قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون
قوله تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب روى جابر، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن الخمر كانت تجارتي، وإني اعتقدت من بيعها مالا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أنفقته في حج، أو جهاد، أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" .
وأنزل الله تصديقا لقول رسوله: قل لا يستوي الخبيث والطيب ، قال عطاء، الحرام والحلال، والحسن: ولو أعجبك كثرة الخبيث معنى الإعجاب: السرور بما يتعجب منه، تقول: يعجبني المال والغنى.
أي: يسرني، قال عن عطاء، يريد: أن أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى. ابن عباس:
ثم أمر بالتقوى، فقال: فاتقوا الله يا أولي الألباب الآية.
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرتكموه.
فقام رجل من بني سهم كان يطعن في نسبه وهو عبد الله بن حذافة، فقال: يا نبي الله من أبي؟ [ ص: 234 ] فقال: " أبوك حذافة بن قيس.
وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال: في النار.
وقام آخر فقال: يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك، وما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.
فأنزل الله هذه الآية.
وسأل عن موضع أبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في النار فهو مما يسوء السائل بيانه.
وأما من سأل عن نسبه، فإنه لم يأمن من أن يلحقه النبي صلى الله عليه وسلم بغير أبيه، فيفتضح فضيحة تبقى عليه بسؤال لم يكلف ذلك.
وأما السائل عن الحج فقد سأل عما كان مرفوعا عنه; لأنه كان ظاهر ما نزل من فرض الحج كفاية، فلو كان العدد في الوجوب مرارا لبين في التنزيل أو على لسان الرسول، فسؤاله إذا عن شيء عفا الله، وهو قوله: عفا الله عنها .
وهذا مؤخر في النظم مقدم في المعنى: لأن التقدير: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها.
ومعنى: عفا الله عنها أي: كف وأمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكما.
قال أعلم الله أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، فإذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك، ولا وجه في المسألة عما عفا الله عنه، ولا فيما فيه إن ظهر فضيحة على السائل. الزجاج:
وقوله: وإن تسألوا عنها أي: عن أشياء حين ينزل القرآن فيها من فرض أو إيجاب أو نهي أو حكم، ومست حاجتكم إلى ما هو من جملة ما نزل فيه القرآن، وليس في ظاهرها دليل على شرح ما بكم إليه حاجة، فإذا سألتم عنها حينئذ تبد لكم .
قوله: قد سألها قوم من قبلكم أي: سأل الآيات التي بهم غنى عنها فتكلفوا سألتها، كقوم عيسى: سألوا المائدة ثم كفروا بها، وقوم صالح: سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها.
قوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة أي: ما أوجبها ولا أمر بها.
والبحيرة: فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته.
أي: شق أذنها، وهي بمعنى المفعولة.
قال المفسرون: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن شقوا أذنها، وامتنعوا عن ركوبها وذبحها، ولا يجز [ ص: 235 ] لها وبر، ولا يحمل على ظهرها، ولا تمنع من ماء ولا مرعى.
وقوله: ولا سائبة: قال كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر نذر نذرا، أو شكر نعمة، سيب بعيرا، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها. أبو عبيدة:
وقال إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلها إناث سيبت فلم تركب. الفراء:
وقال هي التي تسيب للأصنام، أي: تعتق لها. ابن عباس:
وقال السائبة من الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم. سعيد بن المسيب:
وقوله: ولا وصيلة الوصيلة من الغنم: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاه فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
وقوله: ولا حام قال ابن عباس، إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره وسيب لأصنامهم فلا يحمل عليه. وابن مسعود:
قال كان هذا كله تشديد شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم وتغليظا. قتادة:
وإن أول من فعل ذلك عمرو بن لحي.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد المزكي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الشيباني، أخبرنا [ ص: 236 ] محمد بن عبد الرحمن السرخسي، أخبرنا أن أبو بكر بن أبي خيثمة، الفضل بن غانم حدثهم، حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، أن حدثه، أنه سمع أبا صالح السمان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أبا هريرة، عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وأنه كان أول من غير دين إسماعيل، ونصب الأوثان، وسيب السائبة، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي" "رأيت وقوله: ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب قال يريد ابن عباس: عمرو بن لحي وأصحابه يتقولون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام، وهم جعلوها محرمة، لا الله عز وجل حرمها.
وقوله: وأكثرهم لا يعقلون قال الشعبي، يعني: الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء الذين حرموا هذه الأنعام. وقتادة:
قوله تعالى: وإذا قيل لهم يعني: لهؤلاء المشركين الذين يحرمون على أنفسهم هذه الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمنهاج، [ ص: 237 ] أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون مضى تفسيره.
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم قال الفراء، هذا أمر من الله، تأويله: احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي. وابن الأنباري:
قال إذا قلت: عليك زيدا، فتأويله: الزم زيدا، وعليكم أنفسكم معناه: الزموا أمر أنفسكم، فإنما ألزمكم الله أمرها. الزجاج:
لا يضركم من ضل من أهل الكتاب إذا اهتديتم، ولا تدل الآية على جواز بأن يتأول فيقال: إذا حفظ المرء نفسه عن المعاصي، وكان مهتديا لم يضره ضلال غيره من أهل دينه، ولا يجب عليه الأمر بالمعروف، وقد صرح ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رضي الله عنه بهذا فيما. أبو بكر الصديق
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد الزعفراني، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب المفيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن السقطي، حدثنا حدثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، قيس بن أبي حازم، رضي الله عنه، قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية تضعونها على غير موضعها أبي بكر الصديق يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب" قال عن خاف أبو عبيدة: الصديق أن يتأول الناس الآية على غير متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف، فأراد أن يعلمهم أنها ليست كذلك، وأنه لو كان وجهها ذلك ما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافها.
والذي أذن الله في الإمساك عن تغييره من المنكر: الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم أهل ملل يتدينون بها.
ثم قد صولحوا على أن شرطهم ذلك.
فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام، فلا تدخل في هذه [ ص: 238 ] الآية والذي يدل على صحة هذه الجملة ما.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أسيد الأصبهاني، حدثنا حدثنا أبي، عن محمد بن عامر بن إبراهيم، عمر بن خليفة الأنصاري، عن قال: كثير بن أبي كثير، حدثنا وهو يومئذ ضرير في بصره، وذكر ابن عباس عتيق بن عثمان فقال رحمه الله: قعد على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم سمي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مد يده فوضعها على المجلس الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس عليها من منبره، ثم قال: سمعت الحبيب وهو جالس في هذا المجلس إذ تأول يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فسرها، وكان تفسيره لها أن قال: نعم، ليس من قوم عمل فيهم بمنكر وسن فيهم بقبيح، فلم يغيروه ولم ينكروه إلا وحق على الله أن يعمهم بالعقوبة جميعا ثم لا يستجاب لهم.
ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: إلا أكن سمعتها من الحبيب قصمتها ولابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية طريقة أخرى وهي ما.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا حدثنا سهل بن عثمان، عبد الله، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن قال: أبي العالية،
[ ص: 239 ] كانوا عند فوقع بين رجلين ما يكون بين الناس حتى قام كل منهما إلى صاحبه، فقال بعضهم: ألا أقوم إليهما فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال بعضهم: عليك نفسك، إن الله تعالى يقول: ابن مسعود يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فسمعها فقال: مه، لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن القرآن حين نزل كان منه آي مضي تأويلها من قبل أن ينزل، ومنه آي وقع تأويلها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي وقع تأويلها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين، ومنه آي يقع تأويلها عند الساعة ما ذكر من أمر الساعة، ومنه آي يقع تأويلها عند الحساب ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه ويدل على صحة ما ذهب إليه ابن مسعود في تأويل هذه الآية ما. ابن مسعود
أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرني العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرنا محمد بن شعيب، عقبة بن أبي حكيم، حدثني عن عمرو بن جارية، أبي أمية، قال: فقلنا: كيف نصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ فقلت: أبا ثعلبة الخشني، يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " [ ص: 240 ] نعم، ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت الأمر لا يدان لك به، فعليك نفسك ودع أمر العوام" ، وذكر الحديث وقوله: أتينا إلى الله مرجعكم جميعا قال مصيركم من خالقكم. عطاء:
فينبئكم بما كنتم تعملون قال: يجازيكم بأعمالكم.