ثم حرض المؤمنين على قتالهم، فقال: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ، يعني نقضوا عهدهم حين أعانوا كنانة بالسلاح على خزاعة، وهم صلح النبي صلى الله عليه وسلم، وهموا بإخراج الرسول ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حين هموا في دار الندوة بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، أو بوثاقه أو بإخراجه، وهم بدءوكم أول مرة بالقتال حين [ ص: 38 ] ساروا إلى قتالكم ببدر، أتخشونهم فلا تقاتلونهم، فالله أحق أن تخشوه في ترك أمره، إن كنتم مؤمنين به، يعني إن كنتم مصدقين بتوحيد الله عز وجل.
ثم وعدهم النصر، فقال: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم بالقتل، ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ، وذلك أن بني كعب قاتلوا خزاعة، فهزموهم وقتلوا منهم، وخزاعة صلح النبي صلى الله عليه وسلم، وأعانوهم كفار مكة بالسلاح على خزاعة، فاستحل النبي صلى الله عليه وسلم قتال كفار مكة بذلك، وقد عمرو بن عبد مناة الخزاعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مستعينا به، فقال له:
اللهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا كان لنا أبا وكنا ولدا
نحن ولدناكم فكنتم ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر رسول الله نصرا أيدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجرى مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
ونصبوا لي في الطريق مرصدا وبيتونا بالوتين هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا
[ ص: 39 ] أم حسبتم أن تتركوا على الإيمان ولا تبتلوا بالقتل، ولما يعلم الله ، يعني ولما ير الله الذين جاهدوا العدو منكم في سبيله، يقول: لا يرى جهادكم حتى تجاهدوا، ولم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله ولا من دون المؤمنين وليجة يتولجها، يعني البطانة من الولاية للمشركين، والله خبير بما تعملون . ما كان للمشركين ، يعني مشركي مكة، أن يعمروا مساجد الله ، يعني المسجد الحرام، شاهدين على أنفسهم بالكفر ، نزلت في ، وفي العباس بن عبد المطلب بني أبي طلحة، منهم: صاحب شيبة بن عثمان الكعبة، وذلك أن ، العباس وشيبة ، وغيرهم، أسروا يوم بدر، فأقبل عليهم نفر من المهاجرين، فيهم والأنصار وغيرهم، فسبوهم وعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ علي بن أبي طالب بقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وبقطيعته الرحم، وأغلظ له القول، فقال له العباس ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ قالوا: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم، لنحن أفضل منكم أجرا، إنا لنعمر العباس: المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، يعني الأسير، فافتخروا على المسلمين بذلك، فأنزل الله: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر .
أولئك حبطت أعمالهم ، يعني ما ذكروا من محاسنهم، يعني بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، يقول: ليس لهم ثواب في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنها كانت في غير إيمان، ولو آمنوا لأصابوا الثواب في الدنيا والآخرة، كما قال نوح، وهود، لقومه: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم بالمطر مدرارا ، يعني متتابعا: ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ، فهذا في الدنيا لو آمنوا، ثم قال: وفي النار هم خالدون لا يموتون.
[ ص: 40 ]