من أعظم مقاصد الزواج بناء بيت مسلم على قواعد الدين وأسسه، يكون لبنة في بناء مجتمع مسلم متكامل سليم ومتين.
وإذا كان من أولى مقاصد الزواج إعفاف كل طرف لصاحبه، فإن هذا الإعفاف إنما هو للإعانة على غض البصر، وصيانة الفرج، وتنقية القلب، وتفريغ العقل عن الانشغال بالقواطع والعوائق، وتصفية النفس عن المنغصات للقيام بحقوق العبادات على أتم وجه وأحسنه.
فالحياة الزوجية في الإسلام ليست مجرد قضاء أوطار، ولا نيل شهوات وملذات في الحلال، كما أن بيت الزوجية ليس مجرد مأوى للأبدان، بل هو محراب تسكن فيه الأرواح، ومدرسة تتخرج فيها الأجيال.
ومن نافلة القول أيضا أن واحدة من أكبر مقاصد الزواج "إعانة كل طرف صاحبه على طاعة الله والقيام بحق عبوديته".. وإلا لما كان التنبيه الشديد في مسألة الاختيار وقيامه على أساس من الدين قبل أي وصف آخر.. فأمر الشرع الرجل باختيار ذات الدين في المقام الأول، ثم تأتي بعد ذلك الصفات الأخرى، كما في حديث (تُنكَحُ المَرأةُ لأربَعٍ: لمالِها، ولحَسَبِها، ولجَمالِها، ولدينِها؛ فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَداكَ)[البخاري ومسلم].
وأمر أولياء المرأة أن يتخيروا لها صاحب الدين والخلق، ويقدموا ذلك على المال وغيره من المرغبات فقال: (إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخُلقَهُ، فأنكِحوهُ، إلَّا تَفعلوهُ تَكُن فِتنةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كبيرٌ)[الترمذي]. وإنما كان ذلك دلالة على أن إقامة الدين في البيت هو أصل الأصول، وهو مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة.
وتعاون الزوجين على العبادات والطاعات والقربات أمر له أثر طيب على حياتهما الأسرية، وسببٌ في أن ينعما بالاستقرار النفسي والاجتماعي، وهو من أعظم وسائل نشر السعادة في البيت المسلم، فحين تبنى البيوت على المحبة والمودة، فإن أعظم ما يثبت بنيانها، ويملأ أركانها بنور السكينة، هو "العبادة المشتركة" بين الزوجين، إنها الحبل المتين الذي يربط القلوب بربها، فينعكس ذلك الرابط السماوي بركةً ورحمةً في الحياة اليومية.
والتعاون على الطاعة فيه مرضاة للرب، وإحياء للقلب، وطرد للشياطين، وتغيير لروتين الحياة الممل. فما أحلى أن ترى زوجين صالحين يتعاونان على طاعة الله!.
صور للعبادات المشتركة
وصور المشاركة في الطاعة والتعاون عليها بين الزوجين كثيرة.. من أهمها وأوضحها:
الإصلاح والصبر عليه
فإذا كان أحد الزوجين مقصرا في حق الله عليه، فعلى الآخر أن يأخذ بيده حتى يعيده إلى الطريق المستقيم.. وهذا الحق يطالب به الزوج في المقام الأول؛ لأنه القيم على الأسرة والبيت، فعليه مهمة كبيرة في دعوة آل بيته، الزوجة والأولاد، وإعانتهم على الطاعة، وتهيئة جو البيت لها، ومنع كل ما يخالف أمر الله وشرعه، وهو يتحمل مسئولية كبيرة في سبيل ذلك، وينبغي أن يكون لديه النفس الطويل والصبر الجميل لتحقيق ذلك؛ كما قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}[طه:132]، وفي الحديث (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في اهل بيته وهو مسؤول عن رعيته..)متفق عليه.
وقد تنعكس الصورة، ويكون التقصير من جهة الزوج، فعلى الزوجة أن تقوم هي بالتذكير الدائم والمستمر بالأسلوب المناسب، واستعمال كل وسيلة طيبة وموعظة حسنة، بحكمة وتعقل، حتى تأخذ بيده للقرب من الله، وأن تكون حكيمة وذكية في التعامل مع زوجها المقصر في العبادة، إذ قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النحل:125].
النصح والتعليم
والتناصح باب واسع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)متفق عليه، وأعظم ما يكون التناصح بين الزوجين للوصول إلى أعلى مستوى من العبودية، وتحقيق أكبر قدر من الحسنات، ومثال ذلك: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرةً حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم. قال النبي: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) "أخرجه مسلم، وأحمد"
العبادات المشتركة
حلقة قرآن، يجلسان فيها سويا "ومع الأولاد"، لقراءة قدر من كتاب الله، وتعلم قواعد تجويده، ويكون لذلك وقت محدد لا يفرط فيه، ولا يؤجل، ولا يتهاون فيه.
جلسة الأذكار: في الصباح بعد صلاة الفجر وقبل شروق الشمس، وكذلك أذكار المساء، فإن أمكن أن تكون مشتركة فهو جميل وحسن، وإن كانت الظروف الحياتية تمنع من ذلك، فالتناصح على الملازمة عليها والمداومة؛ ففيها خير كثير.
جلسات أسرية: مفتوحة، وجميلة ، فيها تشاور وتحاور وذكريات، وربما بعض المسابقات الإسلامية، ونشر المعلومات الدينية.
صلوات النوافل: وهذه ورد فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تدعو إليها وترغب فيها، فمن ذلك:حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها؛ فإن أبى نضحت في وجهه الماء) [أخرجه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح].
فالقضية مبادلة، إن تكاسلت الزوجة فإذا بالزوج يذكر ويعين، وإذا تكاسل الزوج فالزوجة تذكر وتعين، وكل منهما مطالب بتذكير الآخر، فنحن مطالبون بالتعاون مع الزوجات في العبادات والنوافل.
وأيضاً أخرج البخاري في كتاب الوتر في صحيحه باب: إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم أهله بالوتر، عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت).
وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظَ الرَّجلُ أَهلَهُ منَ اللَّيلِ فصلَّيا أو صلَّى رَكعتينِ جميعًا كتبا في الذَّاكرينَ والذَّاكراتِ)[أبو داود والنسائي]. وفي الحديثِ: فضلُ صَلاةِ قِيامِ اللَّيلِ للأُسرةِ جماعةً، وحثُّ الأسرةِ على أن يُنشِّطَ بعضُها بعضًا في أداءِ العِباداتِ وأعمالِ التطوُّعِ.
ومن هذا الباب أيضا دعوة النبي صلوات الله عليه وسلامه الرجال لصلاة السنن والنوافل في البيت، بقوله: (صلوا أيها الناسُ في بيوتِكمْ فإنَّ أفضلَ صلاةِ المرءِ في بيتِهِ إلا الصلاةَ المكتوبةَ) [البخاري ومسلم].. فيه من الفوائد تذكير الأهل والأولاد وتشجيعهم على هذه الأفعال، ولعل منهم من يقف فيصلي معه.
التعاون على صيام التطوع: وهو من أجل القربات، فيتفق الزوجان ومن يقدر من الأولاد على صيام النوافل "ثلاثة أيام من كل شهر"، أو "الاثنين والخميس"، أو غيرها من مواسم الصيام المشروعة، فهو من التعاون على البر والتقوى..
وما أجمل البيت يوم أن تغيب شمسه وقد استعد الزوجان لجلسة الإفطار معاً! ما أحلى هذه الجلسة! وما أسعد هذين الزوجين بالتعاون على مثل هذه العبادات! وما أسعد البيوت بها، وما أطيب الحياة في طاعة الله {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:٩٧] .
إن المشاركة في الطاعات تجمع قلوب الأزواج على الإيمان، وتصفي النفوس من الأدران، وتصونها من الآفات التي تفسد السلوك مما ينعكس أثره على استقرار الحياة الأسرية، ويجدد رابطة المودة بين أهل البيت برباط روحاني رائع بعيدا عن مادية الحياة والانشغال بها.
المقالات

