الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بمغص وغثيان عندما آكل في بيت مخطوبتي، فما السبب؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندي مشكلة لا أعرف لها حلاً ولا سبباً؛ فأنا -ولله الحمد- خطبت فتاة محترمة وملتزمة ومن بيت طيب، وهي على قدر من الجمال مرضي جداً بالنسبة لي، إلا أنني أعاني من مشكلة تتكرر في كل زيارة لبيتهم؛ حيث أشعر بمغص شديد في بطني وغثيان، وأحياناً أصل لمرحلة القيء، (وقد حدث ذلك مرتان)، لا أستطيع الأكل عندهم إطلاقاً بسبب هذا الغثيان، وهذا الأمر يسبب لهم حزناً شديداً.

أنا في المعتاد أكون بخير، وآكل بشكل طبيعي، لكن هذه الحالة تلازمني فقط عند زيارتهم، لا أعرف هل الموضوع أصبح "إيحاءً نفسيًا" أم له سبب آخر؟

أرجو الإجابة لأن الموضوع يؤرقني جداً من الناحية النفسية.

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وللرد على استشارتكم أقول مستعيناً بالله تعالى:

إن من نعم الله على العبد أن يرزقه زوجة صالحة متدينة، ومن أسرة محترمة ذات خلق ودين، وهذا ما أوصى به النبي ﷺ بقوله: (تُنكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لجمالِها، ولحسَبِها، ولمالِها، ولدِينِها، فعليكَ بذاتِ الدِّينِ ترِبَت يداكَ)؛ ومعنى "تربت يداك": التصقت بالتراب، فلا خير في زوجة لا دين لها، ولا بركة فيمن كانت سبب فقر زوجها، فأنت وهبك الله فتاة ذات دين وخلق، وعندها من الجمال ما يجعل نفسك ساكنة مطمئنة.

صلِّ صلاة الاستخارة كما ورد في البخاري عن جابر مرفوعاً، وهي أن تصلي ركعتين من غير الفريضة، تقرأ فيهما بالفاتحة وما تيسر من القرآن، وقبل السلام من الصلاة تأتي بهذا الدعاء: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر، (وتسمي حاجتك) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر، (وتسمي حاجتك) شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به).

طلب الخيرة من الله مريح للقلب؛ فالله لن يختار لعبده إلا ما كان فيه خير له، واختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه، فبعد أن تصلي صلاة الاستخارة امضِ في موضوع الخطبة، فإذا سارت الأمور على ما يرام، وتم الاتفاق بكل يسر وسلاسة، فهذا يدل على أن الله قد اختار هذه الفتاة لتكون زوجة لك، وإن حصل اختلاف ولم تتوصلوا إلى حل، فهذا يعني أن الله صرفك عنها، فاحمد الله واخرج بسلاسة وهدوء.

هذه الفتاة لا تزال أجنبية بالنسبة إليك؛ ولذلك فالزيارة لها خلال هذه الفترة تكون قليلة مع وجود بعض محارمها، ولا يجوز الاختلاء بها، والغرض من الزيارة التعرف عن قرب إلى طريقة تفكيرها، والتشاور في بعض الأمور التي تؤسس للأسرة، والتعرف على بعض أخلاقها وسلوكياتها، ويمكن في بعض الأحيان أن تتواصل معها عبر الهاتف دون الدخول في تحريك مشاعر الحب؛ لأنه لا يجوز في هذه الفترة بناء علاقة حب كونها ليست زوجة، ويمكن لأي منكما فسخ الخطبة في أي وقت لسبب أو لآخر، والزيارات والاتصالات إنما تجوز للحاجة التي ذكرتها في هذه الفقرة، فإن تعرفت إلى ما تريد قطعت الزيارات والاتصالات حتى يتم عقد الزواج.

ما تعاني منه ليس مرضاً عضوياً، بدليل أنه يحدث فقط عند زيارتك لمخطوبتك وأسرتها؛ فالذي يبدو أن ما يحصل معك أثناء الزيارة ناتج عن التوتر النفسي بسبب اجتهادك أن تكون مثالياً، وربما متكلفاً بعض الشيء، وترغب في إرضاء الناظرين والسامعين لك، وعندك رهبة وخوف من أن تقيمك أسرتها أو تقيمك هي تقييماً خاطئاً، وهذا كله ينتج عنه هذا التوتر النفسي فيظهر في جسدك على هيئة مغص وغثيان وقيء.

من الأسباب التي تجعل هذه الأعراض تظهر أثناء الزيارة الخوف من الإحراج، والتركيز الزائد على نفسك وأدائك، فيترجم الجسم هذا الخوف والتركيز بصورة تقلصات في القولون والمعدة، فتفرز المعدة حمضاً زائداً وقد تشعر بتلك الحموضة بصورة استرجاع مريئي، وربما حصل لك غثيان وقيء، هذه الأعراض لا تحدث لك عند غيرهم، ويعود السبب إلى أن الأكل في غير بيتهم لا يوجد فيه توتر ولا مراقبة للذات وأدائها، ويكون الذهن مرتاحاً ولا يوجد أي توتر ولا قلق، وهذا أمر واضح إن شاء الله تعالى.

من خلال زياراتك المتكررة، قد تجد هذه الأعراض في أول زيارة أشد من الزيارة الثانية، وتخف كلما اعتدت على زيارتهم؛ فلعل القيء يختفي ويبقى شيء من الغثيان، ثم يزول الغثيان فيما بعد، وهكذا كلما زرتهم وأنت مرتاح البال غير قلق.

احذر من تفسير هذه الأعراض بأنها سحر أو عين، فهذا أمر غيبي، ولكن لا يمنع هذا من أن ترقي نفسك بنية الاستشفاء والتحصن بالرقية، وإذا لم تخف هذه الأعراض، فيمكنك زيارة طبيب مختص بالباطنية؛ فلعله يصف لك بعض العلاجات التي تذهب عنك التوتر، فتذهب عنك ما تعاني منه؛ فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله.

نوصيك بالمحافظة على أذكار اليوم والليلة في أوقاتها، ففي ذلك تحصين لنفسك وطمأنينة وراحة لقلبك، الزم الاستغفار وأكثر من الصلاة على النبي ﷺ؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال لمن قال له "أجعل لك صلاتي كلها": (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ).

اشرب النعناع قبل الذهاب في المرة القادمة، فمن خصائصه أنه يهدئ الأعصاب، وقريباً منه اليانسون، ذهابك وقد أتيت بأذكار الصباح أو المساء مهم للغاية، وكذلك إتيانك بأذكار الدخول للمنزل مهم، ويمكنك الاستفادة من كتاب "حصن المسلم" للقحطاني.

لا تجبر نفسك على الأكل الكثير، واكتفِ بلقيمات أخذاً بخاطر أسرة مخطوبتك، ولا تركز على ألم معدتك أو الغثيان أو التقيؤ، وأشغل نفسك بالكلام معهم، لو كانت هذه الأعراض تظهر لك عندهم وعند غيرهم، فهذا سيدلنا على أنك تعاني من مرض عضوي، وهذا يتطلب طلب العلاج لدى طبيب مختص؛ لأن هذا هو المقلق، وأما في مثل حالتك، فالسبب نفسي، وهو قابل للعلاج بإذن الله تعالى.

نسأل الله تعالى لك التوفيق، وأن يختار لك ما فيه الخير، ويسمعنا عنك خيراً، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً