الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم.

                                                                                                                                                                                                                                      ألم نشرح لك صدرك  ووضعنا عنك وزرك  الذي أنقض ظهرك  ورفعنا لك ذكرك  فإن مع العسر يسرا  إن مع العسر يسرا  فإذا فرغت فانصب  وإلى ربك فارغب

                                                                                                                                                                                                                                      ألم نشرح لك صدرك معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صلى الله عليه وسلم بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: "نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" .

                                                                                                                                                                                                                                      أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا  ، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكما وعلما يعني أن معنى: شرح صدره: أن ملأه الله علما وحكما حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، [ ص: 516 ] وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: ووضعنا عنك وزرك قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل : حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقد مر.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الذي أنقض ظهرك قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج : أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ورفعنا لك ذكرك قال عطاء ، عن ابن عباس : يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرا   .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل ، أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك ، نا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله ، نا يحيى بن كثير ، نا ابن لهيعة ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ورفعنا لك ذكرك [ ص: 517 ] قال: قال لي جبريل عليه السلام: قال الله عز وجل: "إذا ذكرت ذكرت معي".

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الضحاك : أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان، وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:


                                                                                                                                                                                                                                      أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد     وضم الإله اسم النبي مع اسمه
                                                                                                                                                                                                                                      إذا قال في الخمس المؤذن أشهد     وشق له من اسمه ليجله
                                                                                                                                                                                                                                      فذو العرش محمود وهذا محمد



                                                                                                                                                                                                                                      ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فإن مع العسر يسرا قال الكلبي : مع الفقر سعة، وقال مقاتل : يعني: تتبع الشدة الرخاء، ثم كرر ذلك، فقال: إن مع العسر يسرا قال ابن عباس ، في رواية عطاء : يقول الله تعالى: خلقت عسرا واحدا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين   .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا الحسن بن علي الفارسي ، أنا محمد بن عبد الله الحافظ ، أنا محمد بن علي الصنعاني ، نا إسحاق بن إبراهيم ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن أيوب ، عن الحسن في قوله: إن مع العسر يسرا قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا، فرحا [ ص: 518 ] وهو يضحك، ويقول: لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن مسعود : لو أن العسر دخل في جحر لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وكتب عمر ، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجا، فإنه لن يغلب عسر يسرين.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية