الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعزيز القيم في القصص القرآني: رؤية اتصالية وتأثيرية معاصرة

تعزيز القيم في القصص القرآني: رؤية اتصالية وتأثيرية معاصرة

تعزيز القيم في القصص القرآني:  رؤية اتصالية وتأثيرية معاصرة

يمثل القصص القرآني أحد أبرز المكونات البيانية والتربوية في القرآن الكريم، فلم يكن الغرض منه مجرد السرد التاريخي، أو الإمتاع القصصي، وإنما جاء حاملاً لرسالة هادفة، تسعى إلى الارتقاء بالإنسان، وبناء منظومة القيم، وترسيخ الهوية الحضارية للأمة.

ويتميز هذا القصص بكونه خطاباً إلهيًّا موجهاً إلى الإنسان في كل زمان ومكان، جامعاً بين عمق المعنى، وجمال العرض، وقوة التأثير. وفي ظل التحولات المعاصرة، وتسارع وسائل الاتصال، تبرز الحاجة إلى قراءة القصص القرآني قراءة اتصالية وتأثيرية، تستلهم مقاصده التربوية والقيمية، وتفعِّل حضوره في بناء الإنسان المعاصر.

ويمكننا تسليط الضوء على الأبعاد الاتصالية والتأثيرية في القصص القرآني، وبيان قدرته على تعزيز القيم الإنسانية والحضارية، ومخاطبة الإنسان المعاصر بلغة تجمع بين الثبات في القيم والمرونة في الأساليب من خلال المحاور التالية:

أولاً: مفهوم القيم ودورها في الارتقاء بالإنسان

القيم في التصور القرآني ليست مفاهيم مجردة، بل حقائق مُنزلة، تُستمد من الوحي، وتتجسد في السلوك الإنساني. وقد قرر القرآن هذا الأصل في غير موضع، كقوله تعالى: {إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، فالهداية هنا شاملة لهداية الفكر والسلوك والقيم. كما ربط القرآن الارتقاء الحقيقي للإنسان بالإيمان والعمل الصالح، فقال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} [النحل:97].

وقد اعتنى القرآن الكريم ببناء القيم باعتبارها جوهر الرسالة الإلهية، فالدعوة إلى التوحيد، والعدل، والصدق، والأمانة، والصبر، والرحمة، وغيرها من القيم، تشكُّل الإطار العام لهداية الإنسان. ويأتي القصص القرآني بوصفه أداة تربوية فعَّالة لترسيخ هذه القيم، من خلال عرض نماذج بشرية واقعية، وتجارب إنسانية صادقة، تُمكِّن المتلقي من التفاعل الوجداني والعقلي مع مضمون القصة.

إنَّ الارتقاء بالإنسان في المنظور القرآني لا يقتصر على البعد المادي أو المعرفي، بل يشمل الارتقاء الروحي والأخلاقي، وبناء شخصية متوازنة قادرة على حمل رسالة الاستخلاف في الأرض، مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]. ومن هنا، فإنَّ القيم ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي سلوك عملي يتجسد في المواقف والاختيارات، وهو ما يبرزه القصص القرآني بجلاء.

ثانياً: الخصائص الاتصالية في القصص القرآني

يمتاز القصص القرآني بخصائص اتصالية فريدة، تجعله قادراً على التأثير العميق في المتلقِّي، ومن أبرز هذه الخصائص:

1- عالمية الخطاب

يتوجَّه القصص القرآني إلى الإنسان بصفته إنساناً، دون انحصار في زمان أو مكان أو فئة محددة. وتتجلَّى عالمية هذا الخطاب بوضوح في قوله تعالى عقب ذكر قصص الأنبياء: {لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ} [يوسف:111]، فالعبرة هنا موجهة لكل ذي عقل يتدبر سنن التاريخ والإنسان.

كما يؤكد القرآن أنَّ هذه القصص ليست مجرد حكايات تاريخية، وإنما رسائل هداية خالدة، يقول سبحانه: {مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف:111]، وهو ما يمنح القصص القرآني قابلية مستمرة للتواصل مع الإنسان عبر الزمان والمكان.

