الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : إلا ما قد سلف قال الكلبي : مضى في الجاهلية فإنكم لا تؤاخذون به في الإسلام ، وهم كانوا يجمعون في الجاهلية بين الأختين ، فحرم الله تعالى ذلك رحمة لهذه الأمة ، إذ علم شدة غيرة النساء بعضهن على بعض .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : والمحصنات من النساء يعني : ذوات الأزواج وهن محرمات على كل أحد إلا على أزواجهن لذلك عطفن على المحرمات في الآية التي قبلها .

                                                                                                                                                                                                                                      و"الإحصان " يقع على معان منها : الحرية كقوله : والذين يرمون المحصنات يعني : الحرائر ، ومنها : العفاف كقوله : محصنات غير مسافحات يعني : عفائف ، ومنها : الإسلام ، من ذلك قوله : فإذا أحصن أي : أسلمن ، ومنها : كون المرأة ذات زوج من ذلك قوله : والمحصنات من النساء .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم استثنى من ذوات الأزواج فقال إلا ما ملكت أيمانكم يريد : إلا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب ، فإنها تحل لمالكها ، ولا عدة عليها فتستبرأ بحيضة وتوطأ .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن محمد بن الحارث ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا [ ص: 34 ] سهل بن عثمان العسكري ، حدثنا عبد الرحيم ، عن أشعث بن سوار ، عن عثمان البتي ، عن أبي الخليل ، عن أبي سعيد الخدري قال : لما سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس ، قلنا : يا رسول الله كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن ، فأنزل الله هذه الآية والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم  وإذا وقع السباء على الزوجين الحربيين أو على أحدهما  انقطع النكاح بينهما ، وكان من سبي أوطاس خلق كثير وقع السبي عليهن مع نسائهم ، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائل حتى تحيض حيضة ،  فأباح وطأهن بعد الاستبراء لانفساخ نكاحهن .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : كتاب الله عليكم قال ابن عباس : يريد هذا ما حرم ، يعني كتب تحريم ما ذكر من النساء عليكم .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم وقرئ بضم الألف ، والفتح أشبه بما قبله ؛ لأن معنى : كتاب الله عليكم كتب الله عليكم كتابا ، وأحل لكم فبناء الفعل للفاعل هنا .

                                                                                                                                                                                                                                      ومن بنى الفعل للمفعول به ، فقال : وأحل لكم فهو في المعنى يؤول إلى الأولى وذلك مراعاة ما قبله ، وهو قوله : حرمت عليكم أمهاتكم ، ومعنى ما وراء ذلكم ما سوى هذه النساء اللاتي حرمت .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 35 ] وقوله : أن تبتغوا أي : تطلبوا ، بأموالكم : إما بنكاح وصداق ، أو بملك وثمن ، محصنين : متعففين عن الزنا ، غير مسافحين غير زانين ، و"السفاح والمسافحة " : الزنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فما استمتعتم به منهن يعني : فما استمتعتم وتلذذتم من النساء بالنكاح الصحيح ، فآتوهن أجورهن مهورهن ، فريضة : فإن استمتع بالدخول بها آتى المهر تاما ، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة قال الزجاج : لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها ، أو يهب الرجل للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول .  

                                                                                                                                                                                                                                      إن الله كان عليما بما يصلح أمر العباد ، حكيما : فيما بين لهم من عقد النكاح .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : ومن لم يستطع منكم طولا الطول الغناء والسعة والقدرة ، يقال : فلان ذو طول أي : ذو قدرة في ماله ، يراد بالقدرة هاهنا : القدرة على المهر .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : أن ينكح المحصنات المؤمنات يريد الحرائر ، فمن فتح الصاد أراد : أنهن أحصن لحريتهن ولم تبتذلن كالإماء فهن محصنات ، ومن كسر الصاد أراد : أنهن أحصن أنفسهن لحريتهن ولم يبرزن بروز الأمة فهن محصنات .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فمن ما ملكت أيمانكم أي : فليتزوج مما ملكت أيمانكم ، قال ابن عباس : يريد جارية أخيك في الإسلام وهو أن يتزوج الرجل بمن يملك غيره ممن تكون على مثل حاله في الإسلام ، وهو قوله : من فتياتكم المؤمنات الفتيات : المملوكات والإماء جمع فتاة ، تقول العرب للأمة : فتاة وللعبد : فتى وأفاد التقييد [ ص: 36 ] بالمؤمنات : أنه لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية ،  وهو قول مجاهد ، وسعيد ، والحسن ، ومذهب مالك ، والشافعي .

                                                                                                                                                                                                                                      وعند أبي حنيفة يجوز التزوج بالأمة الكتابية ، والآية حجة عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : والله أعلم بإيمانكم قال الزجاج : أي : اعملوا على الظاهر من الإيمان فإنكم محاسبون بما ظهر ، والله يتولى السرائر والحقائق .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : بعضكم من بعض أي : في النسب كلكم بنو آدم ، فلا يتداخلنكم الأنفة من تزوج الإماء عند الضرورة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله جل جلاله : فانكحوهن بإذن أهلهن قال ابن عباس : يريد اخطبها إلى سيدها .

                                                                                                                                                                                                                                      ونكاح الأمة دون إذن السيد باطل .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وآتوهن أجورهن أي : مهورهن بالمعروف من غير مطل ولا إضرار .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : محصنات يريد : عفائف ، غير مسافحات غير زوان ، ولا متخذات أخدان جمع خدن وهو الذي يخادنك .

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة ، والضحاك : المسافحة : هي التي تؤجر نفسها معلنة بالزنا ، والتي تتخذ الخدن : هي التي تزني سرا .

                                                                                                                                                                                                                                      وكانت العرب في الجاهلية يعيبون الزنا العلانية ، ولا يعيبون اتخاذ الأخدان ، فجاء الله تعالى بالإسلام ، فهدم ذلك وقال : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة : نهى الله تعالى عن نكاح المسافحة ، وذات الخدن .  

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فإذا أحصن أي : الأزواج على معنى تزوجن ، ومن فتح الألف ، فمعناه أسلمن ، و"الإحصان " [ ص: 37 ] معناه في اللغة : المنع ، ومنه قوله : أحصنت فرجها أي : منعته عن الزنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فإن أتين بفاحشة أي زنا ، فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب أي عليهن نصف الحد ، والمحصنات هاهنا : الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف ، وحدهن مائة ، ويتنصف في حق الأمة إذا زنت .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ذلك يعني : نكاح الأمة عند عدم الطول ، لمن خشي العنت منكم يعني : الزنا وهو أن يخاف شدة الشبق والغلمة على الزنا ، فيلقى العذاب في الآخرة ، أو الحد في الدنيا .

                                                                                                                                                                                                                                      أباح الله نكاح الأمة  بشرطين : أحدهما في أول الآية ، وهو عدم الطول ، والثاني في آخر الآية وهو خوف العنت .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم قال : وأن تصبروا أي : عن تزوج الإماء ، خير لكم لئلا يصير الولد عبدا ، والله غفور رحيم .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : يريد الله ليبين لكم قال ابن عباس : ليبين لكم ما يقربكم إلى طاعته .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال غيره : ليبين لكم شرائع دينكم ، ومصالح أموركم .

                                                                                                                                                                                                                                      ويهديكم سنن الذين من قبلكم يريد : دين إبراهيم وإسماعيل ، دين الحنيفية ، ويتوب عليكم : يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها ، والله عليم بما يصلحكم ، حكيم في تدبيره فيكم .

                                                                                                                                                                                                                                      والله يريد أن يتوب عليكم يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحب ويرضى ، ويريد الذين يتبعون الشهوات قال مجاهد : هم الزناة يريدون أن يزني أهل الإسلام ، وهو قوله : أن تميلوا ميلا عظيما .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن زيد : هم جميع أهل الباطل في دينهم ، يريدون أن تميلوا ميلا عظيما عن الحق وقصد السبيل بالمعصية فتكونوا مثلهم .

                                                                                                                                                                                                                                      يريد الله أن يخفف عنكم يعني : في أحكام الشرع ، وفي جميع ما يسره الله لنا ، وسهله علينا ، ولم يثقل التكليف كما ثقل على بني إسرائيل .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 38 ] وخلق الإنسان ضعيفا قال ابن عباس والأكثرون : يضعف عن الصبر عن الجماع ، ولا يصبر عن النساء ، فلذلك أباح الله له نكاح الأمة .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : أي يستميله هواه وشهوته فهو ضعيف في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية