الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أحقق الرضا بقضاء الله وقدره مع الاستمرار في السعي والأخذ بالأسباب؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب في منتصف العشرينات، لدي طموح وأسعى للاجتهاد في تطوير نفسي، وقد أتيحت لي فرص كثيرة في الدراسة والعمل، لكن معظمها لم يحقق النتائج التي كنت أرجوها، رغم أنني بذلت ما أستطيع من الأسباب، وكنت أستخير الله وأتوكل عليه، وأقبل ما أراه مناسبًا وأترك ما لا أراه كذلك.

ومع مرور الوقت وصلت إلى مرحلة أشعر فيها بإحباط شديد، خاصة عندما أرى من هم في مثل سني قد وصلوا إلى قدر من الاستقرار الذي كنت أتمنى أن أصل إليه، ولو بالحد الأدنى.

كما أنني مقبل على الزواج، ودخلي الحالي قد لا يكون كافيًا لفتح بيت وإعالة أسرة، مع أنني ما زلت أجتهد في تحسين وضعي والسعي لزيادة رزقي.

أنا مؤمن بأن ما اختاره الله هو الخير، وأن المستقبل بيد الله وحده، لكنني أعاني منذ سنوات من التفكير الزائد، حتى أصبح يستنزفني نفسيًا، ويجعلني ألوم نفسي باستمرار، وأتساءل: هل قصرت في الأخذ بالأسباب؟ وهل أنا السبب فيما وصلت إليه؟ وهذا التفكير لا يكاد يفارقني، ومعه يزداد شعوري بعدم الرضا، بل وأحيانًا أشعر بكراهية نفسي.

لذلك أرجو منكم توجيهي: كيف أتعامل مع هذا التفكير الزائد من منظور شرعي؟ وكيف أحقق الرضا الحقيقي بقضاء الله وقدره مع الاستمرار في السعي والأخذ بالأسباب، دون أن يستهلكني لوم النفس، أو المقارنة بالآخرين؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويبارك لك في عمرك ورزقك، وأن يرزقك من واسع فضله، وأن يجعل ما تمر به رفعةً لك في الدنيا والآخرة، وأن يرزقك الرضا بقضائه، والثقة بوعده، وحسن التوكل عليه.

أخي الكريم: لفت انتباهي في رسالتك أمران يدلان على خير في قلبك:

الأول: أنك ما زلت تأخذ بالأسباب، وتجتهد، ولا تستسلم.

والثاني: أنك تؤمن بأن الخير فيما يختاره الله تعالى، وتسأل عن الطريق الشرعي الذي يعينك على الرضا، وهذه نعمة عظيمة، فاحمد الله تعالى عليها؛ فإن كثيرًا من الناس إذا تأخر عليهم ما يريدون تركوا الأخذ بالأسباب، أو اعترضوا على أقدار الله تعالى، أما أنت فما زلت تسأل كيف تجمع بين السعي والرضا، وهذا دليل حياة القلب -بإذن الله سبحانه- ويبدو أن المشكلة ليست في قلة إيمانك، وإنما في التفكير الزائد الذي أصبح يستهلك طاقتك، حتى تحول من محاسبة نافعة للنفس إلى جلدٍ لها، ومن التخطيط للمستقبل إلى قلق دائم، يمنعك من الاستمتاع بالحاضر.

وأحب أن تطمئن إلى قاعدة شرعية عظيمة، وهي أن الله تعالى لم يكلفك بالنتائج، وإنما كلفك بالأسباب، أما النتائج فهي بيده سبحانه وحده؛ قال تعالى: ﴿وأن لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39-40]، فتأمل جيدًا هذه الآية، فقد علقت مسؤوليتك بالسعي، ولم تعلقها بتحقيق النتيجة، ولهذا قال النبي ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" رواه مسلم، هذا الحديث رسم للمؤمن منهجًا متوازنًا:

• قبل وقوع الأمر: حرص، واجتهاد، وأخذ بالأسباب.
• وبعد وقوعه: الرضا، والتسليم، وإغلاق باب "لو" الذي لا يزيد القلب إلا حسرة.

وأحب أن أنبهك إلى أمر قد يغيب عن كثير من الشباب، وهو أن تأخر بعض الأرزاق ليس دائمًا علامة حرمان، بل قد يكون من تمام رحمة الله تعالى بك، قال سبحانه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وقال عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

وكم من إنسان كان يتمنى وظيفة، أو تجارة، أو زواجًا معينًا، ثم تبين له بعد سنوات أن الله تعالى صرفه عنه رحمةً به، وأعطاه خيرًا مما كان يتصور، ولا يعني هذا أن نتوقف عن السعي، بل أن نوقن أن اختيار الله تعالى لنا خير من اختيارنا.

وأما ما ذكرته من المقارنة بمن هم في مثل سنك، فهي من أكثر الأمور التي تسرق راحة الإنسان في هذا العصر؛ فالناس لا يرون إلا ظاهر حياة الآخرين، ولا يعلمون ما وراء الصور والابتسامات من هموم وديون ومشكلات أسرية ونفسية، وقد قسم الله الأرزاق بين عباده بحكمته، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32] وقال النبي ﷺ: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" متفق عليه، فكلما وجدت نفسك تقارن حياتك بغيرك، فذكّر نفسك أن الله تعالى لم يطلب منك أن تعيش حياة غيرك، وإنما أن تحسن استثمار ما أعطاك.