2- الجمع بين العقل والعاطفة

يعتمد القصص القرآني على مخاطبة العقل وتحريك الوجدان معاً، كما في قصة إبراهيم عليه السلام في محاججته لقومه، حيث خاطب عقولهم بقوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات:95]، وفي الوقت نفسه استثار مشاعرهم بتصوير الموقف الإنساني المؤثر، كما في قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:88-89]، ما يعكس بُعداً اتصاليًّا عميقاً يجمع بين الإقناع العقلي والتأثير العاطفي.

3- الإيجاز والانتقاء

يعتمد القصص القرآني على مخاطبة العقل من خلال عرض الحجج والسنن، ومخاطبة العاطفة عبر التصوير الفني، وإبراز المشاعر الإنسانية كالخوف والرجاء، والألم والأمل. وهذا التوازن الاتصالي يسهم في ترسيخ القيم؛ لأن الإنسان يتأثر بما يفهمه ويشعر به معاً.

ولا يعرض القرآن القصة بجميع تفاصيلها، وإنما ينتقي منها ما يخدم الهدف التربوي والقيمي. فالإيجاز هنا ليس نقصاً، بل هو عنصر قوة، يفتح المجال للتأمل والتدبر، ويجعل المتلقِّي شريكاً في بناء المعنى.

4- التكرار الهادف

قد تتكرر القصة الواحدة في مواضع متعددة من القرآن الكريم، لكن هذا التكرار يأتي بصيغ وأساليب مختلفة، تبرز في كل مرة بُعداً جديداً من أبعاد القصة. ويُعد هذا التكرار وسيلة اتصالية لتعميق المعنى، وترسيخ القيم في الوجدان.

ثالثاً: القيم المركزية في القصص القرآني

يحمل القصص القرآني منظومة متكاملة من القيم التي تسهم في بناء الإنسان والهوية الحضارية، ومن أبرز هذه القيم:

1- قيمة التوحيد والتحرر

تشكل قيمة التوحيد الأساس الذي تنبنى عليه سائر القيم في القصص القرآني؛ إذ بها يتحرَّر الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله، سواء كانت عبودية الأشخاص أو الأفكار أو الشهوات. ويتجلَّى ذلك بوضوح في قصة إبراهيم عليه السلام، حين أعلن موقفه الحاسم من الشرك، قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:79]. والدلالة هنا أنَّ التوحيد توجيه شامل للوجهة الوجودية للإنسان، يحرِّره من التبعية الفكرية والاجتماعية، ويؤسس لهوية مستقلة واعية.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في سياق محاججة إبراهيم عليه السلام لقومه: {أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ} [الأنعام:80]، حيث يظهر التوحيد بوصفه هداية عقلية ووجدانية، لا مجرد موروث تقليدي.

وفي الواقع المعاصر، ترتبط هذه القيمة بإشكالية الهوية الحضارية؛ إذ يعاني الإنسان المعاصر من تشظي الهوية تحت ضغط العولمة والنماذج الثقافية الوافدة. ويقدِّم القصص القرآني من خلال نماذج التوحيد رؤية متماسكة لهوية إنسانية قائمة على الارتباط بالله، بما يحفظ للإنسان كرامته واستقلاله الفكري.

2- قيمة العدل والمسؤولية

يركز القصص القرآني على قيمة العدل باعتبارها أساس العمران وبقاء المجتمعات، ويُبرز عاقبة الظلم والطغيان في قصص الأمم السابقة. ومن ذلك قصة فرعون، حيث يقول تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً} [القصص:4]، فالدلالة هنا أن الاستعلاء السياسي والاجتماعي مقدِّمة للفساد والهلاك.

كما يؤكد القرآن مبدأ المسؤولية الفردية والجماعية، يقول سبحانه: {وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف:59]، لبيان أنَّ سقوط الحضارات ليس قدراً عشوائياً، بل نتيجة مباشرة لانهيار منظومة العدل السياسي والاجتماعي.

وفي السياق المعاصر، ترتبط هذه القيمة بإشكالية الاستبداد السياسي والاجتماعي، حيث يقدِّم القصص القرآني وعياً نقديًّا يرفض الظلم، ويؤسس لمسؤولية أخلاقية في مقاومة الظلم والفساد، وبناء أنظمة قائمة على العدل والشفافية.

