الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              القول في البيان عما في الأخبار التي ذكرناها من الغريب

              فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "اجعلهن الزهر البيض" وعنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: الزهر ، إما جمع زهراء أو أزهر ، والزهراء البيضاء النقية البياض في حسن يقال منه: هذه امرأة زهراء ، وهذا رجل أزهر ، وذلك إذا كان الغالب على ألوانهما البياض في حسن وبهاء ، ومنه الخبر عن أنس: [ ص: 865 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون  ، وعن علي بن أبي طالب في صفة النبي: أنه كان أزهر اللون ، ومنه قول أبي دهبل الجمحي في صفة جارية:


              وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون

              ومنه قول الأعشى في صفة إبريق:


              إذا انكب أزهر بين السقاة     تراموا به غزبا أو نضارا

              ومنه قيل للسراج إذا كان يضيء: هو يزهر ، وأرى أن النجم الذي يسمى الزهرة سمي زهرة لإضاءته وصفاء نوره.

              وأما قوله: الغر فإنه عنى بالغر إما جمع غراء أو أغر ، والأغر الأبيض الحسن ، ومن ذلك قيل للثنايا إذا كانت بيضا حسانا: هن غر: ومنه قول جرير بن عطية في صفة أسنان امرأة:


              تجري السواك على أغر كأنه برد     تحدر من متون غمام

              ومن ذلك قيل للفرس إذا كان في أرساغه أو في وجهه بياض يخالف لون سائر جلده: أغر ، ومنه قول الشاعر: [ ص: 866 ]

              وما ينظر الحكام بالفصل بعدما     بدا واضح ذو غرة وحجول

              ومنه قول الآخر:

              كذبتم ، وبيت الله ، لا تقتلونه     ولما يكن يوم أغر محجل

              ومنه الخبر الذي روي عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإبل غر الذرى ، يعني بذلك بيض الأسنمة.

              وسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأيام الثلاثة ، أعنى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بيضا  ، وإنما الموصوف بذلك ليالي هذه الأيام الثلاثة ، إذ كانت الأيام إذا جمعت دخل النهار مع الليل في العدد ، فيقال: كنا بمكان كذا عشرة أيام ، يعني بذلك: الليالي والأيام فلذلك قيل: الأيام البيض ، وإن كانت العرب إنما تصف بذلك ليالي هذه الأيام ، وإنما قيل لهذه الليالي الثلاث: بيض لبياضهن بطلوع القمر فيهن من حين تغيب الشمس إلى أن يضيء الفجر ، فيغلب ضوءه على ضوء القمر ، ولكل ليلة من هذه الليالي عند العرب اسم ، فليلة الثلاث عشرة تسميها ليلة السواء ، لأنه يستوي فيها القمر ويعتدل ويتناهى تمامه ، وهي ليلة التمام، [ ص: 867 ] يقال: هذه ليلة تمام القمر ، وذلك وفاء ثلاث عشرة ، وأما ليلة الأربع عشرة ، فإنها تسمى ليلة البدر ، لأن القمر يبادر الشمس بالغداة ويطلع بالعشي قبل غروبها ، وأما ليلة الخمس عشرة فليلة النصف.

              وأما قول أنس بن مالك: فسعى عليه القوم فلغبوا ، فإنه يعني بقوله: لغبوا ، نصبوا وتعبوا ، يقال منه: قد لغب فلان فهو يلغب لغبا ولغوبا ، إذا أعيى ونصب ومن اللغوب قوله جل ثناؤه: وما مسنا من لغوب يعني: من عناء ونصب ، وأما قول خزيمة بن جزء ، قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت أسألك عن أحناش الأرض ، فإنه يعني بالأحناش هاهنا دواب الأرض التي تدب عليها ، ويقال لجنس من الحيات معروف بأعيانها: أحناش واحدها حنش ، وذلك لها اسم ، وأما قول جابر بن عبد الله: فذكاهما بمروة فإنه يعني بالمروة حجرا صغيرا ، وجمعها مرو ، والمرو عند العرب هي الحصا الصغار ، يدل على ذلك قول الأعشى في صفة ناقة :

              [ ص: 868 ]

              وتولي الأرض خفا ذابلا     فإذا ما صادف المرو رضح

              يعني بالمرو جمع مروة ، ومن المروة قول أبي ذؤيب الهذلي:

              حتى كأني للحوادث مروة     بصفا المشرق كل يوم تقرع

              وأما قول القائل لعبيد بن عمير في الأرنب: زعموا أنها تطمث ، فإن بين أهل العلم بكلام العرب فيه اختلافا فيقول بعضهم: الطمث هو الجماع الذي يكون معه تدمية المجامعة ، ويقول: ذلك الدم الذي يظهر من فرج الأنثى مع الجماع هو الطمث ويقول آخرون: بل الطمث هو المسيس والمباشرة ، وحكى قائل ذلك [ ص: 869 ] عن العرب سماعا أنها تقول: ما طمث هذا البعير حبل قط ، بمعنى ما مسه حبل قط ، وقال آخرون: الطمث هو الحيض بعينه ، والذي خاطب عبيد بن عمير بالذي ذكرناه لا نراه أراد إلا الحيض ، وأما الذي ذكره الله جل ثناؤه في كتابه فقال: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، فإنه محتمل هذه الأوجه كلها وقد بينا في كتابنا جامع البيان عن تأويل آي القرآن الصواب من القول فيه [ ص: 870 ]

              التالي السابق


              الخدمات العلمية