون بالشِّعْر ويغترّون به، فبلغ عندهم من ناحية الأسلوب ومتانة العبارة غاية لن يستطيع أحدٌ بعدهم أن يدنو منها. أما النثر فكان حظهم أو حظ ما وصلنا منه ضئيلاً بالنسبة للشِّعْر، فمجموعة الخطب والوصايا والمحاورات التي بين أيدينا من نثر العرب قبل الإسلام تشبه أن تكون صورة واحدة قليلة التنوّع خالية من المعاني الإصلاحية التي تحتاج إليها الأمم في تكوينها الاجتماعي، وهي على ما فيها من هذا النقص تشتمل على كثير من وحشي الألفاظ وغريبها، فلما حلّ القرآن من نفوسهم محلّ الجلال والعظمة، طرحوا من أيديهم زمام ذلك النثر، وتركوه حيث وُلِد في البوادي، فلم يبقَ منه إلا الشيء القليل، وعكفوا على القرآن يقتبسون من أسلوبه، ويوشحون خطبهم ورسائلهم بآياته، ويتكلّمون في موضوعات لم يكن لهم فيها من قبل مجال، وظهر أثر أسلوب القرآن في النثر ظهوراً بيِّناً، تقرؤه في خُطب الخلفاء الراشدين وخطباء الإسلام.
أمّا الشِّعْر فكان نقد القرآن بالنسبة إليه موجّهاً إلى الشعراء أنفسهم الذين اتخذوا هذا الفنّ الجميل مَطية إلى الإقذاع في الهجاء، والكذب في المدح والرثاء، والفُحش في مغازلة النساء، وإقاد العداوة والبغضاء، قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} (الشعراء:224- 226)، ولم يمسّ نقدُ القرآن الشعرَ باعتباره فنًّا من فنون التعبير عن الحياة، ولكنه كان استصلاحاً له مما ورطه فيه الشعراء؛ ولذلك استثنى نوعاً منهم يستطيعون بشاعريتهم الطاهرة النقية أن يسموا بالفن عن سفساف الأمور ودنيئاتها، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} (الشعراء:227).
وقد أفاد الشِّعْر من هذا النقد المباشر فائدة لم تكن كفائدة النثر، ولعلّ ذلك راجع إلى نفوس الشعراء وما طُبعوا عليه في تلك البيئات التي كانت تسودها العصبية وما يصاحبها من الشرور الخلقية، ولـمّا يمضِ زمن يسير حتى عادت جذعة في عصر الأُمويين، فعادوا لما كانوا عليه، وعاد الشِّعْر إلى حالته الأولى، ولكنه تأثر كثيراً بأسلوب القرآن في لين عبارته وحلاوة كلماته وسلاسة أسلوبه ولُطف استعاراته.
ومهما يكن فإنّ النثر كان أشدّ نوعي الأدب تأثراً بالقرآن؛ لأنّ الحقائق العملية والعلمية التي يقوم عليها إصلاح الأمم، والتي جاء بها القرآن لا يستطيع الشِّعْر أن يصوّرها تصويراً كاملاً، وهو حافظ لجلاله وروعته وموسيقية وزنه، فتطامن أمام النثر الأدبي في صدر الإسلام، وخفَتَ صوته قليلًا، وعلا صوتُ النثر جهيراً.
فارق القرآنُ الحكيمُ الشعرَ الموزون المقفى بأسلوبه، وأبى اللهُ تعالى أن يعلّم خاتم رسله إلى الإنسانية الشِّعْر، فقال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} (يس:69)، والذي يظهر لنا في تعليل ذلك أن قيود القافية والوزن في الشِّعْر تَـحُول بينه وبين أن يكون أداة لتبليغ رسالة سماوية عامة إلى كافة الخَلْق في أقطار الأرض على اختلاف ألسنتهم وأفكارهم وطبائعهم وبيئاتهم وأحوالهم في المعاش والمعاد.
فالقرآن حاور وجادل، وهدم وبنى، ووعظ وزجر، ووعد وأوعد، وهدّد ورغّب، ووصف وصوّر وقصّ، وأمَر ونهَى، بأسلوب مختلف باختلاف مقام الكلام والمخاطَبين، وإن اتحد في تساميه عن طوق البشر، وهو يردّد المعنى الواحد بطرق كثيرة، ليبلغ به إلى منافذ القلوب.
فانظر إلى تمثيله حال الكافرين الذين يعملون في هذه الدنيا من الخير والبِرّ ما يحجب الكفرُ نفعه وفائدته عنهم؛ لأنهم أبوا الانقياد لله تعالى وهو مصدر كلّ خير وبِرّ وإنعام، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} (إبراهيم:18).
وقال سبحانه في آية أخرى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (النور:39-40).
