الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رغم اجتهادي في الذكر والعبادات لا أشعر بالقرب من الله، فما العمل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نشكر لكم عظيم نفعكم، ونسأل الله أن يجعل كل ما تفيدوننا به في ميزان حسناتكم، والحمد لله رب العالمين.

أنا فتاة في مشارف العشرين من عمري، مَنّ الله عليَّ بارتداء النقاب منذ أشهر، وأعيش حالة من الالتزام الديني منذ قرابة عامين.

في بداية عهدي بالهداية، كنت أجد في قلبي قربًا شديدًا من الله، وفرحًا يغمر روحي، وطاقةً وقَّادةً في الإقبال على الطاعات، أما اليوم فإني أكابد ثقلًا في نفسي، وقسوةً في قلبي، ويخالجني حزن وضيق لا أدرك كنههما.

وعلى الرغم من محافظتي على الصلاة المفروضة، ووردي اليومي من القرآن الكريم، وأذكار الصباح والمساء، وصلاة الضحى، ومواظبتي على صيام داود -عليه السلام- منذ مدة، واجتهادي في الصدقة بجهدي، وتركي للمحرمات من تبرج وأغانٍ وعلاقات، وتحرزي من الغيبة والكذب إلَّا ما كان من زلل بشري؛ إلَّا أني لم أعد أشعر بذاك القرب الذي كان يملأ جوانحي.

أجد يومي يمضي دون أثر روحي ملموس، وقد استثقلتُ الذكر والدعاء، ويؤرقني تركي لقيام الليل بعد أن كنتُ قد شرعتُ فيه؛ إذ يغلبني التعب والنعاس جراء ضغط الدراسة، حتى إني قد أستيقظ في الثلث الأخير للمذاكرة ولا أصلي، مما يورثني وخزًا شديدًا في الضمير وتأنيبًا للنفس.

أعقد النية كل يوم على الاستزادة من الذكر والقيام والسنن الرواتب، لكن التقصير يتكرر، فأخشى أن تكون أعذاري أوهامًا، أو أن يكون قلبي قد ران عليه، وهذا التفكير يضاعف حزني الذي بات ظاهراً على محياي، مما يضعف همتي ويطفئ جذوة فرحي.

لا أبدد وقتي في متابعة المسلسلات أو مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أنشغل بقراءة الروايات، ومع ذلك أشعر بضيق ووحدة موحشة، ويراودني الخوف من أن يكون حالي هذا نفاقًا؛ لأن الناس يرون ظاهري الملتزم ويظنون بي الصلاح، بينما يغلي داخلي بالحزن والفتور.

لا أجد من يفهمني أو أبث له شكواي، فأبقى وحيدة رغم تلمسي للأنس، مما يزيد من لوعة ألمي، أحتاج إلى فهمٍ لحالتي ونصيحةٍ تعينني على الثبات، وتجديد صدق الإقبال على الله، فقد بهت ذاك الشوق الأول رغم بقاء الطاعات الظاهرة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعنا إسلام ويب، ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظكِ من كل مكروه وسوء، فقد استمعنا جيدًا إلى حديثكِ، ودعينا نجيبكِ من خلال ما يلي:

أولاً: اعلمي أن الشعور الذي كنتِ تعيشينه في البدايات من فرح وقوة وانشراح ولذة، هو ما يسميه أهل العلم والتربية (نشوة الإقبال)، وهي نعمة من الله يذوقها العبد في أول الطريق؛ تشجيعًا وتثبيتًا وتحبيبًا، لكنها لا تدوم على حالها، ولو دامت لما تميز الصادق من غيره، ولا ظهر معنى المجاهدة ولا الصبر، وزوال هذه النشوة لا يعني زوال القرب، بل يعني انتقالكِ من مرحلة المشاعر إلى مرحلة العبودية الواعية.

ثانيًا: قسوة القلب التي تشكين منها ليست بالضرورة قسوة حقيقية، بل كثيرًا ما تكون إجهادًا نفسيًا وروحيًا بسبب كثرة المحاسبة، وكثرة التكليف الذاتي، وكثرة مقارنة حالكِ اليوم بحالكِ بالأمس، أنتِ تحملين نفسكِ فوق طاقتها دون أن تشعري، وتظنين أن القرب من الله يجب أن يكون دائماً مصحوباً بلذة ظاهرة، وهذا تصور غير دقيق؛ فالقرب الحقيقي قد يكون في الثبات وقت الجفاف، لا في النشاط وقت السعة.

ثالثًا: كثرة الطاعات الظاهرة مع غياب الشعور لا تعني نفاقًا، بل النفاق أن يترك الإنسان الطاعة ولا يبالي، أو يفعلها رياءً للناس وهو مطمئن لذلك. أما أن تفعلي الطاعة، وتحزني لأن قلبكِ لا يحضر، وتتألمي لفوات القيام، وتخشي أن يكون فيكِ خلل، فهذا دليل حياة القلب لا موته؛ فالقلب الميت لا يتألم، ولا يسأل، ولا يبكي على ما فاته.

رابعًا: قيامكِ بالطاعات الكثيرة مع شعور الثقل أمر طبيعي، والله يريد منكِ الثبات والصدق والاستمرار.

خامسًا: أما ترك قيام الليل بسبب الدراسة أو التعب، فليس دليلاً على سقوطكِ، ولا على طبع القلب، قيام الليل نافلة عظيمة، لكنه ليس فرضًا، والله لا يطالبكِ بما يضركِ أو يرهقكِ، ويمكن أن يتحقق القيام بالحد الأدنى كركعتين قبل الفجر، أو بعد العشاء مباشرة، الخطأ الذي يخشى عليكِ منه هو في "جلد النفس" الذي قد يكون وسيلة صدٍّ عن الطاعة.

سادسًا: الوحدة التي تشعرين بها ليست لأنكِ بعيدة عن الله، بل لأنكِ بحاجة إلى حياة اجتماعية آمنة مكونة من صداقات دعوية دافعة للطاعة، الالتزام لا يلغي حاجتنا للصحبة الصالحة، للكلمة الطيبة، لمن يسمعنا دون أحكام، عزل نفسكِ عن كل شيء ثم مطالبة قلبكِ أن يبقى مشتعلاً وحده أمر قاسٍ؛ فابحثي عن رفقة صالحة آمنة، ولو واحدة، تتحدثين معها وتشاركينها بعض اهتمامكِ.

سابعًا: احذري من وسوسة (نفاق القلب)؛ فهذه من أخطر ما يصيب الملتزمين، لأنها تسرق منهم الفرح، وتحوّل الطاعة إلى عبء، ليس كل حزن علامة نفاق، وليس كل فتور علامة رد؛ فالقلوب تمر بمواسم، والله يتعبدنا في الرخاء كما يتعبدنا في الضيق.

ثامنًا: نصيحتي لكِ باختصار عملي:

- خففي عن نفسكِ ولا تزيدي التكليف.
- ثابري على الفرائض وما اعتدتِ عليه من ورد يسير.
- لا ترفعي السقف كل يوم، ثم تحزنين إذا لم تبلغيه.
- اجعلي لكِ لحظة يومية صادقة مع الله، بلا برنامج ولا عدد، مجرد حديث قلب.
- واذكري دائمًا قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}.

نسأل الله أن يشرح صدركِ، ويؤنس وحشتكِ، ويعيد إلى قلبكِ السكينة، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً