الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الزهد الذي يحرّر القلب

الزهد الذي يحرّر القلب

الزهد الذي يحرّر القلب

ليس الزهدُ في الدنيا أن يفرَّ الإنسانُ من أسباب الرزق، أو أن يتركَ ما أباحه الله له من متاع الحياة، ولا أن يعيش صفر اليدين يظنُّ أن الفقرَ وحده طريقُ الصالحين، إنما الزهدُ الحقيقيُّ منزلةٌ قلبيةٌ رفيعة، يتحرر فيها القلب من عبودية الدنيا، فلا تملكه الشهوات، ولا تستعبده الرغبات، ولا يصبح المالُ أكبرَ همِّه، ولا الدنيا نهايةَ آماله.

ولهذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يربط بين صلاح القلب والزهد في الدنيا، فقال كما في حديث أنس رضي الله عنه:"مَن كانتِ الآخرةُ همَّه، جعل اللهُ غناه في قلبِه، وجمع له شملَه، وأتتْه الدنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همَّه جعل اللهُ فقرَه بين عينَيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له".[الترمذي].

قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد السعادة أوالشقاء
فالإنسان إذا جعل الآخرةَ أكبرَ همِّه استراح قلبُه، واجتمعت نفسُه، وهدأت روحُه، لأن قلبه تعلّق بالباقي لا بالفاني، وبالربِّ لا بالخلق، وبالجنة لا بزخارف الطريق. أما من جعل الدنيا أكبرَ همِّه، فقد حكم على نفسه بالتعب الدائم؛ لأن الدنيا لا تعطي أحدًا كفايةً تامة، وكلما نال منها شيئًا طلب ما فوقه.
وقد جاء في الأثار:"الزهد في الدنيا يُريح القلبَ والبدن، والرغبةُ في الدنيا تُكثر الهمَّ والحزن". فإن أكثر الناس تعبًا ليسوا بالضرورة أقلَّهم مالًا، بل ربما كان أشدُّ الناس قلقًا مَن مُلئت خزائنُه، واتسعت تجاراتُه، وكثرت أملاكُه؛ لأنه صار يخاف على ما جمع، ويتعب في حفظه، ويزداد فقرُ قلبه كلما ازداد غناه الظاهر.

وقد كان السلفُ يدركون هذه الحقيقة إدراكًا عجيبًا، حتى قال أبو الدرداء رضي الله عنه:(اللهم إني أعوذ بك من تفرقة القلب). فقيل له: وما تفرقة القلب؟ قال: (أن يكون لي في كل وادٍ مال).
فالمال إذا سكن القلبَ فرّقه، وإذا صار في اليد ولم يتجاوزها لم يضر صاحبه.

ومن هنا نفهم كلام أهل العلم حين قالوا: الزهدُ ليس خلوَّ اليد من الدنيا، وإنما خلوُّ القلب منها.
ولذلك سُئل الإمام أحمد رحمه الله:هل يكون الرجل زاهدًا ومعه ألف دينار؟قال: نعم، إذا لم يفرح إذا زادت، ولم يحزن إذا نقصت.

وهذا هو الفقه الحقيقي في الزهد؛ فكم من فقيرٍ قلبُه متعلّق بالدنيا أكثر من تعلّق الأغنياء بها، وكم من غنيٍّ يعيش زاهدًا؛ لأن الدنيا لم تسكن قلبه، وإنما بقيت في يده.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهد الخلق مع أن الدنيا عرضت عليه وفُتحت عليه، ولكنه كان ينظر إليها بعين الحقيقة لا بعين الافتتان، وكان الخلفاء الراشدون من أزهد الناس مع اتساع سلطانهم، وكان عمر بن عبد العزيز مثالًا خالدًا في الزهد مع أن خزائن الأمة كانت تحت يده.

قال صلى الله عليه وسلم:"ما لي وللدنيا! إنما أنا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"الترمذي.
يا لها من صورة تهز القلب! راكبٌ متعب نزل تحت شجرة ساعةً من نهار، ثم قام وتركها ومضى، فلم يبنِ عندها دارًا، ولم يعلّق قلبه بها، ولم يظنها وطنًا دائمًا.

وهكذا الدنيا عند العارفين بحقيقتها: محطة عبور، لا دار إقامة.
ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:(إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك).
فالزاهد الحقيقي لا يغفل عن قصر الطريق، ولا ينسى أن العمر مهما طال قصير، وأن وراء هذه الدنيا دارًا أخرى هي دار القرار.

وقد وصف الله الدنيا بأوصافٍ تمنع تعلّق القلب بها، فقال سبحانه:{إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد: 20].
فهي لعبٌ يزول، ولهوٌ ينقطع، وزينةٌ تخبو، وتفاخرٌ لا يبقى، وتكاثرٌ ينتهي إلى التراب.
ثم ضرب الله لها مثلًا بديعًا فقال:{كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا}[الحديد: 20]..
فكم من شيءٍ أدهش الناسَ اليوم صار غدًا أثرًا بعد عين!
وكم من قويٍّ صار ضعيفًا!
وكم من غنيٍّ صار فقيرًا!
وكم من ضاحكٍ صار تحت التراب!

وكان إبراهيم بن أدهم يقول كلامًا من أعظم ما قيل في الزهد:(على حسب اقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من الله، وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من الله).

فالقلب لا يتسع للدنيا والآخرة معًا على وجه الكمال؛ إما أن تغلب عليه شهوة الأرض، وإما أن يرتفع إلى عنان السماء، ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا فقال:"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".
فالناس لا يبغضون شيئًا مثل الطامع فيما عندهم، ولا يحبون شيئًا مثل العفيف الزاهد.

ومن أعظم ما يعين على الزهد: أن يعلم العبد يقينًا أن رزقه مكتوب، وأن حرصه لن يزيده شيئًا لم يقدره الله له.
فكم أتعب الناس أنفسَهم في جمع ما لن يأخذوه! وكم تنافسوا على دنيا سيتركونها لغيرهم! وكم خاصموا وقطعوا الأرحام وسهروا الليالي، ثم خرجوا منها كما دخلوا إليها، لا يحملون إلا أعمالهم!.

ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:"ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا".[الترمذي].
لأن المصيبة الحقيقية ليست فوات الدنيا، وإنما فساد القلب، وخراب الدين، والغفلة عن الآخرة.

فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا غاية رغبتنا، واجعل الآخرة أحبَّ إلينا من كل فانٍ زائل.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة