الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بالظلم لأن أهلي يفضلون إخوتي علي، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم.

لم أعد قادرةً على بر أهلي، ولا التحدث معهم وبالذات أبي، حاولت كثيرًا، لكنهم فضلوا إخوتي علي، لأني غير متطلبة، ولا أحد يفكر ما الذي أحتاجه، وقد فوضت أمري لربي، وأحاول أن أصبر نفسي بالصلاة والقرآن، وقد وصل الحال بي أنه تنتابني نوبات هلع عندما يرفع أبي صوته علي، وبالتالي يعلو صوتي، ويحتد.

أبي رجل سلبي؛ فقد اقترف إخوتي أفعالاً تغضب الله، ولم يكن من أبي إلا إنه كان يستر ويداري أفعالهم، وكأنهم لم يفعلوا شيئًا، وكأنه لم ير شيئًا.

كان طوال عمره مجتهد جدًا، ويعمل، ويكسب الأموال، وعندما بدأ في المشاريع، أصبح يقترض بالربا، وقد حاول إخوتي أن يحجموه؛ لأنه كان سيدخل السجن عدة مرات؛ فقد كان يبيع الكلام للناس، ويقنعهم بأنه مشروع سيفيدهم، بينما هو يبيع بضائع رخيصة، وأصبح الناس يطالبونه بأموالهم، ولكنها ضاعت في المشروع، ولكن الله أكرمنا بأن سددنا الأموال من خلال أموال أخذها منذ سنوات بالربا، وكان صاحبها سيسجنه.

والآن بدأ في مشروع جديد، وقد شرع يستجدي من الناس، ومن خلال عمل العلاقات، حتى يقدم مشروعه مرةً أخرى، وسمعتنا أصبحت في الأرض؛ لأنه منذ زمن والناس تنعته بالحرامي، وأنه يعمل بالربا، ويضحك على الناس بكلامه.

لقد تعبت، وصرت أُجرح بالكلام، وأعاني من ألم جسدي ونفسي، وتنتابني نوبات هلع توقظني من نومي، مع ضربات في القلب.

أحاول أن أهدئ نفسي كثيرًا، ودائمًا يتكلم عنّا، وعن إخوتي بأننا سافرنا، وكسبنا أموالاً، ولدينا مناصب كنوع من التباهي، فتكون النتيجة أن المصائب تحل علينا، أعلم أن كل شيء بأمر ربنا، ولكنهم قالوا من قبل: بأن نخفي النعم ولا نتحدث عنها كثيرًا.

لقد تقدم لخطبتي شخص، وعلى حسب كلام والدي أنه رفضه لأنه قال عنه بأنه حرامي! أنا أعلم بأن رزقي عند الله، ولن يضيع، وقد فوضت أمري لله.

والدي لم يحل مشكلةً في حياته، وأخذ أموالنا، ومنها أموال تجهيزات عرسي، وجهز ابنته الصغرى، فصبرت وقلت: إن رزقي عند ربي لا يضيع.

نوبات الهلع أصبحت صعبة جدًا، ولا أحد يحس بي سوى أمي، ولكنها أيضًا تتبع أبي، وأخاف من أن يحدث لها شيئًا بسبب كلامي. وفي مرة أخذنا أبي لنوقع على قرض ربوي، وكانت هذه القاضية، وكل شيء ضاع، وحكم عليه بالسجن، ولكن أنقذنا الله.

لم أعد أقدر على التعامل معهم، ونوبات الهلع زادت، وتعالجت منها، ولكنه لا زال يضحك على الناس، ويقنع هذا بأنه سيكون مدير العلاقات العامة، وأنت لك 10 بالمائة عندما يكتمل المشروع، وأنتم شركاء بنسبة 10 بالمائة بمجرد بدء المشروع!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رودينا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك، ونسأل الله أن يربط على قلبك ربطًا جميلاً، وأن يكشف عنك ما نزل بك، وأن يبدل خوفك أمنًا، واضطرابك سكينةً، ويجزيك على صبرك خيرًا كثيرًا، وسوف نجيبك من خلال ما يلي:

1- ما تمرين به يحتاج إلى نظر هادئ متوازن، يجمع بين حفظ الحقوق، وصيانة النفس، واستبقاء جسور الرحمة؛ فالشرع لا يدعو إلى الصدام، ولا يرضى بالظلم، بل يقيم الميزان على العدل والإحسان، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، والوسطية هنا ليست تنازلاً عن الحق، ولا قسوةً في الطلب، وإنما حكمة في المسار.

2- البر بالوالدين واجب ثابت لا يسقط بحال، حتى إن وقع من الوالد خطأ، أو قسوة، أو سوء تقدير؛ فالبر عبادة مستقلة لا ترتبط بكمال تصرفات الوالدين، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وروي عن النبي ﷺ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ»، فالأصل الذي لا يختلف عليه أن البر واجب، والإحسان مطلوب، وخفض الجناح خلق لازم مهما اختلفت الآراء، أو قست المواقف.

وفي الوقت نفسه، من الخطأ أن يفهم البر على أنه إلغاء للنفس، أو تحميل لها ما لا تطيق، أو دفعها إلى ضرر دائم في دينها، أو نفسيتها، أو مستقبلها؛ فالشرع الذي أمر بالبر هو نفسه الذي قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وهو نفسه الذي قرر قاعدة عظيمة على لسان النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، فلا يطلب منك أن تؤذي نفسك، ولا أن تعيشي في كسر داخلي مستمر، ولا أن ترهقي روحك باسم الطاعة.

3- من الحكمة هنا التفريق بين البر والطاعة؛ فالبر أوسع وأبقى، والطاعة مقيدة بالمعروف، فإن كان في رأي الوالد أو قراره مشقة بالغة عليك، أو ضرر محقق، أو تعطيل لحياتك دون مسوغ شرعي، فلك أن تخالفي برفق، مع دوام الاحترام، ولين الخطاب، والدعاء الصادق، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، فالمخالفة قد تكون ضرورةً، ولكن القسوة ليست ضرورةً أبدًا.

والفسحة التي يفتحها الشرع للبر دون ضرر هي فسحة واسعة، تقوم على الصبر الجميل، والتدرج في الطرح، واختيار الأوقات المناسبة، والاستعانة بمن له قبول وتأثير، دون إحراج أو كسر؛ فالقلوب إذا أغلقت لا تفتح بالقوة، وإنما بالرفق، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».

4- من المهم أن تطمئني إلى أن الله يعلم صدق نيتك، ويعلم أنك لا تطلبين إلا حياةً مستقرةً، وحقًا مشروعًا، وأنك لا تعقين، وإنما تبحثين عن توازن يحفظ لك دينك ونفسك، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ومن صدق مع الله في قصده لم يضيعه الله في طريقه.

5- التعامل مع هذا النوع من المواقف يحتاج إلى نفس طويل، لا إلى استعجال النتائج؛ فالتغيير الحقيقي غالبًا ما يكون بطيئًا، لكن أثره أعمق وأبقى، والاستمرار في البر مع الثبات الهادئ على ما تراه حقًا، من غير عناد ولا انكسار، هو الطريق الأسلم في الغالب، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»، فالصبر هنا ليس ضعفًا، بل قوة داخلية تحفظ توازنك.

6- ما ذكرته من تعامل والدك بالربا، وتوريط الأسرة في الديون، واستعمال السمعة، والكلام المعسول، وخداع الناس، ثم تحميلكم نتائج ذلك، كل هذا ذنب هو يتحمله وحده أمام الله، ولا يؤاخذكِ الله عليه، قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فلا تحملي نفسك ذنب ما لم تختاريه، ولا ما قاومتِه وحاولتِ منعه.

7- نوبات الهلع التي تصيبك ليست علامة ضعف شخصية، بل استجابة نفسية لخطر متكرر، ولصوت كان في حياتك مقرونًا بالخوف، والتهديد، وعدم الأمان، ولهذا قال النبي : «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ»، فاستمرار العلاج النفسي وأخذ أسبابه ليس نقصًا في التوكل، بل هو من الحكمة، وحفظ النفس التي أمرك الله بها.

8- انفجارك عند جرحك بالكلام لا يعني أنك سيئة أو عاقة، بل يعني أنك وصلتِ إلى حد لم يعد فيه الصمت ممكنًا، ومع ذلك فمطلوب منك السعي لتخفيف الأذى لا مراكمة الندم؛ فالله لا يحاسب العبد على ما خرج منه تحت ضغط شديد مع كراهته له.

9- خوفك عليه من أن يصيبه أذى بسبب كلامك دليل رحمة لا قسوة، لكن لا تجعلي هذا الخوف يمنعك من وضع حدود تحفظك؛ فالحدود ليست عقوقًا، بل ضرورة، ويكفي في البر اليوم الكلمة اللينة عند القدرة، والدعاء عند العجز، قال تعالى:(وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) ولم يقل تحملي ما لا تطيقين.

10- ما فعله من تشويه سمعتك أمام من تقدموا لك ليس دليلاً على ضياع رزقك، بل امتحان تأخير، ورزقك محفوظ لا يقدر أحد أن يمنعه، قال الله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)، وقد يكون الله تعالى قد صرف عنك زواجًا لو تم في هذا الجو لكان وبالاً عليك، وهو أعلم بمصلحتك منك.

11- كونك فوضت أمرك إلى الله، ولجأت إلى الصلاة والقرآن، مع كل هذا الألم، فهذا في حد ذاته دليل صدق مع الله، وليس شرط الصبر ألا تتألمي، بل الصبر أن تبقي واقفةً رغم الانكسار، وقد قال النبي «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»، فاطمئني واعلمي أن الله لا يضيع إحسانًا، ولا يكسر قلبًا تعلق به، وأن كل خطوة تمشينها وأنت تحاولين الجمع بين البر وحفظ نفسك مكتوبة لك عنده.

نسأل الله أن يؤلف بين القلوب، وأن يصلح ذات البين، وأن يرزقك حكمة القول، وسكينة الفعل، وأن يجزيك عن برك خيرًا، وأن يحفظك من كل ضرر، ويكتب لك فرجًا قريبًا، وسعادةً دائمةً، وراحةً لا تزول.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً