الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أريد نصح الناس ولكني أخاف من الرياء ونقد الآخرين!

السؤال

السلام عليكم

أريد أن أنصح الناس وأرشدهم من حساب غير حسابي الأصلي المعروف، لكني خفت أنني إن فعلت ذلك أكون قد أشركت -والعياذ بالله- لأنني أخاف أن أنصح الناس بهذه الطريقة، خوفًا من النقد وما إلى ذلك، ولا أعرف لماذا يتكون لدي هذا الشعور بالخوف! وليس فقط في أمور الدين، بل إنني أخاف في أشياء كثيرة خوفًا غير طبيعي.

أحيانًا لا أعرف هل هذا مرض، أم لأن شخصيتي ضعيفة، أم لسبب آخر، وأنا أريد أن أكون شجاعة ولا أخشى شيئًا إلا الله، فماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عائشة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك تواصلك لطلب المساعدة والنصح من موقع اسلام ويب، واعلمي أن حرصك على هداية الناس والدلالة على الخير دليل حياة قلبك، وخوفك من الوقوع في الشرك أو الرياء يدل على تعظيمك لله، لا على ضعف إيمانك، بل هذا من علامات الصدق إن أُحسن التعامل معه ولم يتحول إلى وسواس مُعطِّل.

اعلمي أن النصح والدعوة إلى الخير عمل صالح مأجور، والأصل فيه الإخلاص لله، وليس شرطًا أن يكون باسمك الحقيقي أو أمام الناس جميعًا، والبعض من أهل العلم قرروا أن إخفاء العمل الصالح أحيانًا يكون أبلغ في الإخلاص وأبعد عن الرياء، خاصة إذا كان الإنسان يخشى على قلبه أو يخاف الأذى والنقد، فكونك تختارين حسابًا غير معروف لا يعني شركًا ولا رياءً، بل قد يكون من باب سد الذرائع وحفظ النية، ما دامت نيتك أنك تفعلين ذلك لله لا طلبًا لمدح الناس، وإنما دفعًا للحرج أو الأذى.

ان الخوف الذي تشعرين به ليس بالضرورة ضعف شخصية، بل يظهر من وصفك أنه أقرب إلى قلق داخلي زائد وحساسية مفرطة تجاه تقييم الآخرين، وهذا أمر شائع عند بعض الفتيات، ويزداد مع التفكير الزائد ومحاسبة النفس بشدة، والخوف المرضي يتميز بأنه يعطل الإنسان عن الخير والطاعة، ويجعله يتردد حتى في الأمور المباحة أو الحسنة، ويغلف ذلك بتأنيب ووساوس، وهذا يحتاج إلى تهدئة نفسية لا إلى قسوة على الذات.

ونحن دينيًا غير مطالبين أن نكون بلا خوف، بل أن نضبط الخوف ونوجهه، والخشية المطلوبة شرعًا هي خوف القلب من الله مع العمل، لا خوف الشلل والتراجع، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخافون الرياء، ومع ذلك لم يتركوا العمل الصالح، بل جمعوا بين الخوف والمضي فيه مع كثرة الدعاء، وكان عمر بن الخطاب يقول: “اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا”.

حاولي أن تصححي المفهوم في داخلك: فالإخلاص لا يعني أن تتوقفي عن العمل، بل أن تستمري فيه مع مجاهدة النية، ولو ترك الناس الخير خوفًا من الرياء لما بقي خير يُفعل، إذا نويتِ النصح ابتغاء وجه الله، ثم جاءك خوف أو تردد، فافعلي الخير وقولي في قلبك: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)، فهذا الدعاء دواء عظيم لهذه الحالة.

اما عن الجانب النفسي؛ من المهم أن تعملي على تقوية نفسك تدريجيًا، لا بالقفز المفاجئ، ابدئي بخطوات صغيرة، كالنصح بكلمات عامة، أو نشر آية، أو حديث صحيح مع تفسير موثوق، دون الدخول في جدال أو انتظار تفاعل الناس، لا تراقبي ردود الأفعال، ولا تجعلي قبول الناس أو نقدهم مقياسًا لقيمتك أو لصحة عملك، ثقي أن من عمل لله كفاه الله الناس.

نظمي يومك، واهتمي بصلاتك وأذكارك، خاصة أذكار الصباح والمساء؛ فإنها تُثبّت القلب، وتقلل القلق، واحرصي على قراءة شيء عن الإخلاص وحقيقة الرياء من مصادر موثوقة؛ لأن الجهل بهذه المسائل يزيد الوسواس، وإن لاحظت أن الخوف يعمّ حياتك كلها، ويمنعك من قرارات طبيعية أو علاقات سوية، فلا حرج أبدًا من استشارة مختصة نفسية، فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.

نسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويقوي ظهرك، ويوفقك لفعل الخير في كل أعمالك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً