الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم.

                                                                                                                                                                                                                                      والضحى  والليل إذا سجى  ما ودعك ربك وما قلى  وللآخرة خير لك من الأولى  ولسوف يعطيك ربك فترضى  ألم يجدك يتيما فآوى  ووجدك ضالا فهدى  ووجدك عائلا فأغنى  فأما اليتيم فلا تقهر  وأما السائل فلا تنهر  وأما بنعمة ربك فحدث  

                                                                                                                                                                                                                                      والضحى .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد القاهر بن طاهر ، أنا أبو الحسن محمد بن الحسن السراج ، نا الحسن بن المثنى بن معاذ ، نا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، نا سفيان الثوري ، عن الأسود بن قيس ، عن جندب ، قال: قالت امرأة من قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى شيطانك إلا قد ودعك  ، فنزلت: والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى رواه البخاري ، عن أحمد بن يونس ، ورواه مسلم ، عن محمد بن نافع ، عن يحيى بن آدم كلاهما عن زهير ، عن الأسود .

                                                                                                                                                                                                                                      أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله،  لقوله في المقابلة: والليل إذا سجى إذا سكن، قال عطاء : إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة : إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا [ ص: 508 ] يزداد بعد ذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      وروى ثعلب عن ابن الأعرابي : سجى امتد ظلامه. وقال الأصمعي : سجو الليل تغطيته للنهار.

                                                                                                                                                                                                                                      ما ودعك ربك وما قلى هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ؛ لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين ، وأصحاب الكهف فقال: سأخبركم غدا ولم يقل: إن شاء الله.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن جعفر ، أنا أبو بكر بن أبي الحسن الشيباني ، أنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي ، نا أبو عبد الرحمن محمد بن يونس ، نا أبو نعيم ، نا حفص بن سعيد القرشي ، حدثتني أمي، عن أمها خولة وكانت خادمة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن جروا دخل البيت، فدخل تحت السرير، فمات فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جبريل لا يأتيني، قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا شيء ثقيل، فلم أزل حتى أخرجته، فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ترعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة ، دثريني، فأنزل الله: والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة : ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج : [ ص: 509 ] لم يقطع الوحي، ولا أبغضك.

                                                                                                                                                                                                                                      وللآخرة خير لك من الأولى قال عطاء ، ومقاتل : الجنة خير لك من الدنيا   .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبيد الله المخلدي ، أنا إسماعيل بن نجيد ، أنا محمد بن أيوب ، أخبرني سهل بن بكار ، نا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك ، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم وحشوها ليف، ودخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وناس من أصحابه، فانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: ما يبكيك يا عمر؟ فقال: وما لي لا أبكي وكسرى وقيصر يعبثان فيما يعبثان فيه من الدنيا، وأنت على الحال التي أرى!!!؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟  قال: بلى، قال: هو كذلك ولسوف يعطيك ربك فترضى قال مقاتل : يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تعطى.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا الأستاذ أبو إبراهيم بن أبي القاسم النصراباذي ، أنا علي بن محمد بن إسماعيل الكارذي ، أنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني ، نا موسى بن سهل الرملي ، نا عمرو بن هاشم البيروتي ، نا الأوزاعي ، عن إسماعيل بن عبد الله المخزومي ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفتح على أمته من بعده كفرا كفرا فسر بذلك، فأنزل الله تعالى: ولسوف يعطيك ربك فترضى  فأعطاه الله ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 510 ] وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي ، والحسن ، وعطاء ، عن ابن عباس قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية