السؤال
لماذا آمن الصحابة وأوائل الناس بالرسول -صلى الله عليه وسلم- رغم عدم وجود معجزات في البداية؟ ولماذا لم يجمع الصحابة السنة النبوية كما فعلوا مع القرآن؟
لماذا آمن الصحابة وأوائل الناس بالرسول -صلى الله عليه وسلم- رغم عدم وجود معجزات في البداية؟ ولماذا لم يجمع الصحابة السنة النبوية كما فعلوا مع القرآن؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Saif حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، وحرصك على تعلم أمور دينك، ونسأل الله تعالى أن يُوفقنا وإيَّاك للعلم النافع والعمل الصالح.
وبدايةً نقول -أيها الحبيب-: ينبغي للشاب المسلم أن يحرص على طلب العلم الشرعي ومعرفة أمور دينه، كما هو حالك الآن، وما بدر منك من حرص على معرفة دلائل الدين وأحوال الرسول ﷺ مع أصحابه، ولكن هذا العلم الشرعي كثير، والإنسان أوقاته قليلة، وكثيرًا ما تكون مملوءة بالأعمال والمشاغل الكثيرة، التي لا تُتيح لكثير من الناس الإحاطة بجميع أنواع العلم الذي ينبغي أن يتعلموه.
ولهذا السبب نقول: ينبغي تقديم الأهم فالمهم، والبدء بتعلُّم ما تدعو الضرورة إلى تعلمه؛ عملًا بوصايا الرسول ﷺ الكثيرة، ومنها قوله ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ»، وقول الله تعالى في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِأَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ».
إلى غير ذلك من النصوص الشرعية التي تدلنا على ترتيب الأولويات، والاعتناء بتقديم بعض الأشياء على بعض، والعلم الشرعي كذلك خاضع لهذه القاعدة وتجري عليه هذه القوانين، فبعضه أهم من بعض.
فينبغي لك أن تجتهد في تعلُّم أمور دينك، مقدمًا تعلُّم أركان الإيمان ودلائلها، وأركان الإسلام، وما يتعلق بها من أحكام في عبادتك اليومية، ونحو ذلك، فهناك نوع من العلم الشرعي واجب التحصيل، يجب على الإنسان أن يسعى في تحصيله، وهناك علم مستحب.
هذا أحببنا أن نضعه بين يديك كاقتراح لترتيب وقتك، والاعتناء بترتيب ما ينبغي أن تُحصّله من العلوم.
أمًّا بخصوص هذا السؤال الذي بين أيدينا، فإن الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم- آمنوا بالرسول ﷺ لأنه قد قامت لديهم الأدلة والبراهين الدالة على صدقه -صلوات الله وسلامه عليه- وهذه الأدلة كثيرة جدًّا، منها أحواله ﷺ، فإنهم عرفوه قبل الإسلام، قبل أن يبعثه الله تعالى نبيًا عرفوه وعرفوا صدقه وأمانته؛ بحيث ما كانوا يشكُّون بأن ما جاء به صدقٌ من عند الله تعالى، هذا من حيث أحواله صلوات الله وسلامه عليه.
وكذلك صدَّقوه؛ لأن ما جاءهم به من الهدى والتعاليم الربانية كلها خير، تحثُّ على مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال والصفات، فدعاهم إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى- وحده وعدم عبادة الأصنام، ودعاهم إلى صلة الرحم وصدق الحديث، ونحو ذلك من خصال الخير والأمور الطيبة. ثم بعد ذلك تأكد هذا كله بمعجزات كثيرة رأوها منه ﷺ، وعلى رأس هذه المعجزات والبراهين والآيات البينات الدالة على أنه رسول وأن ما جاء به وحي من عند الله: القرآن الكريم، وهم عرب فصحاء يعرفون الشعر، ويعرفون النثر، ويعرفون أنواع كلام العرب، فجاءهم الرسول ﷺ بالقرآن العظيم فرأوا أنه ليس من كلام الناس، هذا شيءٌ غير معهود وغير مألوف، فليس مثل شعر الشعراء، ولا مثل أدب الأدباء، وهو أعظم برهان وأكبر دليل، والله تعالى تحدَّاهم إذا كانوا مكذبين للرسول أن يأتوا بمثل سورة من سور القرآن، فعجزوا جميعًا عن أن يأتوا بسورة مثله، وهذه أكبر معجزة أعطاها الله تعالى للرسول ﷺ.
ثم هناك معجزات حِسِّية كثيرة رأوها من النبي ﷺ، فكثير منهم رأى انشقاق القمر، ورأوه ﷺ وهو يأتي بأمور خارقة للعادة في مواضع كثيرة.
فليس صحيحًا إذًا أنه لم تكن هناك معجزات من البداية، فالقرآن بدأ مع بداية بعثة النبي ﷺ حين نزل عليه قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم بعد ذلك تتابع القرآن ونزل عليه ﷺ.
وأمَّا لماذا لم يجمع الصحابة السنة النبوية كما فعلوا مع القرآن؛ فالجواب أن الرسول ﷺ هو الذي دلًّهم على ذلك، كانوا يكتبون أحاديث، بعض الصحابة الذين كانوا يُحسنون الكتابة كانوا يجمعون بعض الأحاديث، مثل عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك بعض الصحابة، والرسول ﷺ أمر بأن يكتب بعض الأحاديث لبعض الصحابة الذين طلبوا منه أن يكتب لهم بعض الأحاديث، كما قال في حجة الوداع: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ».
ولكنه ﷺ لم يأمر الصحابة بجمع السنة كلها في مكان واحد، حتى تتوفر همتهم ونشاطهم لقراءة القرآن وكتابة القرآن الكريم؛ لأنه يعلم -عليه الصلاة والسلام- بوحي من الله أن السنة النبوية محفوظة، وأن الله تعالى سيُيَسِّرُ الظروف الملائمة لجمع السنة، وهذا ما كان بالفعل، فقد حصل جمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه-، جمعها الإمام ابن شهاب الزهري -رحمه الله تعالى-، ثم تتابع العلماء بعد ذلك على تدوين كتب السنة وجمعها.
وفقنا الله وإيّاك لكل خير.