هذا التنويع في التمثيل من أسرار الإعجاز في القرآن، فهناك مَثَّل أعمالهم برماد اشتدت به الريح في يومٍ عاصف، وهنا مثّلها بسراب يظنّه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه ليروي منه ظمأه لم يجده شيئاً، وهو أصدق تمثيل لحال الكافر مع أعماله التي يرجو منها النفع، فلا يَجِدْهُ عند الحاجة إليه. أمّا التمثيل الثاني فهو أعجب وأبدع وأبلغ، وهو تصوير امتاز به القرآن واستحدثه؛ لأنه طِرْز غير معهود في أساليب العرب وتشبيهاتهم، على خلاف الضربين الأولين، فإنهما معهودان، وجرى بهما العُرف الكلامي في لغة العرب. لكن التمثيل بالظُّلُمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، لم يألفه العرب، ولا هو مما تساعد عليه بيئتهم، وفي قوله جل شأنه: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} (النور:40) بيان للمقصود من التمثيل، مع أن التمثيل أفاده للدلالة على أن حالة الكافر مهما عمل من البِرّ والخير مغلقة الأبواب على نور الرحمة الإلهية تغليقاً لا يجعل له طريقاً إلى خيط من الكرامة التي أعدّها الله لعباده المؤمنين. وقد أكّد هذا أبلغ تأكيد بقوله: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} (النور:40). ثم ختم الآية بما يلائم التشبيهين، ويردّ الأمر إلى جلال الله وهدايته؛ طمأنة للمؤمنين، وتبكيتاً للكافرين.
أمّا مقام القرآن من منثور الكلام فهو في الذروة لا يطاوله كلام، ولا يجاريه أسلوب، بلاغة باهرة، وفصاحة بارعة، وقول فصل، وآيات إعجاز في حلاوة وطلاوة وجزالة ونصاعة، وبيان فائق، وتعبير رائق. بَيْدَ أن العلماء اختلفوا في وصف أسلوب القرآن: هل يصفونه بأوصاف كلام البشر، ويَبِين عنه بالإعجاز مع الاتفاق في أصل النوعية، أو يخرجونه عن نوع كلام الناس البتة، فيكون نوعاً من الكلام مستقلًّا؟
ذهب المتكلِّمون إلى أنه خارج عن أسلوب كلام العرب، فلا يُقال له مرسل، ولا مسجوع، وشدّدوا في نفي السَّجْع، وأقاموا على هذا النفي أدلة على نهجهم وطريقتهم، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: "لو كان القرآن سجعاً، لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها، لم يقع بذلك إعجاز...ولأن السَّجْع من الكلام يتبع فيه اللفظ الذي يؤدي السجع".
وذهب إلى هذا المذهب العلَّامة ابن خلدون، فقال في "المقدمة": "وأمّا القرآن وإن كان من المنثور إلا أنه خارج عن الوصفين، وليس يسمى مرسلاً مطلقاً، ولا مسجعاً، بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع، يشهد الذَّوْق بانتهاء الكلام عندها، ثم يُعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها، ويُـثَنّى من غير التزام حرف يكون سجعاً، ولا قافية، وهو معنى قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} (الزمر:23)، وقال: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} (الأنعام:97)، ويسمى آخر الآيات منها فواصل؛ إِذْ ليست أسجاعاً، ولا التزم فيها ما يلتزمه السجع".
وذهب جماعةٌ من علماء البلاغة والأدب إلى أن أسلوب القرآن وإنْ سما إلى ذروة الإعجاز، لكنه لا يخرج عن جنس منثور الكلام، قال ابن الأثير في "المثل السائر": "لو كان السجع مذموماً لَمَا ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد أتى منه بالكثير، حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعاً مسجوعة؛ كسورة الرحمن، وسورة القمر". وقال أبو هلال العسكري في "الصناعتين": "ولا تكاد تجد لبليغ كلاماً يخلو من الازدواج، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن؛ لأنه في نَظْمه خارج من كلام الخلق، وقد كثر الازدواج فيه حتى حصل في أوساط الآيات، فضلاً عما تزاوج في الفواصل منه".
والذي يترجّح عند البحث من هذين المذهبين إنما هو مذهب الأدباء. والبيان بالإيجاز كما تسمع:
لم يقل أحد أنّ القرآن كلّه سجع، ووجود السجع في بعض سوره لا يجعله داخلاً في أساليب كلام البشر دخولاً لا يستوي به معها، ومَن الذي يستطيع أن يزعم أنَّ أسلوب السجع كلّه واحد في بلاغته؟ أفلا يجوز أن يوجد في كلام الناس كلام مسجوع يتفاوت فيما بينه في البلاغة تفاوتاً عظيماً؟ ولِـمَ لا يكون في أسلوب القرآن سجع يسمو على طوق البشر مع كونه أشبه ظاهر نسجه بكلامهم، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز؟
أمّا أنَّ السجع من الكلام يتبع فيه المعنى اللفظ، فليس هذا الإلزام لازماً؛ لأنه قد يصح في أسجاع الصنعة والتكلّف، ولا ينطبق على السجع المطبوع؛ لأنه يجري على سنن الكلام المطلق، فيقع فيه اللفظ تابعاً للمعنى. قال ابن الأثير في "المثل السائر": "فإذا صفى الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد، فإنّ وراء ذلك مطلوباً آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعاً للفظ". ولست أدري كيف ساغ هذا الإلزام في كلام القادر الحكيم؟!
وخلاصة الرأي أنّ القرآن الحكيم من جنس منثور الكلام في لفظه وعباراته، ولكنه مباين لكلام الخَلْق في نَظْمه وأسلوبه، فهو من المنثور الجامع لأرقى فنونه، وأبلغ أنواعه، ففيه سجع يقتضيه المقام، وترسّل يبلغ غاية المرام، وهو في كليهما معجز خارج عن طوق البشر.
* المقالة لـ صادق إبراهيم عرجون، نُشرت في مجلة "نور الإسلام" المجلد (السادس)، (1354هـ). مقتبسة من (موقع تفسير).
المقالات

