الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسارعة بالتوبة.. سعادة في الدنيا والآخرة

المسارعة بالتوبة.. سعادة في الدنيا والآخرة

المسارعة بالتوبة.. سعادة في الدنيا والآخرة

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

الذنوب والمعاصي ليست مجرد أفعال عابرة، بل هي سهام مسمومة تصيب القلب، فتترك فيه جراحاً غائرة وظلمات قاتمة، وتكبّله بقيود ثقيلة، وتورثه القسوة والحرمان، وتفتح أبواب البلاء والمحن، وهي سبب للشقاء في الدنيا قبل الآخرة، وتُعرض صاحبها لسخط الله وعذابه، وما أعظم الخطر والخسران حين يلقى العبد ربَّه مثقلاً بالذنوب غير تائب، وما أشد الحسرة حين يرى الحقائق يوم القيامة وقد فات الأوان!
ولذلك وجب علينا أن نسارع إلى التوبة النصوح، وأن لا نؤخرها ساعة ولا لحظة، فإن الموت يأتي بغتة، والفرصة قد لا تتكرر، والنجاة لا تكون إلا بالرجوع إلى الله قبل فوات الأوان، وقد بشّرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسعة رحمة الله وقبول توبة عباده مهما عظمت ذنوبهم، فقال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجه.

ومن المعلوم أن من أعظم الواجبات والأركان التي يقوم عليها إيمان المسلم: الإيمان باليوم الآخر، ذلك اليوم العظيم الذي تتحدد فيه السعادة أو الشقاء، وتُوزن فيه الأعمال، ويُجازَى فيه كل إنسان بما قدمت يداه، فعلى المسلم أن يستعد لذلك اليوم بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، والتوبة النصوح الصادقة قبل أن يفجأه الموت، فإن من مات فقد قامت قيامته، فهو في نعيم أو عذاب في قبره إلى أن يُنفخ في الصور، وتُعرض الخلائق يوم العرض الأكبر للحساب والجزاء، فإما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو إلى نار وقودها الناس والحجارة..
وقد توعَّد الله تعالى المعرضين عن التوبة بالعذاب الأليم، وأمر عباده بالمبادرة إليها قبل حلول الأجل، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}(التحريم:8).
والتوبة النصوح هي رجوع صادق إلى الله، يجمع بين الإقلاع الفوري عن الذنب، والندم العميق على ما فات، والعزم الجازم على عدم العودة إليه أبداً، مع رد الحقوق إلى أصحابها إن وُجدت، فالتوبة استقامة شاملة تُطهر الماضي، وتُصلح الحاضر، وتستجلب محبة الله ورضوانه..

والتوبة النصوح تمحو ما قبلها من السيئات، والله عز وجل وعد التائب بقبول توبته، فقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}(الشورى: 25)، ومهما كثرت الذنوب والخطايا، فإن رحمة الله أوسع، ومغفرته أعظم، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(الزمر: 53).
فيا عبد الله، لا تيأس من رحمة ربك، ولا تؤخر التوبة، بل بادر إليها الآن، استجابةً لأمر الله، الذي قال: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُون}(الزمر:54). واعلم أن العذاب يبدأ من لحظات الموت، حين تنقطع الأعمال، ويبدأ الإنسان يتحسر ويندم، ولكن لا ينفع الندم حينها، قال الله تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}(الزمر:57:56)، فلا تجعل التوبة مؤجلة إلى حين لا ينفع الندم، بل سارع إليها الآن، قبل أن يأتي الموت بغتة، وقبل أن يُغلق باب الفرص، فإن السعيد من وُفق للتوبة قبل الفوات، والشقي من أضاع عمره في الغفلة والمعاصي..

أيها المؤمنون: حين يُنفخ في الصور، يقوم الناس من قبورهم إلى رب العالمين حفاةً عراةً بلا ثياب، ولا جاه ولا مال، وإنما هي الأعمال وحدها التي تُعرض بين يدي الله، وقد حدَّث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة! الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يُهِمَّهُمْ ذاكِ) رواه البخاري.
أجل، فإن الأمر أعظم من ذلك، وأعظم من أن يسأل الأب عن ولده، أو تبحث الأم عن ولدها، بل يهرب الإنسان فيه من أحب الناس إليه وأقربهم منه، كما قال سبحانه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}(عبس:37:34)..

في ذلك اليوم العظيم تُفتح فيه الدواوين، وتُوزن الأعمال، ويأخذ المؤمن كتابه بيمينه فرحاً مسروراً يقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}(الحاقة:19)، ويأخذ الكافر كتابه بشماله أو من وراء ظهره حزيناً يقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}(الحاقة:25). وتوضع الموازين القسط، فلا تُظلم نفس شيئاً، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}(الزلزلة:8:7)..

في ذلك اليوم تدنو الشمس من الخَلق، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..
في ذلك اليوم العظيم يوضع الصراط على متن جهنم، وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم، ليس على قدر أموالهم ولا جاههم، إنما على قدر أعمالهم الصالحة، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر يزحف على الصراط زحفاً، ومنهم من هو بين ذلك، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُهم يَومَئذٍ: (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) رواه البخاري.

ثم ينتقل الناس إلى موقف آخر حيث يطلبون الشفاعة، فيأتون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام، وكلهم يعتذر، حتى يأتوا إلى نبي الرحمة مُحمد صلى الله عليه وسلم، فيقول مفتخراً بنعمة الله: (أنا لها، أنا لها، ويُؤذن له بالشفاعة، فيُشفع في أمته، ويقول له ربه: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، وسَلْ تعط)، فالحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم..

في ذلك اليوم العظيم ينزل الله عز وجل نزولا يليق بجلاله وكماله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(الشورى:11)، للقضاء بين عباده ومحاسبتهم، فيخلو بعبده المؤمن وحده، ويضع عليه ستره، ويكلمه ليس بينه وبينه ترجمان، فيخبره بما عمل من ذنوبه، حتى يقر ويعترف، فيظهر الله عليه فضله، فيقول: (إنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنَا أغْفِرُهَا لكَ اليومَ) البخاري.

فالحذر الحذر ـ عباد الله ـ أن تلقوا ربكم على ما يغضبه، الحذر الحذر من معاصي الله، وخذوا ليوم القيامة عدته، فإنه مصيرنا وموعدنا جميعا لا محالة، وإنه على شدته وهوله يكون يسيراً على المؤمنين المتقين، فآمنوا بالله واتقوه، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، وتوبوا حتى يتوب الله عليكم، توبوا إلى الله ما دمتم في وقت الإمهال وميدان الأعمال الصالحة، وأكثروا من الطاعات، فأنتم الآن في الدنيا دار العمل، وأما غداً يوم القيامة فدار حساب وجزاء..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:

كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، والله تعالى يقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}(الزمر:53).
جاءَ رَجُلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسول الله، أرَأيتَ رجُلًا عَمِل الذنوب كلها فلم يُترَكْ منها شيئًا، صغيرها وكبيرها، ولَم يترك أمراً دَعَته نَفسُه إلَيه مِنَ المَعاصي إلَّا وقع فيه، فهَل لذلك مِن توبة؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعَم، تَفعلُ الخيرات، وتترُكَ السَّيِّئات، فيَّجعلُهنَّ اللَّهُ لَك حسَناتٍ كُلَّهُنَّ، قال الرجل: وغدَراتي وفجَراتي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، ففرِح الرَّجُلُ بذلك فرحاً شديداً، وقال: اللهُ أكبَر، وظَلَّ يُكَبِّرُ حَتَّى بَعُدَ واختفى عن أعيُن الناظِرين) رواه الطبراني.

ليس المقصود من هذا الحديث وغيره في قبول الله توبة العاصي مهما كانت ذنوبه ومعاصيه، التقليل من خطورة المعاصي، وإنما المقصود إظهار مدى سعة رحمة الله تعالى..

ولكن، للتوبة المقبولة شروط: إخلاص النية لله، الإقلاع عن الذنب، الندم على ما فات، العزم على عدم العودة، ورد الحقوق إلى أهلها، والإكثار من الطاعات قبل حضور الموت، وباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها أو تبلغ الروح الحلقوم..

فيا عبد الله، لا تؤخر التوبة ولا تغتر بمهلة العمر، فإن الموت يأتي بغتة والندم حينها لا ينفع، والسعيد حقاً هو من بادر قبل الفوات، والشقي من سوّف حتى ضاعت الفرصة وخسر الدنيا والآخرة.
واعلم ـ رحمك الله ـ أن للتوبة الصادقة ثماراً عظيمة تظهر على حياة التائب بعد رجوعه إلى الله، فتراه يحافظ على الصلاة بعد أن كان غافلاً عنها ومتهاوناً بها، فيؤديها في أوقاتها، ويبتعد عن أصحاب السوء الذين كانوا يجرّونه إلى المعاصي، ويستبدلهم بأهل الصلاح الذين يعينونه على الطاعة ويذكرونه بالله، ويجتنب المحرمات، فيغض بصره، ويحفظ لسانه، ويصون جوارحه عن كل معصية، ويقبل على الطاعات فيكثر من قراءة القرآن والذكر والصيام والصدقة ويبحث عن أبواب الخير ليطرقها، ويصلح قلبه وخُلقه، فيلين بعد قسوته، ويصبح رحيماً، باراً بوالديه، محسناً لأهله وزوجه وأولاده وجيرانه، متواضعاً صادقاً بعد أن كان متكبراً أو غافلاً، ويستقيم في حياته كلها، فيجعل التوبة بداية جديدة وصفحة بيضاء مع الله، وعهداً يسير به في طريق الطاعة حتى يلقى الله وهو راضٍ عنه..
فهذه ثمرات وعلامات التوبة النصوح الصادقة، والتي يصير صاحبها من السعداء الذين قال الله فيهم: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(الفرقان:70).
فبادر قبل أن يفجأك الموت، واغتنم الفرصة قبل أن تُغلق أبواب التوبة..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة