وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صلى الله عليه وسلم، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة فكرث النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ، وأنزل: وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه السورة، ووعده الغنى ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فإن مع العسر يسرا والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرا في الدنيا عاجلا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة.
ثم ابتدأ فضلا آخر، فقال: إن مع العسر يسرا والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين؛ لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صلى الله عليه وسلم: ، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. "لن يغلب عسر يسرين"
سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري ، سمعت محمد بن عامر البغدادي ، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى ، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي ، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت:
أرى الموت أصبح مغموما له أروح
[ ص: 520 ] فلما أن جن الليل، سمعت هاتفا يهتف من الهواء:
ألا يا أيها المرء الذي الهم به برح
وقد أنشد بيتا لم يزل في فكره يسنح
إذا اشتد بك العسر ففكر في ألم نشرح
فعسر بين يسرين إذا أبصرته فافرح
قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي.
أنشدنا أبو إسحاق ، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن ، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي ، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي :
فلا تيأس وإن أعسرت يوما فقد أيسرت في دهر طويل
ولا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل
فإن العسر يتبعه يسار وقول الله أصدق كل قيل
وأنشدنا أبو إسحاق ، قال: أنشدني ، قال: أنشدني الحسن محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي ، قال: أنشدنا : أبو بكر بن الأنباري
إذا بلغ العسر مجهوده فثق عند ذلك بيسر سريع
ألم تر نحس الشتاء الفظيع يتلوه سعد الربيع البديع
وأنشدنا أبو إسحاق ، قال: أنشدنا ، قال: أنشدني الحسن عيسى بن زيد العقيلي ، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي :
توقع إذا ما غرتك الخطوب سرورا يشردها عنك قسرا
فما الله يخلف ميعاده وقد قال إن مع العسر يسرا
قوله: فإذا فرغت فانصب أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبا.
قال ، قتادة ، والضحاك ، ومقاتل : والكلبي ، وارغب إليه في [ ص: 521 ] المسألة يعطك. ونحو هذا روى إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء ، عن أبيه، قال: إذا صليت فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال عبد الوهاب بن مجاهد : إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الشعبي : إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. الزهري
وقال : إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل ابن مسعود عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبا في العبادة. علي بن أبي طلحة
ويدل على هذا ما روي: أن شريحا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب .
قال : يريد: تضرع إليه راهبا من النار، راغبا في الجنة. وقال عطاء : أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده. الزجاج