الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أهملت دراستي وحياتي بسبب الوساوس حول الأحاديث التي تخص المرأة!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاةٌ أعاني منذ صغري من الاكتئاب والوسواس القهري، وقد ساءت حالتي عندما قرأتُ أحاديثَ معينةً تخصُّ المرأة؛ فكلما قرأتُ بعض الأحاديث أشعر بانقباضٍ وحزن.

عندما سألتُ البعض، قالوا لي: "راجعي إيمانكِ، ولا تُلحدي"، مع أني -والله العظيم- أصوم، وأصلي، وأتصدق، وأقوم الليل، وأدعو الله أن يهديني، لكنَّ وسواس الشك في الدين يرهقني، ولديَّ وسواسُ الموت أيضًا، وبما أني بطبيعتي حساسةٌ جدًا، فقد توقفتُ عن البحث عن أي حديثٍ يخص المرأة؛ خشية أن أفهمه خطأً.

السؤال: هل أنا مذنبة؟ وهل الله لا يحبني لمجرد كوني فتاة؟ أنا أعاني كثيرًا، ووالله لقد أهملتُ دراستي، وانعزلتُ، وأُصبتُ بضيقٍ شديد، بالإضافة إلى ذلك، عندما أتوقف عن البحث في هذه الأحاديث وأشغل نفسي، يخبرني الوسواسُ أني مذنبة، رغم أنَّ حالتي النفسية لا تسمح لي بقراءة شيء، حتى أصبحتُ أرى كل شيءٍ حرامًا؛ البرامج، وأفلام الكرتون، والدراسة!

ساعدوني، جزاكم الله كل خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مها حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أختي الكريمة، أسأل الله أن يربط على قلبك، ويشرح صدرك، ويجعل ما تمرين به رفعة لك لا سببًا في بعدك عنه.

ما تصفينه يجمع بين حساسية نفسية عالية، واكتئاب، ووسواس قهري فكري وديني، وهذه الثلاثة إذا اجتمعت جعلت صاحبها يرى الأمور بغير حقيقتها، ويشعر بالذنب والحزن حتى مع الطاعة، وليس هذا دليل ضعف الإيمان، ولا علامة على بغض الله لعبده، بل كثيرًا ما يكون العكس تمامًا.

من الناحية الشرعية، فكونك تصلين، وتصومين، وتقومين الليل، وتتصدقين، وتلجئين إلى الله بالدعاء، مع كراهتك للوساوس وخوفك من الانحراف، كل ذلك يدل على حياة القلب لا على فساده، والوساوس في العقيدة لا يُؤاخذ بها العبد ما دام يكرهها ولا يطمئن لها، وقد أخبر النبي ﷺ أن وجودها مع كراهيتها هو من صريح الإيمان، لأن الشيطان لا يوسوس إلا لمن أراد أن يحزنه ويشوش عليه طريق الخير، فاطمئني، أنت غير آثمة، ولا يدل ما تمرين به على أن الله لا يحبك، بل الله أرحم بك من نفسك، ويعلم ضعفك وصدقك، ولا يكلف نفسًا إلا وسعها.

وأما ما شعرتِ به عند قراءة بعض الأحاديث المتعلقة بالمرأة، فالذي يحدث غالبًا ليس رفضًا للدين، بل تفاعل نفسي قلق مع نصوص لم تُفهم في سياقها الصحيح، أو قُرئت وأنت في حالة نفسية مرهقة، فزاد الوسواس من تضخيم المعنى وربطه بالخوف والحزن، تركك للبحث في هذه المرحلة ليس ذنبًا، بل قد يكون حكمة ورحمة بنفسك؛ لأن طالب العلم يحتاج إلى سكينة واستقرار، لا إلى عقل مرهق وقلب موجوع، والدين لا يطلب منك أن تكسري نفسك لتفهمي، بل يأمرك أن تسألي وتتعلمي حين تكونين قادرة.

من الإشكالات في قضية المرأة، أن الإعلام ضخمها بشكل كبير، وأوهم النساء أن كل القضايا محورها المرأة، ولذا أصبحت النساء تقيس الأوامر الإلهية بمدى ارتباطها بقضية المرأة، فإذا جاءت لقضية الميراث مثلاً، نظرت لها من زاوية محددة وهي: لماذا ليس هناك تساوٍ بين الرجل والمرأة؟ مع أنها لو قرأت قليلاً لوجدت أن للرجل مثل حظ الأنثيين في أربع مسائل فقط، وكثير من المسائل تأخذ مثل الرجل، وحالات تأخذ أكثر من الرجل، ولكن الإعلام ركز فقط على هذه المسائل الأربع، وأوهم المرأة أنها مظلومة.

ونصيحتنا ألا تشغلي نفسك بهذه القضية، ورددي دائماً أن الله أرحم بعباده وأعلم، وليس في الشرع ما يحقر المرأة أو يهينها، فمن خلقها هو من شرع لها هذا الشرع الحكيم، وهو الذي رفع شأنها، وجعل منهن العابدات الصالحات اللواتي ذكرن في القرآن، مثل مريم وآسية زوجة فرعون، وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهن وأرضاهن.

وننصحك إن وجدت متسعاً من الوقت أن تتعلمي دينك، وتتحصني بالعلم الشرعي، والفكر الواعي المستنير، الذي لا يتأثر بأفكار النسوية، المدعيات نصرة المرأة، وهن في الأساس يردن تفريغ المرأة من أنوثتها، وجعلها كالرجل، ظناً منهن أن هذه هي المساواة، وفي الحقيقة هو انسلاخ للمرأة من مكانتها التي أعطاها ربها سبحانه وتعالى، وجعلها تهيم في الحياة لتكون كالرجل، فلا هي أنثى بقيت، ولا رجلاً أصبحت.

من الجانب النفسي: ما تعانين منه يشبه ما يُسمى بالوسواس الديني القهري، حيث يتحول الخوف من الخطأ إلى شعور دائم بالإثم، حتى في المباحات، فيُصوِّر لك الوسواس الدراسة حرامًا، والترفيه حرامًا، والراحة ذنبًا، وهذا ليس من التقوى في شيء، بل هو من مكايد الشيطان التي تُفضي إلى الانعزال وترك الدراسة وضيق الصدر، الدين جاء لرفع الحرج، لا لتعميقه، قال تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.

أما اجتماعيًا: فإن انعزالك وتركك للدراسة يزيدان حدة الاكتئاب والوسواس؛ لأن الفراغ يغذي الأفكار القهرية، ويجعل العقل يدور في دائرة مغلقة، والعودة التدريجية للحياة، ولو بخطوات بسيطة، جزء من العلاج وليس تقصيرًا في الدين.

والطريق العملي الذي ينفعك -بإذن الله- يبدأ بأن تتوقفي عن مجادلة الوسواس أو محاولة إقناعه، فكلما ناقشتِه زاد، بل إذا جاءك شعور الذنب أو فكرة أنك مذنبة أو أن كل شيء حرام، قولي في نفسك: هذا وسواس، ثم أشغلي نفسك دون رد أو تحليل، احرصي على أذكارك اليومية، لا بكثرة مرهقة، بل بثبات وطمأنينة، أعيدي ترتيب يومك بنشاطات مباحة تحبينها، واعملي على العودة لدراستك خطوة خطوة، لا دفعة واحدة، والأهم أن تطلبي مساعدة مختص نفسي أمين، فالعلاج النفسي لا يناقض الإيمان، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.

وأخيرًا: اعلمي يقينًا أن الله لا يكره عبده الضعيف الذي يجاهِد، ولا يعاقبه على مرضه، بل يعينه ويثيبه على صبره، ما تمرين به ابتلاء، لا علامة هجر، والله تعلى أمرنا أن نأخذ بأسباب العلاج ليكون الشفاء والتعافي من الله.

ثقي أن رحمة الله أوسع من أفكارك، وأنه سبحانه أقرب إليك مما تتصورين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً