الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأمراض التي أصابت أولادي: هل هي ابتلاء أم عقوبة على ذنوبي؟

السؤال

السلام عليكم.

رزقت بطفل عنده توحد، أشعر أنه ابتلاء وكرب شديد، هو مرهق لأبعد حد، حياتي تغيرت، وأصبحت لا تطاق، فهي عبارة عن شقاء يومي، كما رزقت قبله بطفلة عندها بهاق، الفكرة أنني أشعر بذنب عظيم تجاههما، أشعر أن الله عاقبني بذنوبي، وانتقم مني في أولادي.

أنا أحمد الله، ونادم على كل الذنوب الكبيرة التي ارتكبتها من قبل، ولكن كلما نظرت إليهما شعرت بأنني السبب في تدمير أسرتي، ماذا أفعل ليغفر الله لي؟ ويرفع البلاء عني؟ وأستطيع مواصلة حياتي؟ وهل يمكن أن يغفر الله لمن ارتكب ذنوبًا كبيرةً، ويصبح كمن لم يرتكبها أصلاً؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ احمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك، ونسأل الله أن يربط على قلبك، ويجبر كسرك، ويخفف عنك ما أثقلك، وأن يفتح لك أبواب الرجاء والطمأنينة، ودعنا نجيبك من خلال ما يلي:

1- من المهم ابتداءً أن تحدث توبة صادقة عن الذنب، أو الكبيرة التي وقعت فيها، توبة يكون فيها ندم حقيقي، وإقلاع، وعزم على عدم العودة، مع الإكثار من الاستغفار، لا استغفارًا باللسان فقط، بل استغفار يحمل معنى الرجوع والانكسار بين يدي الله؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، والتوبة الصادقة إذا وقعت قُبلت، وإذا قُبلت محا الله بها الذنب كأنه لم يكن، بل قد يقلبه إلى حسنات، قال الله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات)، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)، فإياك أن تجعل التوبة باب رجاء، ثم تغلقه عنك باليأس، وسوء الظن بالله.

2- هذه الدنيا في أصلها دار ابتلاء، لم تُخلق لتكون دار راحة كاملة، ولا سعادة خالصة، وإنما خُلقت للاختبار، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾، والابتلاء ليس بالضرورة علامة سخط أو غضب، بل قد يكون علامة محبة واصطفاء؛ فالأنبياء وهم صفوة الخلق ابتلوا بأشد البلاءات، ابتلي نبي بفقد الولد، وابتلي آخر بالمرض، وابتلي ثالث بالأذى والتكذيب، وقال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ»، فالعبد عبد، والرب رب، وليس لنا إلا التسليم والرضا، مع الأخذ بالأسباب وبذل الجهد، فالرضا لا ينافي الألم، وإنما يمنع الاعتراض وسوء الظن.

3- من طبيعة الإنسان أن يرى ابتلاءه أعظم الابتلاءات، لأنه يراه بعينه، ويعيشه بقلبه، فمن حُرم الذرية يرى نفسه في أعظم البلاء، ويتمنى لو رزق ولدًا واحدًا ولو كان مريضًا، فقط ليقول له يا أبي، ومن ابتلي بولد مريض يرى أن حياته شقاء لا ينتهي، ومن يفترش الأرض، ويلتحف السماء، وقد فقد أهله جميعًا، يرى نفسه أشد الناس بلاءً، ومن ابتلي بالخوف الدائم، أو الفقر المدقع، يرى أن لا أحد أشقى منه، وهكذا تتعدد صور البلاء، ولو كشف الله للناس أقدار غيرهم، لاختار كل واحد قدره الذي هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فالابتلاءات تتفاوت صورها، لكن القلوب هي التي تحتاج إلى الفهم والطمأنينة.

4- ولداك ليسا بالضرورة عقوبة لك، ولا انتقامًا من ذنوبك، بل هما أمانة واصطفاء، وقد يكونان غدًا سبب رفعتك يوم القيامة، فلا يحمل الله طفلاً وزر أبيه، ولا يعاقب بريئًا بذنب غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، وما تشعر به من ذنب تجاههما هو حب ممزوج بالألم، لا حكمًا شرعيًا، ولا حقيقةً عقديةً، وإياك أن تجعل الشيطان يربط بين ذنب تاب الله عليك منه، وبين أقدار الله الجارية في خلقه.

5- اعلم أن التعامل الصحيح مع البلاء لا يكون بانتظار زواله فقط، بل بتحويله إلى عبادة؛ فكل تعب مع أولادك، وكل صبر، وكل حرقة قلب إذا احتسبتها عند الله كانت لك نورًا وأجرًا، وقد قال النبي ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ … إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ خَطَايَاهُ»، وربما كان ما تعيشه اليوم سببًا لمغفرة عظيمة لا تنالها بعمل آخر.

6- لا تعش أسير فكرة أن حياتك انتهت، بل حياتك تغيرت، والتغير لا يعني الهلاك، ومع هذا النوع من الابتلاء لا بد من طلب العون، نفسيًا، وطبيًا، واجتماعيًا، دون شعور بالذنب، أو ضعف الإيمان؛ فالأخذ بالأسباب من تمام التوكل، وقد قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَىٰ مَا يَنْفَعُكَ».

وأخيرًا، اعلم يقيناً أن باب المغفرة مفتوح، وأن من تاب وأناب، وصدق مع الله، يغفر له غفرانًا تامًا، ويصبح كمن لم يذنب، بل قد يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها، فلا تجعل الماضي سجنًا، ولا تجعل البلاء حكمًا نهائيًا على مستقبلك؛ فإن الله أكرم، وأرحم، وألطف مما نتصور.

نسأل الله أن يتقبل توبتك، ويغفر ذنبك، ويشرح صدرك، ويذهب عنك ثقل الشعور بالذنب، ويمنحك صبرًا جميلاً، ويجعل أولادك سببًا لرفعتك لا لحزنك، وأن يعوضك عن كل ألم طمأنينة، وعن كل خوف أمنًا، وأن يكتب لك الأجر العظيم، ويختم لك بخير.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً