قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم
قد سمع الله الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في وزوجها خولة بنت ثعلبة أوس بن الصامت ، [ ص: 259 ] وكان به لمم، فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية، فقال لها: ما أراك إلا وقد حرمت علي. فقالت: والله ما ذكرت طلاقا، ثم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله أوس بن الصامت أبو ولدي وابن عمي، وأحب الناس إلي، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أراك إلا قد حرمت عليه" .
فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هي في ذلك، إذ تربد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم للوحي، ونزل عليه قوله: قد سمع الله الآيات، قالت : تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام عائشة ، ويخفى علي بعضه، وهي تحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات. خولة بنت ثعلبة
قوله: قول التي تجادلك في زوجها أي: في قول زوجها، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كلما قال لها: "حرمت عليه" ، قالت: والله ما ذكر طلاقا. فكان هذا جدالها، وتشتكي إلى الله وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك. والله يسمع تحاوركما تخاطبكما، ومراجعتكما الكلام، إن الله سميع لمن يناجيه، ويتضرع إليه، بصير لمن يشكو إليه.
ثم فقال: ذم الظهار والمظاهر، الذين يظاهرون منكم من نسائهم أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا. وذكرنا القرآن واللغات في ابتداء سورة الأحزاب، "ما هن أمهاتهم" ما اللواتي تجعلونهن من الزوجات كالأمهات بأمهات، وقراءة العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ عاصم في بعض الروايات برفع التاء.
قال : وهي لغة أهل نجد، وأنشد على لغتهم: الفراء
[ ص: 260 ]
ويزعم حسل أنه فرع قومه وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل
إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ما أمهاتهم إلا الوالدات، وإنهم يعني: المظاهرين، ليقولون منكرا من القول لا يعرف في شرع، وزورا كذبا، وإن الله لعفو غفور عفا عنهم، وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم.
والذين يظاهرون من نسائهم يمتنعون منهن، أي: من جماعهن بهذا اللفظ، ثم يعودون لما قالوا كثر الاختلاف في معنى العود هاهنا من المفسرين والفقهاء، والذي ذهب إليه رضي الله عنه: أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا، يمكنه أن يطلق فيه. وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه ولا كفارة، وإذا سكت عن الطلاق، فذلك للندم منه على ما ابتدأ به، فهو عود منه إلى ما كان عليه، فحينئذ تجب الكفارة، ويدل على هذا أن الشافعي فسر العود في هذه الآية: بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة. ابن عباس
قال : يعودون لما قالوا إلى ما قالوا، وفيما قالوا، معناه: يرجعون عما قالوا، يقال: عاد لما فعل، أي: نقض ما فعل. الفراء
وهذا الذي ذكره يبين لك صحة ما ذهب إليه الفراء رضي الله عنه، وقال الشافعي أهل العراق : معنى العود: العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها كان عودا، ويلزمها الكفارة.
وقال ، مقاتل ، والحسن ، وطاوس : العود لما قالوا هو: الوطء. وهو مذهب والزهري مالك ، قال: إن وطئها كان عودا، وإن لم يطأها لم يكن عودا.
قال أصحابنا: العود المذكور هاهنا: صالح للجماع كما قال مالك ، وللعزم على الجماع كما قال أهل [ ص: 261 ] العراق ، ولترك الطلاق كما قال ، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به؛ لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر. الشافعي
وقال : إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودا، وإن لم يكرر لم يكن عودا. وإلى هذا ذهب أبو العالية أهل الظاهر فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ثم يعودون يدل على تكرير اللفظ، وقال أبو علي الفارسي : ليس في هذا ظاهر كما ادعوا؛ لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه قبل، وسميت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها أحد ثم صار إليها.
وقال : تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم، أي: فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ذلك التحريم، والتقديم والتأخير كثير في التنزيل. الأخفش
وقال : أجمع الناس على أن ابن قتيبة وتأويل قوله: الظهار يقع بلفظ واحد، ثم يعودون لما قالوا هو: أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: والذين يظاهرون من نسائهم يريد: في الجاهلية، ثم يعودون لما قالوا في الإسلام.
فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا أي: يجامعا، ذلكم توعظون به قال : ذلكم: التغليظ في الكفارة. توعظون به أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم، حتى تتركوا الظهار. الزجاج
ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة، فقال: فمن لم يجد أي: الرقبة، فصيام شهرين فعليه صيام شهرين، متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع الصيام، فكفارته فإطعام ستين مسكينا ذلك أي: الغرض من ذلك الذي وصفنا، لتؤمنوا بالله ورسوله لتصدقوا بما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به، [ ص: 262 ] وتلك حدود الله يعني: ما وصف من الكفارة في الظهار، وللكافرين عذاب أليم قال : لمن جحد هذا، وكذب به. ابن عباس
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل ، أنا محمد بن عبد الله بن زكريا ، أنا محمد بن عبد الرحمن الفقيه ، نا أبو الحسن أحمد بن سيار ، نا عبد العزيز بن يحيى الحراني ، حدثني محمد بن سلمة ، عن أبي إسحاق ، عن معمر بن عبد الله بن حنظلة ، عن ، قال: يوسف بن عبد الله بن سلام ، وكانت عند خولة بنت ثعلبة أوس بن الصامت ، قالت: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها إلى قوله: إن الله سميع بصير حتى انتهى إلى الكفارة ثم قال: مريه فليعتق رقبة، قلت: يا نبي الله والله ما عنده رقبة يعتقها، قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، قلت: يا نبي الله، شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا، قالت: قلت: يا رسول الله، والله ما عنده ما يطعم، فقال: بلى سنعينه بعرق من تمر مكيل يسع ثلاثين صاعا، قالت: قلت: يا رسول الله، وأنا أعينه بعرق آخر. دخل علي ذات يوم، فكلمني بشيء وهو فيه كالضجر فراددته فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه، ثم رجع إلي فأرادني على نفسي، فامتنعت، فشادني فشاددته فغلبته بما تغلب به المرأة الرجل الضعيف، فقلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إلي حتى يحكم الله في وفيك بحكمه، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أشكو ما لقيت، فما برحت حتى نزل القرآن حدثتني