أما عن إقبالك على الزواج وخوفك من ضعف الدخل، فهو شعور مفهوم، ومن حسن المسؤولية أن يفكر الإنسان في قدرته على تحمل الأمانة، لكن احذر أن يتحول التفكير إلى خوف يشلك عن اتخاذ القرار، فالرزق بيد الله تعالى، والزواج نفسه من أسباب توسعة الرزق إذا قام على التقوى، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] وليس معنى الآية أن الإنسان يترك التخطيط، أو تحمل المسؤولية، وإنما يجمع بين حسن التدبير وحسن الظن بالله تعالى.

ومن الناحية العملية، أنصحك بعدة خطوات أرى أنها ستعينك -إن شاء الله تعالى-:

• أولًا: فرّق بين ما تستطيع تغييره وما لا تستطيع تغييره، واكتب في ورقة مشكلاتك، ثم ضع أمام كل واحدة سؤالًا: هل أملك التأثير فيها اليوم؟ فإن كان الجواب نعم، فحدد خطوة عملية لها، وإن كان لا، فسلمها لله تعالى؛ لأن الانشغال بما لا تملكه استنزاف لا فائدة منه.

• ثانيًا: اجعل مراجعة نفسك مراجعةً منضبطة لا مفتوحة؛ بأن تخصص مرة واحدة في الأسبوع لمدة نصف ساعة تراجع فيها قراراتك، وتسأل نفسك: ماذا تعلمت؟ وما الذي سأطوره؟ ثم أغلق الملف، أما أن تحاكم نفسك طوال اليوم فليس ذلك محاسبةً شرعية، بل هو باب من أبواب الوساوس، واستنزاف النفس.

• ثالثًا: قس نجاحك بما تملكه اليوم، لا بما عند غيرك، وانظر إلى ما اكتسبته من خبرات، أو مهارات، أو علاقات، أو نضج في الشخصية، فهذه كلها أرزاق قد تكون مقدمة لفتح كبير لم يأت وقته بعد.

• رابعًا: ضع خطة واضحة لتحسين دخلك؛ فبدل التفكير العام في المستقبل، حدد هدفًا واحدًا خلال الأشهر القادمة؛ كالحصول على شهادة مهنية، أو تعلم مهارة يحتاجها سوق العمل، أو البحث عن مصدر دخل إضافي مباح، أو تطوير سيرتك الذاتية والتقديم على فرص جديدة؛ فالخطة العملية تقلل مساحة القلق.

• خامسًا: اضبط وقت التفكير؛ إذا جاءتك الأفكار خارج الوقت الذي حددته للتخطيط، فقل لنفسك: سأفكر في هذا في موعده، ثم اشغل نفسك بعمل نافع، أو رياضة، أو قراءة، أو لقاء صالحين، ومع التكرار سيضعف استحواذ هذه الأفكار عليك.

• سادسًا: أكثر من الأعمال التي تغذي الرضا، وحافظ على أذكار الصباح والمساء، وأكثر من الاستغفار، وداوم على قيام الليل ولو بركعتين، وألح على الله تعالى بالدعاء، ومن أجمل ما يورث الطمأنينة أن تردد كثيرًا: "حسبي الله ونعم الوكيل"، و"رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا"، مع استحضار معانيها لا مجرد ألفاظها.

• سابعًا: لا تعزل نفسك؛ ولكن رافق أصحابًا إيجابيين يعينونك على الطاعة والعمل، وابتعد عن المجالس التي لا حديث فيها إلا عن المقارنات والنجاحات المادية؛ فإن كثرة التعرض لها تزيد الشعور بالنقص.

وأخيرًا: أحب أن أطمئنك إلى أمر مهم: ليس كل تأخر في الدنيا تأخرًا عند الله تعالى، فقد يؤخر الله لعبده بعض ما يحب؛ ليعطيه ما هو أعظم، أو ليهيئه لما لم يكن مستعدًا له بعد، أو ليرفع درجته بالصبر والتوكل، وقد قال النبي ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير" رواه مسلم.

فما دام قلبك متعلقًا بالله تعالى، وسعيك في الحلال، واجتهادك قائمًا، فأنت على خير، حتى وإن تأخر عليك بعض ما تتمنى، ولا تجعل قيمة نفسك مرتبطة بوظيفة، أو راتب، أو مقارنة بالآخرين؛ فإن كرامة المؤمن عند الله تعالى بطاعته وتقواه، لا بما في يده من متاع الدنيا.

أسأل الله تعالى أن يرزقك رزقًا واسعًا طيبًا مباركًا، وأن يفتح لك من أبواب فضله ما يقر به عينك، وأن ييسر لك زواجًا مباركًا، وحياةً مطمئنة، وأن يصرف عنك القلق وكثرة التفكير، وأن يملأ قلبك يقينًا ورضًا، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هؤلاء هم السعداء في الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً