الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعظيم الله في قلوب الصغار

تعظيم الله في قلوب الصغار

 تعظيم الله في قلوب الصغار
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. يقول تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} [البقرة: 281]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [المائدة: 35]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [الحشر: 18]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: صغارُنا وناشئتُنا أليس لهم حقٌّ علينا؟ أليس من الواجب والأمانة الالتفات إليهم؟ بلى والله، وإن من أعظم الحقوق التي سنُسأل عنها يوم القيامة: حقُّ تربية أبنائنا وبناتنا على طاعة الله وتعظيمه ومحبته، وتوقيره في القلوب والأقوال والأعمال؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مسؤول عن رعيته). فتوحيد الله تعالى هو رأس الأمر وأصل الأصول، ومن أجله خُلق الخلق، وبُعثت الرسل، وأنزلت الكتب، ووُعد أهلُه بالنعم المقيم، فكم هو غافل من غفل عن تربية صغاره على توحيد الله تعالى وتعظيمه.
قد يعتني بعض الناس بالسلوك والآداب: آداب الطريق والمسجد والمنزل، وآداب الطعام والنوم، وحقوق الوالدين والقرابة ونحوها وهذا خير، ولكن الخطر أن ينشغل به المربي حتى يُهمِل أعظم الأسس والحقوق: تعظيم الله تعالى في نفوس الصغار. فالطفل مع مرور الوقت قد ينسى كثيرًا مما لُقِّن من الآداب والسنن، لماذا؟ لأن الآداب إن لم تُبنَ على أصلٍ راسخٍ في القلب، وهو الوازع الإيماني والعقدي الذي يغرس محبة الله تعالى رجاء جنته والخوف من عقابه؛ فإنها تضعف وتذبل وتُنسى.
أيها المسلمون: تعالوا بنا نرى التربية النبوية كيف كانت تُنشئ الناشئة على تعظيم الله تعالى وتوحيده، وإفراده بالتوكل والاعتماد. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: (يا غلام إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي. وفي رواية الإمام أحمد: (احفظ الله تجده أَمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك فـي الشدة، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك، وما أَصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أَن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسرِ يسرا).
عباد الله: تأملوا في وصايا تقال لغلام صغير لكنها تُحكم القلب: حفظُ الله امتثالًا لأمره ونهيه، ومراقبةُ الله واستحضارُ اطلاعه، ثم تعليقُ القلب بالله وحده: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". فالتوكل اليوم عند كثير من الناس ضعيف، فهذا يعتمد على ماله، وذاك على ذكائه، وثالث على جاهه، وقليل من يعلّق قلبه بالله حقًا. ثم زاد النبي صلى الله عليه وسلم في تثبيت هذا الأصل العظيم: الإيمان بالقدر، وأن الأمر كله بيد الله: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت…"؛ أي: لا نفع ولا ضر إلا بما كتب الله تعالى. وفي الرواية الأخرى: "تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة"؛ فمن لزم طاعة الله في السعة، لم يخذله الله في الضيق، وهذا معنى يحتاجه الناشئة؛ فهم في مقتبل العمر، وفي زمن الحيرة والفتن، ولا بد لهم من ركن شديد يثقون به، ويرتبطون به. وقد كان من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بغرس التوحيد في نفوس الصغار: ما أخرجه الترمذي عن أبي رافع قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة رضي الله عنها. قال ابن القيم في تحفة المودود: "وسر التأذين -والله أعلم- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام؛ فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثيره به و إن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله و شاءها فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به. وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان؛ كما كانت فطرة الله التي فطر عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها، ولغير ذلك من الحكم".
أيها المؤمنون: من حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على غرس التوحيد وتعظيم الله تعاله في نفوس الناشئة؛ أنه علّم الحسن بن علي –وهو غلام– دعاء القنوت كما روى أبو داود: عن الحسن بن عليّ رضي الله عنْهما، قال: (علَّمني رسولُ صلَّى عليْهِ وسلَّمَ كلماتٍ أقولُهنَّ في الوترِ، اللَّهمَّ اهدِني فيمن هديت، وعافِني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمن تولَّيتَ، وبارِك لي فيما أعطيتَ، وقني شرَّ ما قضيتَ، إنَّكَ تقضي ولا يقضى عليْكَ، وإنَّهُ لا يذلُّ من واليتَ، ولا يعزُّ من عاديتَ، تبارَكتَ ربَّنا وتعاليتَ). وهو دعاءٌ عظيم المعاني في توحيد الله وتعظيمه وتفويض الأمر إليه. والحسن رضي الله عنه وُلد سنة ثلاث للهجرة، فإذا كان موت النبي صلى الله عليه وسلم عام أحد عشر؛ فيكون عمره حينئذٍ نحو سبع سنين، ومع ذلك لُقِّن هذه المعاني الجامعة. بل كان صلى الله عليه وسلم يعلّم الصغار اللجوء إلى الله والتحصن به، ففي الصحيح عن ابن عباس: (كان النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعوّذ الحسن والحسين، ويقولُ: إنَّ أباكما كان يعوّذُ بها إسماعيل وإسحاق: أَعوذ بكلمات اللَّه التَّامَّةِ، من كلِّ شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ). ومن عنايته صلى الله عليه وسلم بتنقية القلوب من علائق الشرك والغلو: أنه سمع جويريات يضربن بالدف ويندبن قتلى بدر، فلما قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد قال: (دعي هذا، وقولي بالذي كنتِ تقولين) رواه البخاري. فانظروا يا عبد الله كيف يُقطع الغلو في لحظته ولو صدر من صغار؛ حفاظًا على صفاء التوحيد ونقائه، وبسبب إهمال هذا الأصل في بعض البيئات، ورث الناس بدعًا ومظاهر غلو؛ نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير، حتى ظنها الناس دينًا وعرفًا يصعب اقتلاعه، وعلى من يربي الناشئة أن يجمع بين أمرين: ترسيخ تعظيم الله وتوحيده في نفوسهم، وتنقية اعتقادهم من كل ما يشوبه؛ وفي الوقت نفسه: ترسيخ الرجاء ومحبة الله تعالى، والخوف من عقابه، يقول تعالى: {نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ *} [الحجر: 49-50].
أيها المؤمنون: يجب أن يُربَّى الطفل بأسلوب لطيف يراعى فيه سنه، ويُغلب جانب الترغيب والمحبة، ويُنشَّأ على مقام الإحسان: أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7]، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 119]. وهو سبحانه: {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [التغابن: 4]. وإذا ما استقر هذا المعنى في قلب الشاب الصغير معنى الإحسان؛ صلح أمره، وقوي عزمه على الطاعة، وأحب الخيرات، ونفر من المعاصي؛ حتى تكون الاستقامة فيه طبعًا وسجية. {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. جاء في وفيات الأعيان: أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "بينما أبي يعس بالمدينة إذ سمع امرأة تقول لابنتها: يا بنية، قومي فشوبي اللبن بالماء. فقالت: يا أماه أما سمعت منادي أمير المؤمنين أنه نادى ألَّا يُشاب اللبن بالماء؟ فقالت: وأين أنت من مناديه الساعة؟ فقالت: إذا لم يرني مناديه ألم يرني رب مناديه؟ وفي رواية قالت: والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا، قال: فبكى عمر رضي الله عنه. فلما أصبح دعا بالمرأة وبابنتها وسأل: هل لها زوج فقالت: ليس لها زوج، فقال: يا عبد الله، تزوج هذه، فلو كانت بي حاجة إلى النساء لتزوجتها، فقلت: أنا في غنى عنها، فقال: يا عاصم تزوجها فتزوجها، فجاءت بابنة فحملت بعمر بن عبد العزيز". هذا المستوى من الإيمان هو الذي نريد أن نرتقي بناشئتنا اليوم إليه، الخوف من الله تعالى في السر والعلن، وما ذلك على الله بعزيز.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
أما بعد؛
عباد الله: فإن تربية النشء في زماننا لم تعد شأنًا فرديًا خالصًا، بل أصبحت تربيةً تشاركية شاء الناس أم أبوا؛ فهناك المدرسة، والرفاق، والأقارب، والقنوات، والإنترنت، والجوالات، وغير ذلك من المؤثرات؛ ومن ثمّ فإن مسؤولية تربية الأولاد اليوم شديدة الصعوبة، ولا سيما تربيتهم على التوحيد وتعظيم الله تعالى؛ لكنها مع ذلك ليست مستحيلة، والمطلوب من المربي أن يبذل طاقته، وأن يأخذ بأسباب التربية الممكنة، وأن يهيئ ما استطاع من وسائل الحفظ والوقاية، مع الدعاء والابتهال إلى الله أن يصلح الذرية، ويحقق الرجاء، أما الهداية والتوفيق فبيد الله تعالى، يقول سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة