الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أم لتوأم وأعيش حياة صعبة مع أهل زوجي وتدخلاتهم، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أمٌّ جديدة لتوأمٍ عمرهما 7 أشهر، أهلي ووالدتي بعيدون عني في مدينة أخرى، وبيئتي الحالية تقتصر على أهل زوجي الذين يختلفون عني في الفكر والعادات اختلافاً كبيراً؛ إذ يتدخلون في كل شيء، حتى أدق التفاصيل، ويعتبرون أن "الكنّة" لا رأي لها ولا كلمة، وزوجي يظن أن الوقوف في وجههم أو منعهم يُعدُّ عقوقاً!

أكاد أنفجر من شدة الضغط والحمل الكبير الذي أرزح تحته، وأشعر دائماً أن الله يبتليني بالأصعب من كل شيء، ويجعلني أدفع ثمن كل تجربة أحاول عيشها، وأنه برزقه لي هذا التوأم، لم يمنحني الصبر والقوة الكافيين لتحمل هذا العبء الثقيل!

لقد فقدتُ كل شيء بعد ولادتهما: عملي، ونفسيتي، وطاقتي، وصحتي؛ لم أعد أدرك مواعيد الصلاة، والآلام الجسدية تنهش بدني، ونفسيتي في حالة كارثية، أندم كل يوم على اللحظة التي تزوجتُ فيها وأنجبت، علماً أنني كنتُ عاملةً ومسؤولةً عن بيت والدي ومصروفهم وحياتهم برمتها.

والآن أراهم محتاجين ولا معيل لهم، ولا أستطيع مد يد العون إليهم، كما أن زوجي منذ زواجنا لم ينفق عليّ شيئاً، ولا يزال على حاله هذه، حتى بعد تركي للعمل بسبب رعاية أطفالي؛ مما يعني أنني أواجه ضيقاً مالياً مستمراً، يُضاف إلى كل ما سبق من ضغوط أهل الزوج، ومضايقاتهم، ونقدهم السلبي الدائم، فضلاً عن بُعد أهلي وعجزي عن مساعدتهم، وخسارتي لنفسي وصحتي وسلامي النفسي.

أشعر بأنني في حالة مقاومة وحرب لا تنتهي، وأكاد أُهزم فيها؛ وتراودني فكرة أنه لو لم يكن الانتحار وقتل النفس محرماً، لأنهيتُ معاناتي ومعاناة أطفالي بوجود أمٍّ مكسورة ومنهارة مثلي!

انصحوني، فأنا لم أعد أرى أي ضوء أو أمل!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رهف حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- الذي وهبكِ التوأم أن يُعينكِ على القيام بتربيتهم، وأن يُعينكِ على القيام بشكره وذكره وحُسن عبادته، وأن يُعينكِ على كل أمر يرضيه.

وأرجو أن تستقبلي هبة الله -تبارك وتعالى- بالشكر والرضا، واعلمي أن كبار السن لهم تفكير وطرائق مختلفة، والزوجة عندما تنتقل إلى بيت زوجها ستلاحظ كثيرًا من التغيرات، والإنسان ينبغي أن يكون عنده قدرة على التكيف في التعامل مع الآخرين.

فأرجو أن تفصلي بين تصرفاتهم وبين مشاعرهم الحقيقية تجاه هؤلاء الصغار، وهذا الذي يفعلونه نحن لا نوافق عليه، وربما أجيال الصغار دائمًا -أو الأجيال المتأخرة- لا تقبل تدخلات الكبار، ولكن ينبغي أن نتذكر أنهم يفعلون هذا دون قصد إحراج، وإنما على أنهم يمارسون دورهم كما اعتادوا، كما أشرتِ إلى أن هناك اختلاف في العادات والتقاليد، واختلاف أيضًا في فهم الأجيال لمثل هذه الأمور، والانتقاد الذي يأتيكِ هم يريدون به الخير، ولا تسلم منه أي فتاة في بداية حياتها، لا بد أن تواجه مثل هذه الصعوبات.

لذلك أرجو ألَّا يأخذ الموضوع أكبر من حجمه، واجعلي همكِ القيام بما عليكِ، ولا تحاولي أن تنظري إلى الأمور بطريقة سلبية، واشكري الله -تبارك وتعالى-، واحذري من مظاهر أو كلمات تدل على عدم الرضا بقضاء الله -تبارك وتعالى- وقدره.

واعلمي أن زوجكِ أيضًا في وضع صعب، فيصعب عليه أن يُخالف أهله، ولكن أرجو أن تُشجعي تواصله معنا، حتى نوصيه بوصايا قد تكون في غاية الأهمية بالنسبة له، وأهلكِ سيحفظهم الله -تبارك وتعالى-، وبلا شك هم سعداء بما رزقكِ الله -تبارك وتعالى-، وأنا أكلمكِ بمشاعر والد، الوالد والوالدة عندهم استعداد كبير أن يصبروا ويتحملوا، طالما كانت ابنتهم في بيت زوجها ومع أطفالها.

أمَّا بالنسبة للتقصير المالي من زوجكِ، فنحن قطعًا لا نؤيد هذا، ولكن بعض الأزواج يعتقد ويظنّ أنه إذا وفّر كل الاحتياجات فهذا يكفي، وهذا أيضًا يرتبط بأعراف الناس؛ ففي بعض البيئات الرجل يُوفّر فيها كل شيء ولا يُعطي زوجته مصروفًا في يدها، لكنه يُلبي كل الاحتياجات ويقوم بما عليه.

ونتمنى ألَّا يصل الأمر إلى مجرد التفكير في الانتحار، وقد أحسنتِ إذ تركتِ هذا التفكير، فهو حرام لا يقبله الله -تبارك وتعالى-، والأطفال الصغار -بإذن الله- لن يعانوا، ولن يجدوا صعوبات في حياتهم، بل أنتِ ينبغي أن تتحملي، واعلمي أن الأم ما رفع الله قدرها ولا أعطاها هذه المنزلة الرفيعة في البر إلَّا لأنها تعاني، أم الطفل الواحد تعاني فكيف بأم التوأم! نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يحفظهم.

والذي يُخرجكِ من الانهيار، هو أن تكوني راضية بقضاء الله، شاكرة لنعم الله -تبارك وتعالى-، متذكرة أن هؤلاء الكبار يتصرفون بهذه الطريقة معكِ ،ومع كل فتاة تبدأ حياتها بالطريقة التي أشرتِ إليها؛ تُنجب طفلًا أو طفلين، وستجد تعليقات وملاحظات على كل تصرفاتها تجاه أطفالها، والحياة مدرسة، والإنسان يتعلم الكثير.

لكن أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينكِ على تجاوز هذه الصعاب، وتجنبي التفكير السلبي، وتجنبي النظر إلى الوراء، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يكتب لكِ السلامة والعافية.

واعلمي أن حرصكِ على الصلاة وأدائها مما يُخفف عليكِ الآلام النفسية، وما يحصل من المرأة بعد إنجاب أطفالها من بعض التأخير لبعض الطاعات أمرٌ طبيعي، ولكن ينبغي أن تُحافظي على الأشياء الأساسية، وهي الصلاة في وقتها، وطبيعي أن تفقد المرأة بعض الحماس في كثير من شؤونها بعد إنجاب أطفالها، وعليها أن تتذكَّر أن التعامل مع الأطفال أجره عظيم.

ولذلك لما عاب بعضهم أو تأثرت بعضهنَّ بأنها تركت قيام الليل وتلاوة القرآن لانشغالها بأطفالها، قال الإمام أحمد: "ذلك أفضل ممَّا كانت تقوم به"؛ لأن هذه رعاية لهؤلاء الأطفال الذين نسأل الله أن يُصلحهم ويُنبِتهم نباتًا حسنًا، فأنتِ بخير وفي خير، ومأجورة في كل الأحوال ما دمتِ راضية بقضاء الله وقدره.

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُسهّل أمركِ، وأن يُلهمكِ السداد والرشاد، هو وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً