الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل نكرر تجربة الحقن المجهري أم ندعها وفوض أمرنا إلى الله؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبلغ أنا وزوجتي أربعةً وثلاثين عامًا، ولدينا بنتان، إحداهما في التاسعة، والأخرى في السادسة من العمر، ومنذ سنة تقريبًا اتخذنا قرار إجراء عملية حقن مجهري، مع تحديد نوع الجنين (ذكرًا)، وبعد عملية السحب لم تظهر الأجنة بعد الفحص (ذكورًا)، فتجاوزنا الأمر، وذهبنا -بفضل الله- إلى أداء العمرة بعد العملية بحوالي سبعة أشهر، ودعونا الله -سبحانه وتعالى- أن يرزقنا بمولود ذكر.

وحاليًا قمنا بصلاة الاستخارة، وتوكلنا على الله لإجراء محاولة أخرى لعملية الحقن المجهري، وبدأنا في العلاج المبدئي والفحوصات اللازمة، ثم تفاجأنا من المركز بأن العمليات تُجرى في محافظة أخرى، فصرفنا النظر عن الموضوع بالكامل؛ لعدم شعورنا بالراحة تجاهه.

والآن نحن في حيرة من أمرنا، هل نقوم بمحاولة مع مركز آخر، أم نعوّل على دعائنا في بيت الله، ونترك الأمر لله -سبحانه وتعالى- دون إجراءات طبية؟ فإن تفكيري في المحاولة الثانية من باب التوكل على الله، والأخذ بالأسباب، مع خوفي من أن نتوكل على الله دون إجراء العملية، فيرزقني الله ببنت، فيدخل في قلبي شك -والعياذ بالله- أو قنوط من رحمة الله ورزقه، فالحيرة تتملكني، وأحيانًا أشعر بأن تفكيري يتوقف تمامًا، ممَّا يؤثر على حياتي!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فلا شك أن الأخذ بالأسباب أمرٌ مهمٌّ جدًّا، وفي الوقت نفسه فإن التعلق بالله والدعاء بالخير والرزق أصلٌ عظيمٌ، فقد قال النبي ﷺ للرجل الذي ترك ناقته دون أن يعقلها وتوكل على الله: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ»، أي اربط الناقة، وهذا سببٌ، ثم توكل على الله، وهذا أمرٌ قلبيٌّ إيمانيٌّ، والقاعدة الشرعية تقول: "التوكل الصادق لا ينافي بذل الأسباب، بل هو من تمام التوكل".

والدعاء سببٌ من أقوى الأسباب، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وزكريا -عليه السلام- كان كبيرًا في السن وامرأته عاقرًا، لكنه لم يترك الأسباب ولا الدعاء، قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى}، والدعاء يغير القدر، ويشرح الصدر، ويجلب البركة ولو كان السبب ضعيفًا.

ومن المعروف أن نطف الرجل هي المسؤولة عن تحديد جنس الجنين، فمنها نطف Y تحمل الجينات الذكورية، ونطف X تحمل الجينات الأنثوية، ويمكن من خلال الحقن المجهري تحديد جنس المولود ذكرًا أو أنثى، عبر إجراء الفحص PGT-A، بالإضافة إلى فحص الكروموسومات أو PGT-SR.

وبعد سحب البويضات وتخصيبها في المختبر، يتكون جنينٌ عمره 5-6 أيام يُسمى بلاستوسيت (Blastocyst)، ثم تُسحب 5-10 خلايا من الجنين لتحليلها وراثيًّا، ويمكن من خلالها معرفة نوع الجنين XX للأنثى وXY للذكر، ثم تُزرع الأجنة التي تحمل الجينات الذكورية في الرحم، وقد تحمل الأم أكثر من جنينٍ ذكرٍ.

وندعو الله لكما بالصحة والعافية والسلامة.
_____________________________________________________
انتهت إجابة الدكتورة/ منصورة فواز سالم، مستشارة الأمراض النسائية والولادة وطب الأسرة.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
_____________________________________________________

مرحبًا بك -أخي الحبيب- في استشارات إسلام ويب.

قد أفادتك الفاضلة الدكتورة/ منصورة بما يفيد وينفع حول عملية تحديد جنس الجنين، ونزيد الأمر إيضاحًا فيما يتعلق بقضية الأخذ بالأسباب، والتوكل على الله تعالى؛ فنقول -أيها الحبيب-: إن الله تعالى قدَّر المقادير وجعل لها أسبابًا توصل إلى نتائجها، وربما كان للشيء الواحد أكثر من سبب، ولم يأمر الله تعالى بالأخذ بجميع الأسباب، الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

وإذا أخذ الإنسان ببعض الأسباب التي رغَّب فيها الشارع وأكد الأخذ بها؛ فإنه آخذٌ بالسبب، ولا يُنسب بعد ذلك إلى تضييع أو تفريط في الأسباب.

وتنزيل هذا الكلام على قضيتك هو: أن الله تعالى جعل السبب الأصلي للوصول إلى الولد إتيان الرجل زوجته بالصورة الطبيعية، التي سهَّلها الله تعالى لعباده وشرعها لهم، ورغَّبهم فيها وهي الجماع، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، وقال سبحانه وتعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}.

ففي الآية الأولى أمر بالمباشرة، وابتغاء ما كتب الله، والمقصود بما كتب الله تعالى الولد، الإنجاب، وفي الآية الثانية أخبر -سبحانه وتعالى- أن النساء حرث، وأمر بإتيان هذا الحرث، والإتيان بالطريقة المعروفة.

فإذا فعل الإنسان هذا السبب فإنه آخذٌ بالأسباب، ومتوكلٌ على الله تعالى، وبعد هذا ينبغي أن يرضى بما يقدره الله تعالى ويقسمه؛ فالخير كل الخير في ما يختاره الله، وربما حرص الإنسان على شيء والله تعالى يقدر له خلاف رغبته؛ لعلمه -سبحانه وتعالى- بأن ذلك هو الذي يصلحه، كما قال في كتابه الكريم: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

والعلماء المعاصرون من الفقهاء ومجامع الفقه يُجيزون عملية تحديد جنس الجنين، ويقولون بأنها جائزة، ولكنهم لا يُرغِّبون فيها ولا يحثون عليها، ويعتبرونها من الأشياء المؤكدة في باب الأخذ بالسبب، والإنسان قد يفعل هذه العملية ثم لا يصل إلى النتيجة إذا كان الله تعالى لم يُقدِّرها.

فقد أحسنت -أيها الحبيب- في توكلك على الله، وتفويضك الأمر إليه، فإذا لم تُرزق بولد فلا ينبغي أن تعود على نفسك بعد ذلك باللوم والعتب، أو الشعور باليأس والقنوط من فضل الله تعالى ورحمته، فكن حسن الظن بربك، واعلم أنك بإتيانك زوجتك قد أخذت بالسبب الكامل.

فإذا كان الله تعالى يريد لك خيرًا في ولد ذكر فإنه سيُقدِّره لك، وإذا علم أن الخير لك في غيره، فكن على ثقة من أن تدبير الله تعالى واختياره لك خير من اختيارك لنفسك، إذا فعلت هذا لا تَعُدْ على نفسك بعد ذلك بأي لوم أو عتب، واعلم أنك لو لم يكن الله قد قدَّر لك الولد الذكر؛ فإن العملية وحدها لن تجلب لك شيئًا لم يُقدِّرْه الله.

فكن على ثقة تامة من حسن تدبير الله تعالى، فإذا رزقت حسن التفويض إلى الله تعالى، وأخذت بهذه الأسباب اليسيرة السهلة، واكتفيت بها؛ فإننا نرى أنك على خير، وأنك أخذت بما يرغِّب به أهل العلم ويفضلونه؛ فإنهم يوصون الإنسان بتجنب هذه العمليات إلا إذا دعت الحاجة لذلك.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير، وأن يقدر لك الخير حيث كان ويرضيك به، ويرزقك الذرية الطيبة التي تقر بها عينك، وتنفعك في دنياك وآخرتك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً