ثم فقال: ضرب مثلا لمن ينفق، يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي، ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون
ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله طلبا لرضا الله، وتثبيتا من أنفسهم قال [ ص: 379 ] السدي وابن زيد: يقينا.
وقال الشعبي يعني: تصديقا من أنفسهم. والكلبي:
قال ينفقونها مقرين بأنها مما يثيب الله عليها. الزجاج:
كمثل جنة بربوة وهي ما ارتفع من الأرض.
وقرئ بفتح الراء، وهما لغتان.
أصابها وابل وهو المطر الشديد، فآتت أدت وأعطت، أكلها ما يؤكل منها، ومنه قوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين والضم والتخفيف لغتان، قال المفسرون: أكلها: ثمرها.
وقوله: ضعفين قال حملت في سنة من الريع ما تحمل غيرها في سنتين. ابن عباس:
وقوله: فإن لم يصبها وابل فطل أي: وأصابها طل، وهو المطر اللين الصغير القطر.
يقال: طلت السماء تطل طلا فهي طلة، وطلت الأرض فهي مطلولة.
والمعنى: فأصابها طل، فتلك حالها في إيتاء الثمر وتضاعفه، لا ينقص بالطل عن مقداره بالوابل، يقول: كما أن هذه الجنة تثمر في كل حين، ولا تخيب صاحبها، قل المطر أو كثر، كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص، قلت نفقته أو كثرت.
قال هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلف كما ليس لخير الجنة خلف على أي حال، إن أصابها وابل وإن أصابها طل. قتادة:
[ ص: 380 ] قوله: أيود أحدكم الآية، قال هذا مثل للمفرط في طاعة الله تعالى المشتغل بملاذ الدنيا، يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى. مجاهد:
وقال هذا مثل للذي يختم عمله بفساد وكان يعمل عملا صالحا، فمثله كمثل رجل كانت له جنة ابن عباس: فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر فضعف عن الكسب، وله أطفال صغار لا ينفعونه، وهو قوله: وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار وهي ريح ترتفع وتستدير نحو السماء كأنها عمود، فيه نار فاحترقت جنته، أحوج ما كان إليها عند كبر سنه وضعف الحيلة، وكثرة العيال، وطفولة الولد، فبقي هو وأولاده عجزة متحيرين، لا يقدرون على حيلة، كذلك يبطل الله عمل المنافق والمرائي حين لا توبة لهما، ولا إقالة من ذنوبهما.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا حدثنا سهل بن عثمان، عن علي بن مسهر، عبد الملك، عن قال: قال عطاء، ما وجدت أحدا يشفيني من هذه الآية: عمر بن الخطاب: أيود أحدكم أن تكون له جنة إلى آخر الآية، خلفه، فقال له وابن عباس أني لأجد في نفسي منها شيئا، فالتفت إليه ابن عباس: عمر، فقال، لم تحقر نفسك؟ تحول هاهنا، فقام فأجلسه، فقال: هذا مثل ضربه الله، فقال: أيود أحدكم أن يكون عمره كله لله يعمل بعمل أهل الخير، وعمل أهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختم عمله بخير، حين فني عمره، واقترب أجله، عمل بعمل أهل الشقاوة، وعمل أهل النار، فختم به عمله، فأفسد ذلك عمله كله، كما لو كان لأحدكم جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، فأتتها نار فأحرقتها، فهذا مثل ضربه الله لهذا [ ص: 381 ]