3- قيمة الصبر والثبات

يتكرر إبراز الصبر في القصص القرآني بوصفه قيمة فاعلة تقود إلى التمكين، كما في قصة يوسف عليه السلام، يقول تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90]. والدلالة هنا أن (الصبر) ليس خضوعاً للواقع، بل ضبط للنفس واستمرار في العمل الأخلاقي رغم الابتلاء.

كما يظهر الصبر في قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، حيث تتجلَّى صعوبة بناء الإنسان بعد التحرر، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ}، مما يدل على أن الصبر مطلوب في مواجهة الانحرافات بعد النجاة.

وترتبط هذه القيمة اليوم بإشكالية الضغط النفسي، وفقدان المعنى في الحياة المعاصرة، حيث يقدم القصص القرآني نموذجاً للصبر الواعي الذي يعيد للإنسان توازنه الداخلي وقدرته على الاستمرار، ومواجهة صعوبات الحياة وأزماتها.

ويتكرر في القصص القرآني إبراز قيمة الصبر في مواجهة الابتلاءات، كما في قصة نوح وموسى ويوسف عليهم السلام. ويُقدَّم الصبر بوصفه قيمة فاعلة، تقود إلى الثبات والتمكين والنجاح، لا مجرد حالة سلبية من الانتظار والترقب.

4- قيمة الرحمة والتسامح

تتجلَّى قيمة الرحمة والتسامح في مواقف متعددة من القصص القرآني، ومن أبلغها موقف يوسف عليه السلام مع إخوته بعد التمكين، حين قال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف:92]. والدلالة هنا أن التسامح لا يُلغي العدالة، بل يسمو بها، ويحوِّل الصراع إلى فرصة للإصلاح والتقويم.

كما تظهر الرحمة في العلاقة الأسرية، كما في قصة يعقوب عليه السلام مع أبنائه، حيث قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ} [يوسف:18]، بما يعكس عمق الرحمة الأبوية رغم الألم والمعاناة.

وترتبط هذه القيمة بإشكالية التفكك الأسري والعنف المجتمعي في العصر الحديث؛ إذ يقدم القصص القرآني نموذجاً لعلاقات إنسانية تقوم على العفو والإصلاح والتسامح، بما يُسهم في إعادة بناء الروابط الأسرية والاجتماعية.

وتتجلَّى قيمة الرحمة والتسامح في مواقف متعددة من القصص القرآني، ومن أبلغها موقف يوسف عليه السلام مع إخوته بعد التمكين، حين قال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف:92]، وهو موقف يجسد ذروة السمو الأخلاقي، ويحول الألم الشخصي إلى طاقة إصلاح وبناء.

كما تظهر الرحمة في دعوة الأنبياء لأقوامهم رغم الأذى، كما قال نوح عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً} [نوح:5]، بما يعكس صبراً مشوباً بالشفقة والحرص على هداية الإنسان.

5- قيمة الزهد وترشيد الاستهلاك

يعرض القصص القرآني نماذج توازن بين متطلبات الحياة المادية والقيم الروحية، كما في قصة قارون، قال تعالى: {إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص:76]، ثم بين عاقبته بسبب الاغترار بالمال. والدلالة هنا أن نعمة الثروة إذا انفصلت عن القيم، تحولت إلى نقمة وأداة فساد.

وفي المقابل، يُبْرز القرآن مبدأ الاعتدال، كما في قصة سليمان عليه السلام، حيث جمع بين المُلْكِ والشكر، قال تعالى على لسان سليمان عليه السلام: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل:40].

وترتبط هذه القيمة اليوم بإشكالية النزعة الاستهلاكية وهيمنة المادة على الروح، ويقدم القصص القرآني رؤية أخلاقية تعيد ضبط العلاقة مع المال والاستهلاك ضمن إطار القيم والاستخلاف، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا} [القصص:77].

ويؤكد القصص القرآني أنَّ العدل أساس العمران {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى:15]، وأن الظلم سبب الهلاك {وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ} [القصص:59]. وتبرز قصص الأقوام السابقة، كـ عاد وثمود وفرعون، عواقب الطغيان والاستبداد، {فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا} [العنكبوت:40] بما يعزز وعي الإنسان بمسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية.

رابعاً: التأثير التربوي والحضاري للقصص القرآني

لا يقتصر تأثير القصص القرآني على الفرد، بل يمتد ليشمل المجتمع والحضارة. فعلى المستوى الفردي، فكما يسهم القصص في بناء الضمير الأخلاقي، وتشكيل الوعي، وتوجيه السلوك لدى الفرد، فإنه كذلك يعزِّز الهوية الحضارية للأمة، من خلال ربطها بسلسلة ممتدة من القيم والمبادئ، على المستوى المجتمعي.

وقد أسهم القصص القرآني عبر التاريخ في تشكيل الوجدان الإسلامي، وكان مصدراً للإلهام في الأدب، والفكر، والتربية. كما أنَّ استحضار هذا القصص في الخطاب المعاصر، يمكن أن يُسْهِمَ في معالجة كثير من الأزمات القيمية التي يعاني منها الإنسان اليوم، كأزمة الهوية القيمية، وضعف الانتماء، وهيمنة النزعة المادية.

خامساً: رؤية معاصرة لتفعيل القصص القرآني اتصاليًّا

في ظل التطور الهائل في وسائل الاتصال، تبرز الحاجة إلى تقديم القصص القرآني بأساليب معاصرة، تحافظ على أصالته، وتراعي في الوقت ذاته خصائص المتلقِّي الحديث. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

- توظيف الوسائط الرقمية والمرئية في عرض القصص القرآني، بما يعزز التفاعل والفهم.

- ربط القيم المستفادة من القصص بالواقع المعاصر، وإبراز تطبيقاتها العملية في حياة الفرد والمجتمع.

- اعتماد خطاب تربوي متوازن، يجمع بين العمق العلمي واللغة القريبة من المتلقِّي.

- إدماج القصص القرآني في المناهج التعليمية والبرامج الثقافية، بوصفه أداة لبناء القيم والهوية.

وبذلك يتضح أن القصص القرآني ليس مجرد خطاب وعظي أو سرد تاريخي، بل هو منظومة اتصالية متكاملة، قادرة على بناء الإنسان وترشيد وعيه، وتعزيز القيم والهوية الحضارية في مختلف الأزمنة. وقد أظهرت القراءة التحليلية للشواهد القرآنية أن القيم المركزية في القصص، كالتوحيد، والعدل، والصبر، والرحمة، والزهد، لا تُعرض بوصفها مبادئ نظرية مجردة، وإنما تُقدَّم من خلال نماذج إنسانية واقعية، ومواقف حياتية قابلة للاقتداء والاستلهام.

كما بيّن الربط بين هذه القيم والإشكاليات المعاصرة أن القرآن الكريم يمتلك قدرة فريدة على معالجة أزمات الإنسان الحديث، سواء ما تعلق منها بأزمة الهوية تحت ضغط العولمة، أو بالاستبداد والظلم، أو بالضغوط النفسية وفقدان المعنى، أو بتفكك البنية الأسرية، أو بسيطرة النزعة الاستهلاكية. ويكشف هذا الربط أن القصص القرآني يقدِّم رؤية حضارية شاملة، تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالله، وبذاته، وبالمجتمع، وبالمادة، ضمن إطار الاستخلاف والمسؤولية.

وتؤكد النتائج أن تفعيل القصص القرآني في الخطاب التربوي والثقافي المعاصر، وفق مقاربة اتصالية واعية، يسهم في بناء إنسان متوازن، يجمع بين الإيمان والعقل، وبين القيم والواقع، وبين الثبات على المبادئ والقدرة على التفاعل مع التحولات والمستجدَّات. كما يعزز هذا التفعيل الوعي بالهوية الحضارية للأمة، ويمنحها أدوات أخلاقية وفكرية لمواجهة تحديات العصر.

وبناءً على ذلك، فإنَّ القصص القرآني يظل رصيداً حضاريًّا متجدِّداً، ومصدراً أصيلاً لتعزيز القيم والارتقاء بالإنسان، متى أُحسن فهمه، وأُعيد تقديمه بلغة العصر، دون تفريط في ثوابته أو مقاصده. وهو ما يجعل من استحضاره في مشاريع الإصلاح التربوي والثقافي ضرورة ملحّة، لا غنى عنها في مسار النهوض الحضاري المنشود.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة