ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم [ ص: 31 ] به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا
قوله عز وجل : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء كانت العرب يتزوج الرجل امرأة أبيه من بعد موته التي ليست بأمه ، فنهى الله تعالى عنه وحرمه .
وقوله : إلا ما قد سلف يعني : لكم ما قد سلف فإن الله تجاوز عنه ، و"سلف " معناه : تقدم ومضى ، يقال : سلف يسلف سلوفا فهو سالف .
وقوله : إنه أي : إن ذلك النكاح كان فاحشة : قبيحا ومقتا : وهو أشد البغض ، يقال : مقته يمقته مقتا .
وهذا إخبار عما كان في الجاهلية ، أعلموا أن هذا الذي حرم عليهم لم يزل منكرا في قلوبهم ، ممقوتا عندهم .
وقوله : وساء سبيلا أي : قبح هذا الفعل طريقا ، يقال : ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح .
قوله جل جلاله : حرمت عليكم أمهاتكم كل امرأة يرجع نسبك بالولادة إليها من جهة أبيك ، أو من جهة أمك بإناث رجعت إليها ، أو بذكور فهي أمك .
وقوله : وبناتكم كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات بإناث أو ذكور فهي بنتك .
وقوله : وأخواتكم كل أنثى ولدها شيء ولدك في الدرجة الأولى فهي أختك .
وقوله : وعماتكم هي جمع العمة ، وكل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك ، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك .
[ ص: 32 ] وقوله : وخالاتكم كل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك ، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك .
وقوله : وبنات الأخ التحديد في هؤلاء كالتحديد في بنت الصلب ، وهؤلاء النسوة اللاتي ذكرن من محرمات بالنسب .
ثم ذكر فقال : المحرمات بسبب حدث ، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وهؤلاء سميت أمهات للحرمة -كأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سماهن الله تعالى أمهات المؤمنين- فكل أنثى انتسبت إليها باللبن فهي أمك فالتي أرضعتك أو أرضعت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعك فهي أمك .
وقوله : وأخواتكم من الرضاعة أخوات الرضاعة ثلاث : وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك ، وأم الرضاعة وأخت الرضاعة لم تحرما ، فكان الرضاع سبب تحريمهما .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري الجرشي في دار السنة إملاء سنة سبع عشرة وأربع مائة ، أخبرنا حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ، أحمد بن حازم الغفاري ، حدثنا عن قبيصة بن عقبة ، سفيان ، عن عن علي بن زيد بن جدعان ، عن سعيد بن المسيب ، علي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى حرم من الرضاعة ما حرم من النسب " .
فثبت بهذا الحديث أن السبع المحرمات بالنسب على التفصيل الذي ذكره الله محرمات باللبن وقوله : وأمهات نسائكم حد أم امرأتك كحد أمك سواء كانت من اللبن أو من النسب ، وهي تحرم بنفس [ ص: 33 ] العقد على زوج بنتها لأن الله تعالى أطلق التحريم ولم يقيده بالدخول ، وقوله : وربائبكم جمع الربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره .
وقوله : اللاتي في حجوركم يعني : اللاتي ربيتموهن في حجوركم ، وهي جمع حجر الإنسان .
والمعنى : في ضمانكم وتربيتكم .
والربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الأم ، وإنما تحرم بالدخول بالأم لقوله تعالى : من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم أي : في نكاح الربائب إذا لم تدخلوا بالأمهات .
وقوله : وحلائل أبنائكم الحليل والحليلة : الزوج والمرأة ، سميا بذلك لأنهما يحلان في موضع واحد .
وقوله : الذين من أصلابكم احتراز عن المتبنى ، وكان المتبنى في صدر الإسلام بمنزلة الابن ، وقوله : وأن تجمعوا بين الأختين يحرم على الرجل أن يجمع في النكاح بين أختين في النسب أو باللبن .