الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أسباب ضعف الإيمان

أسباب ضعف الإيمان

 أسباب ضعف الإيمان

إيمان العبد بالله هو رأس ماله، وأصل نجاته، وأعز ما لديه. والإيمان عند أهل السنة قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، قال تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ}[الفتح:4].
فقلوب المؤمنين معرضة للنقص كما أنها معرضة للزيادة، وزيادتها ونقصها إنما هو بقدر ما تتعرض له من أسباب النقص، أو موجبات الزيادة. فقد روى الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم).

ونقصان الإيمان مرض من أخضر الأمراض التي تعتري القلوب المؤمنة، لما يترتب عليه من نتائج تؤثر على دين العبد وعمله، فمع ضعف الإيمان يقل اليقين، ويقل التوكل، وتقل المراقبة، ويضيق الصدر، ويقسو القلب، ومع قسوة القلب، يتغير المزاج، ويقل التأثر بقراءة القرآن أو ينعدم، ويبدأ الإنسان يسلك سبيل الغفلة، وشيئا فشيئا يبدأ التفريط في السنن والمستحبات، ثم التهاون في الواجبات، ثم الوقوع في المعاصي والمنكرات، إلى غير ذلك.
وتزيد كل هذه الواردات على القلب بزيادة ضعف الإيمان فيه، وهذا طريق لا يتوقف إلا بأن يتولاه الله ويوقظه مما هو فيه، وينبهه إلى خطورة ما هو مقبل عليه.. وذلك بالتخلص من أسباب ضعف الإيمان ، والأخذ بأسباب قوته.

أسباب ضعف الإيمان
ولضعف الإيمان أسباب توجب رقته في القلب وترحله منه، ومن هذه الأسباب:
1 ـ البعد عن بيئة الإيمان:
وهذا هو أول طريق الانسلاخ، وبداية سبيل ضعف الدين، فأول عواقبه الانقطاع عن أسباب الإيمان وزيادته، والتوقف عن الترقي فيه.. وهي النقطة التي يبدأ منها الهبوط وضعف الإيمان، فيتوقف استماعه للمواعظ، وما يرقق القلب، فلا قرآن يرطب أرض القلب، ولا تهطل عليها سحب المواعظ لتنبت الإنابة والخشية والمحبة والرضا. فتضعف شحنات الإيمان في قلبه شيئا فشيئا حتى لا يستطيع أن يحمل صاحبه إلى الطاعات، ويتجاوز به مواطن الفتن والموبقات. ولذلك كان السلف يتواصون فيما بينهم "هيا بنا نؤمن ساعة".. حتى تبقى جذوة الإيمان مستعرة في قلوبهم، فتحرق منابت الهوى والشهوة.

2 ـ الصحبة السيئة:
فإن الصاحب ساحب، والأخلاق تعدي، والطباع سراقة، وقد شبه النبي صاحب السوء بنافخ الكير الذي لا يأتيك منه إلا الشر، فهو (إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة)، فليس في مخالطة ومصاحبة أهل الفسق والفجور أي منفعة ولا مصلحة، وهي وبال في الدنيا ووبال في الآخرة يندم فاعلها أشد الندم {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}[الفرقان].

3 ـ الانشغال الشديد بالدنيا:
وتشتت القلب في مساربها، وتعلق القلب بشهواتها ولذائها، وانشغاله بتحصيلها وجمعها، حتى تنسيه الآخرة، وقد ذم الله هذا الأمر في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}[المنافقون:9]، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم فاعله في السنة (من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له)[رواه الترمذي]، وربما زاد التعلق بالدنيا وحطامها، حتى لا يرى الإنسان سواها ويصير عبداً لها، كما في الحديث: (تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ) [رواه البخاري].

4 ـ الغفلة وطول الأمل:
وهو الاستمرار في الحرص علي الدنيا ومداومة الانكباب عليها، مع كثرة الإعراض عن الآخرة، قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}[التكاثر:1ـ2]، وقال: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}[الأنبياء]، وقال: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الحجر:3].
إن طول الأمل يدفع إلي المعاصي، ويبعد عن الطاعات، وهو من أسباب انتهاك الحرمات والتعدي على الآخرين، وسلب حقوقهم، فلا تغتر بطول عمر، أو وفرة شباب، أو قوة بدن.
وكان النبي يحذر من هذا في أحاديثه كقوله لابن عمر (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)[رواه البخاري].

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوي وطول الأمل، فأما اتباع الهوي فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة".
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: "لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم وتنقادوا لعدوكم".

5 ـ فقدان القدوة الصالحة:
وقد غابت عن قلوب الناس وعيونهم القدوات الصالحة أو غيبت، وعرضت لهم قدوات لا تزن في موازين الرجولة وموازين الأدب والفضل، والأخلاق والبطولة الحقيقية شعرة، أو مثقال ذرة، أناس تافهون، جاهلون، فاجرون فاسقون، صدّروهم للشباب وللناس في القنوات، أبعد ما يكونون عن الدين والعلم والخلق والثقافة، فتشبه بهم الناس فنزلوا إلى الحضيض في كل الاتجاهات.

6 ـ الوقوع في المعاصي:
وهي علامة على ضعف الإيمان، ونتيجة من نتائجه، وهي أيضا سبب من أسبابه، فإذا رق دين العبد وضعف إيمانه سهل وقوعه في المعاصي والذنوب، فإذا وقع فيها كانت سببا لزيادة ضعف الإيمان، ومرض القلب.. قال ابن عباس: "إن للسيئة لسواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق". فكل ذنب ينكت في القلب نكتة سوداء، فإن لم يتب زاد السواد حتى يطبق على القلب فيخنقه أو يقتله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[المطففين:14].
فهذه بعض أسباب ضعف الإيمان، وبدفعها والعمل بضدها يقوى إيمان المسلم.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة