الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو الحسن الفارسي ، نا محمد بن محمد بن إبراهيم ، نا أبو عمر ، عن تغلب ، عن سلمة ، عن الفراء ، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهما، فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهما، فأنفق [ ص: 519 ] الدرهم، فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج : ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صلى الله عليه وسلم، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة فكرث النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه السورة، ووعده الغنى  ، وأنزل: ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فإن مع العسر يسرا والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرا في الدنيا عاجلا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ابتدأ فضلا آخر، فقال: إن مع العسر يسرا والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين؛ لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يغلب عسر يسرين" ، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة.

                                                                                                                                                                                                                                      سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري ، سمعت محمد بن عامر البغدادي ، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى ، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي ، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت:


                                                                                                                                                                                                                                      أرى الموت أصبح مغموما له أروح



                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 520 ] فلما أن جن الليل، سمعت هاتفا يهتف من الهواء:


                                                                                                                                                                                                                                      ألا يا أيها المرء     الذي الهم به برح
                                                                                                                                                                                                                                      وقد أنشد بيتا لم     يزل في فكره يسنح
                                                                                                                                                                                                                                      إذا اشتد بك العسر     ففكر في ألم نشرح
                                                                                                                                                                                                                                      فعسر بين يسرين     إذا أبصرته فافرح



                                                                                                                                                                                                                                      قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي.

                                                                                                                                                                                                                                      أنشدنا أبو إسحاق ، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن ، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي ، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي :


                                                                                                                                                                                                                                      فلا تيأس وإن أعسرت يوما     فقد أيسرت في دهر طويل
                                                                                                                                                                                                                                      ولا تظنن بربك ظن سوء     فإن الله أولى بالجميل
                                                                                                                                                                                                                                      فإن العسر يتبعه يسار     وقول الله أصدق كل قيل



                                                                                                                                                                                                                                      وأنشدنا أبو إسحاق ، قال: أنشدني الحسن ، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي ، قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري :


                                                                                                                                                                                                                                      إذا بلغ العسر مجهوده     فثق عند ذلك بيسر سريع
                                                                                                                                                                                                                                      ألم تر نحس الشتاء الفظيع     يتلوه سعد الربيع البديع



                                                                                                                                                                                                                                      وأنشدنا أبو إسحاق ، قال: أنشدنا الحسن ، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي ، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي :


                                                                                                                                                                                                                                      توقع إذا ما غرتك الخطوب     سرورا يشردها عنك قسرا
                                                                                                                                                                                                                                      فما الله يخلف ميعاده     وقد قال إن مع العسر يسرا



                                                                                                                                                                                                                                      قوله: فإذا فرغت فانصب أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة ، والضحاك ، ومقاتل ، والكلبي : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء  ، وارغب إليه في [ ص: 521 ] المسألة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه، قال: إذا صليت فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي : إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري : إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن مسعود : إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبا في العبادة.

                                                                                                                                                                                                                                      ويدل على هذا ما روي: أن شريحا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب .

                                                                                                                                                                                                                                      قال عطاء : يريد: تضرع إليه راهبا من النار، راغبا في الجنة. وقال الزجاج : أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية