الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما هي الوسائل الكفيلة بتجديد المحبة بين الأقارب؟

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يوجد شخصٌ يقيم مع أحد أقاربه في مسكن واحد، وينتابه شعورٌ بأن قريبه هذا لا يكنّ له الودّ والقبول، فما هي السُّبُل والوسائل الكفيلة بتجديد أواصر المحبة وإعادة بناء المودة بينهما؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو حسين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بدايةً أخي الكريم، أهنئك على سعيك المبارك هذا، فالمبادرة إلى الإصلاح وتحسين العلاقات الاجتماعية خصوصاً مع الأقربين من أحب القربات إلى الله، قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}.

ثم اعلم (أخي) أن المودة والحب والنفور والبغض قضيةٌ قلبيةٌ لا يمكن الاطلاع عليها، وإنما يشعر المرء بآثارها الظاهرة، كالإحسان، والرغبة في القرب، أو ملاحظة النفور. لذا، فإن قولك "يشعر" دليل عدم وجود اليقين، ولا ينبغي أن تفتح بابًا للشيطان لمجرد الظن؛ لأنه حريصٌ على زرع الغل وسوء الظن بين المؤمنين من خلال تضخيم المواقف، أو استغلال حساسية بعض الأحداث، قال الله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}.

تُبيِّنُ هذه الآية أن على الإنسان -اتقاءً لسوء الظن، وقطعاً للطريق على نزغات الشيطان- أن يجتهد في انتقاء أحسن الأقوال وأحسن التفاسير والمعاني، حتى لا يترك مجالاً لهواجس النفس أن تحمل الكلام على أسوأ محامله؛ فيحدث الغل والنفور وسوء الظن، وما يورثه ذلك في المجتمع من قطيعةٍ ومنكرٍ.

أمَّا علاج هذا الفتور في العلاقات فيكون بالمصارحة الهادئة؛ بسؤال الطرف الآخر عما إذا كان هناك ما يزعجه أو يدفعه للنفور، فالمواجهة المباشرة بالتي هي أحسن؛ هي الطريق الأنسب لقطع الطريق على تضخم المشاعر السلبية التي ينفخ الشيطان فيها.

أخي العزيز، في المقابل شرع الإسلام العديد من الوسائل لتقوية الروابط الاجتماعية والأخوة بين المسلمين، لما في ذلك من خيرٍ يعم المجتمع، وحارب كل ما يسبب الشحناء والبغضاء، ومن أعظم ما يعين على ذلك:

أولًا: استشعار الأجر والثواب عند الله تعالى: يجب أن تنطلق الرغبة في المصالحة من نيةٍ خالصةٍ لله، متذكراً قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}، ومستحضراً أن الصلة عبادةٌ وليست مجرد مجاملةٍ اجتماعيةٍ، وهذا يكسر كبرياء النفس.

ثانياً: المبادرة بالسلام والتحية: إلقاء التحية إعلانٌ مباشرٌ بالخير والسلام، وهو أساس تحقيق المودة، قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}، وجاء في الحديث: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»، وقد بيّن النبي ﷺ أن الطرف المبادِر هو الأكثر أجراً، فقال ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».

ثالثًا: التغافل عن الزلات: الكمال لله وحده، ولا بد من نقصٍ في البشر، فإذا خالطت الناس فستجد منهم الخطأ كما تجد الصواب، لذا لا بد من إحياء خُلُق التغافل والمداراة، قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، التغافل الذكي عن زلات من عُرف بالخير هو ما يُديم المحبة، فكثرة اللوم والعتاب على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ سببٌ لنفرة القلوب.

رابعًا: الهدية: الهدية دليل حبٍ ومودةٍ، وليست مجرد قيمةٍ ماديةٍ، فقد جمع النبي ﷺ بينهما بقوله: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا»، الهدية وإن كانت رمزيةً لها تأثيرٌ عميقٌ في الألفة، فهي لغةٌ صامتةٌ تعبر عن التقدير والاحترام.

خامسًا: الدعاء بظهر الغيب: الدعاء للأخ في ظهر الغيب من أعظم أسباب الألفة وإزالة الشحناء، وقد رغب الشرع في ذلك، فقال النبي ﷺ: «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ».

أخي العزيز، هناك أيضًا سلوكياتٌ وعاداتٌ عمليةٌ اجتماعيةٌ، تسهم في المزيد من زيادة الألفة والمحبة والترابط، ومن ذلك:

أولًا: الزيارات غير المتكلفة: رغب الإسلام في الزيارة التي لا كلفة فيها، والتي تهدف لتقوية أواصر القرابة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّك كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ».

ثانيًا: استغلال المناسبات الاجتماعية الخاصة والعامة: كالمبادرة بالصلة في الأعياد، والأفراح، وعيادة المريض، والمشاركة في العزاء، أمرٌ رغبت فيه الشريعة، قال النبي ﷺ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ».

ثالثًا: المشاركة في أوقات الشدة: الوقوف بجانب القريب والصديق في أوقات الحاجة يفتح القلوب، قال النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»، وهذا الأمر يكسر كل ما في القلوب من شدةٍ أو نفورٍ.

رابعًا: استخدام وسائل التواصل لمداومة الألفة وتقليل الانقطاع الطويل: فالابتعاد الطويل والدائم يولد النفور، والرسائل النصية والوسائط الحديثة يمكن أن تعيد الألفة، من خلال إعطاء انطباعٍ ببقاء المودة والذكر الدائم.

أخي الكريم، عند حدوث أي نفورٍ، ابدأ بالبحث عن الأسباب لإصلاحها، وتدرج في التواصل دون إفراطٍ قد يثقل على الطرف الآخر، فقد جاء في الحديث: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا»، فانتقاء الأوقات المناسبة للزيارة، وعدم الإكثار من التوجيه والنصح أو العتاب في كل وقتٍ، كلها مما يديم المحبة والألفة.

أخيرًا أخي الكريم، اجتهد في بذل أسباب المودة، ولا تستعجل النتائج، وكن صبورًا حكيمًا، واجعل غايتك رضا الله تعالى، وأكثر من الدعاء: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، لذلك بادر بالإصلاح ولا تنتظر من الآخرين البدء لتنال الأجر والثواب.

وفقك الله ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً