الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا جعل الله تعالى الصلح جائزا بين الرجل والمرأة إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليها .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 125 ] قال المفسرون : هذا الصلح في القسمة وهو أن يقول الرجل لامرأته : إنك دميمة أو قد دخلت في السن ، وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة وأوثرها عليك في القسم بالليل والنهار ، فإن رضيت فأقيمي ، وإما كرهت خليت سبيلك ،  فإن رضيت بذلك وإلا كان الواجب على الزوج تمام حقها من المقام عندها ، أو تسريحها بإحسان .

                                                                                                                                                                                                                                      وكل ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز وهو أن تترك له من مهرها أو بعض أيامها ، ومعنى يصالحا يتصالحا فأدغم التاء في الصاد .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ يصلحا من الإصلاح عند التنازع ، كقوله : فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : والصلح خير : من النشوز والإعراض والفرقة ، يقول : أن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وأحضرت الأنفس الشح أي : ألزمت البخل ، قال المفسرون : أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة شحا بحقه قبل صاحبه فالمرأة تشح على مكانها من زوجها ، والرجل يشح على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه منها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وإن تحسنوا أن تصلحوا ، وتتقوا الجور والميل ، فإن الله كان بما تعملون خبيرا .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : (ولن تستطيعوا ) الآية ، قال المفسرون : لن تقدروا على التسوية بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع ؛ لأن ذلك مما لا تقدرون عليه ، ولو حرصتم أي : اجتهدتم ، فلا تميلوا كل الميل إلى التي تحبون في النفقة والقسمة .

                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو عبيدة : لا يقدر أحد على العدل بين الضرائر بقلبه وليس يؤاخذ به ؛ لأنه لا يستطيع ولا يملكه ، لكن عليه أن لا يميل بنفسه وهو الذي وقع عليه النهي ، قال الشافعي : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم فيقول : "اللهم هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم فيما لا أملك "   .

                                                                                                                                                                                                                                      يعني : محبته لعائشة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فتذروها كالمعلقة : قال ابن عباس : لا أيما ولا ذات بعل .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 126 ] قال المفسرون : يقول : لا تميلوا إلى الشابة كل الميل فتدعوا الأخرى كالمنوطة لا في الأرض وفي السماء كذلك هذه لا تكون مخلاة فتزوج ولا ذات بعل يحسن عشرتها .

                                                                                                                                                                                                                                      وإن تصلحوا : بالعدل في القسم ، وتتقوا : الجور ، فإن الله كان غفورا رحيما لما ملت إلى التي تحبها .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : (وإن يتفرقا ) الآية : ذكر الله تعالى جواز الصلح بين الزوجين إن أحبا أن يجتمعا ويتآلفا ، فإن أبت الكبيرة الصلح ، وأبت إلا التسوية بينها وبين الشابة ، فتفرقا بالطلاق ، فقد وعد الله لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق ، وهو قوله : يغن الله كلا من سعته قال الكلبي : أمر الله المرأة بزوج أو الزوج بامرأة .

                                                                                                                                                                                                                                      وكان الله واسعا الجميع خلقه في الرزق والرحمة حكيما فيما حكم ووعظ وعلم ، ذكر ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه فقال : ولله ما في السماوات وما في الأرض أي : هو مالك ما فيها ، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني : اليهود والنصارى وإياكم : أوصى أن اتقوا الله وإن تكفروا بما أوصاكم به فإن لله ما في السماوات وما في الأرض يعني أن له ملائكة من السماوات والأرض هم أطوع له منكم ، وكان الله غنيا لا حاجة له ، والله تعالى غني بذاته لأنه قادر على ما يريد ، حميدا : محمودا على نعمه .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : إن يشأ يذهبكم أيها الناس قال ابن عباس : يريد المشركين والمنافقين .

                                                                                                                                                                                                                                      ويأت بآخرين : قال مقاتل : يخلق غيركم أمثل وأطوع له منكم .

                                                                                                                                                                                                                                      من كان يريد ثواب الدنيا قال ابن عباس : يريد متاع الدنيا ، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة قال الزجاج : كان مشركو العرب لا يؤمنون بالبعث والحساب وكانوا مقرين بأن الله خالقهم فكان تقربهم إلى الله تعالى إنما هو ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها ، فأعلم الله تعالى أن خير الدنيا والآخرة عنده ، فينبغي أن يطلب من عنده ثواب الدنيا والآخرة .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط قوام : مبالغة من قائم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت ، ولو على أنفسكم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج : قوموا بالعدل ، واشهدوا لله بالحق ، وإن كان الحق على نفس الشاهد أو على والديه أو أقربيه .

                                                                                                                                                                                                                                      وشهادة الإنسان على نفسه : إقراره بما عليه من الحق ، فكأنه قيل : ولو كان لأحد عليكم حق فأقروا على أنفسكم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : إن يكن غنيا أو فقيرا أي : إن يكن المشهود غنيا أو فقيرا ، قال ابن عباس : يقول : لا تحابوا غنيا لغناه ، ولا ترحموا فقيرا لفقره .  

                                                                                                                                                                                                                                      وقال عطاء : لا تحيفوا على الفقير ، ولا تعظموا الغني فتمسكوا على القول فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 127 ] وقوله : فالله أولى بهما أي : أعلم بهما لأنه يتولى علم أحوالهما من الغنى والفقر ، وهذا معنى قول الحسن : الله أعلم بغناهم وفقرهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا قال مقاتل : فلا تتبعوا الهوى في الشهادة ، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى ، وهذا من العدول الذي هو الميل والجور .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : تميلوا عن الحق .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وإن تلووا أو تعرضوا قال مجاهد : وإن تلووا تبدلوا الشهادة ، أو تعرضوا تكتموها فلا تقيموها .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا من لي اللسان ، كأنه لواها من الحق إلى الباطل ، وقال السدي : اللي : دفع الشهادة ، والإعراض : الجحود .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ تلوا بواو واحدة من ولاية الشيء ، وهو الإقبال عليه وخلاف الإعراض عنه ، والمعنى : إن تقبلوا أو تعرضوا .

                                                                                                                                                                                                                                      فإن الله كان بما تعملون خبيرا فيجازي المقبل المحسن بإحسانه والمسيء المعرض بإعراضه ، وقال قطرب : وإن تلوا من الولاية ، يريد : إن تلوا القيام بالحق وتتولوه ، وتعرضوا عنه فلا تقوموا به .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية