الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "الإقساط " : العدل ، يقال : أقسط الرجل إذا عدل ، ومنه قوله : وأقسطوا إن الله يحب المقسطين .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن خميرويه ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الخزاعي ، حدثنا أبو اليمان بن نافع ، أخبرني شعيب ، عن الزهري قال : كان عروة بن الزبير يحدث ، أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى قالت عائشة : هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ،  فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء ، رواه البخاري ، عن أبي اليمان وعلى هذا التفسير تقدير الآية : وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فحذف المضاف ، وقوله : [ ص: 8 ] فانكحوا ما طاب لكم أي : من غيرهن ، وقال أكثر المفسرين : يقول : فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى وهمكم ذلك ، فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن ، فلا تتزوجوا أكثر ما يمكنكم إمساكهن والقيام بحقهن لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول ابن عباس - في رواية الوالبي - وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ما طاب لكم أي : حل لكم من النساء ، يعني : من اللاتي يحل نكاحهن ، دون المحرمات اللاتي ذكرن في قوله حرمت عليكم أمهاتكم الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      و"ما " هاهنا : بمعنى من كقوله : والسماء وما بناها ، وقال مجاهد : معناه : فانكحوا النكاح الذي طاب لكم من النساء ، فما على هذا عبارة عن النكاح .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : مثنى وثلاث ورباع معناه : اثنتين اثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، على اختلاف الأحوال لأن الأربع إنما يحل نكاحهن إذا لم يتقدمها ثلاث ، وكذلك الثلاث إذا لم يتقدمها اثنتان .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا تدل الآية على إباحة التسع ، وإن كان مجموع هذه الأعداد تسعا لأن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات ، وليس من شأن البليغ أن يعبر في العدد عن التسعة باثنين وثلاثة وأربعة فمن قال : أعط زيدا اثنين وثلاثة وأربعة وهو يريد تسعة كان ذلك أعيا كلام .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : فإن خفتم ألا تعدلوا أي : في الأربع بالحب والجماع ، فواحدة أي : فلينكح كل واحد منكم واحدة من الحرائر ، أو ما ملكت أيمانكم من الجواري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق كالذي يلزم في الحرائر من التسوية بينهن في القسمة .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 9 ] وقوله : ذلك أدنى ألا تعولوا أي : نكاح الأربع على قلة عددهن أقرب إلى العدل وأبعد من الظلم .

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى تعولوا : تميلوا وتجوروا ، عن جميع المفسرين ، و"العول " : الميل في الحكم إلى الجور .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الفراء : عال الرجل يعول عولا ، إذا مال وجار ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وإبراهيم ، وقتادة ، والربيع ، وعكرمة ، والفراء ، والزجاج ، وابن الأنباري .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "الصدقات " : المهور ، واحدتها صدقة ، "النحلة " معناها في اللغة : الديانة والملة والشريعة ، يقال : فلان ينتحل كذا .

                                                                                                                                                                                                                                      إذا كان يتدين به ، ونحلته كذا .

                                                                                                                                                                                                                                      أي : دينه .

                                                                                                                                                                                                                                      ولهذا قال ابن عباس ، وقتادة ، وابن جريج ، وابن زيد في قوله : نحلة أي : فريضة .

                                                                                                                                                                                                                                      والخطاب للأزواج ، أمروا بإيتاء النساء مهورهن تدينا ؛ لأنه مما أوجبه الله لهن .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : نحلة : هبة وعطية ، يقال : نحلت فلانا شيئا أنحله نحلة .

                                                                                                                                                                                                                                      أي : أعطيه ، والمعنى : أن الله جعل الصداق نحلة للنساء ،  فأمر الأزواج بإعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ، ولا مخاصمة فيه ؛ لأن ما يأخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكي ، أخبرنا أبو سهل أحمد بن الحسين القاضي ، حدثنا محمد بن أيوب الرازي ، أخبرنا القعنبي ، حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة قال :

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 10 ] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن أحق الشرط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج "  ، رواه البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، ورواه مسلم ، عن محمد بن المثنى ، عن يحيى القطان ، عن عبد الحميد بن جعفر ، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل ، حدثنا محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي بن صهيب ، حدثني أبي ، عن عمه عبد الحميد ، عن جده صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أصدق امرأة صداقا وهو مجمع على أن لا يوفيها إياه ، ثم مات ولم يعطها إياه ، لقي الله زانيا "  وقوله : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا قال الفراء ، والزجاج : فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من [ ص: 11 ] الصداق ، فكلوه هنيئا مريئا معنى "الهنيء " : الطيب المساغ الذي لا ينقصه شيء ، و"المريء " : المحمود العاقبة ، التام الهضم ، الذي لا يضر ولا يؤذي .

                                                                                                                                                                                                                                      قال المفسرون : يقول : لا تخافون به في الدنيا مطالبة ولا في الآخرة تبعة .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد التميمي ، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا سهل بن عثمان العسكري ، حدثنا أبو مالك ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه سئل عن هذه الآية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا قال : "إذا جادت المرأة لزوجها بالعطية غير مكرهة لا يقضي به عليه سلطان ، ولا يؤاخذ الله به في الآخرة "  

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية